“عليك انتظار قرار جديد يخص وضعك”

يقف بمريوله الأبيض الفضفاض في أحد مطابخ اسطنبول الأوروبية، وأمامه برج من الأطباق التي علقت عليها بقايا الطعام، تنتظره لينظفها، ما يلبث أن ينتهي من آخر معلقة حتى يصل إليه فوج آخر للجلي.

يبدأ مجد -17 عاماً – عمله منذ الساعة 1 ظهراً، وحتى الساعة 8 مساء، إلا أنه بدأ يعاني مؤخراً من أوجاع أسفل ظهره، وجفاف في يديه، ولقلة حيلته، فضل معالجة نفسه بنفسه، إذ يمسح ظهره بمرهم حار قبل أن ينام كل ليلة.

قدم مجد من دمشق إلى اسطنبول بتاريخ 6/1/2016، قبل 5 أيام من تطبيق قرار الحكومة التركية فرض فيزا على المواطنين السوريين، تاركاً دراسته الثانوية وراء ظهره، ومحاولاً اللحاق بأخوته في ألمانيا، وسلك طريق البحر، للوصول وإكمال دراسته هناك.

يقول مجد إنه تخوف من عبور البحر بسبب الأحداث المأساوية التي كان يسمعها، غير أن الأخبار كانت تتوارد حينها عن إعادة اليونان للاجئين غير الشرعيين المتواجدين على أرضها، والذين ينتظرون الوصول إلى القارة العجوز، عقب اتفاق تديره تركيا مع الاتحاد الأوروبي.

إثر ذلك، قرر مجد الاستقرار في اسطنبول، بالتزامن مع بحثه عن فرصة عمل، واستكمال دراسته الثانوية في أحد مدارس المدينة العملاقة، يقول “الحظ السيء كان حليفي منذ مغادرتي لدمشق، إذ تمت سرقة ما أملك من مال من أحد زملاء السكن الشبابي الذي أقمت فيه، ولاذ بالفرار.”

لم يستطع التقدم على طلب الإقامة في الوقت اللازم، أي قبل 3 أشهر منذ وصوله إلى البلاد، وكان عليه أن يدفع ضريبة مالية لقاء ذلك، فيما لم يكن في جيبه إلا ما يكفيه الأكل والنوم لبضعة أيام.

“لا يمكنك التسجيل في مدرستنا دون كمليك” كان الجواب الوحيد الذي ينتظر مجد عند باب كل مدرسة يحاول التقدم إليها، ويوضح “نصحني الأصدقاء بضرورة استخراج الكمليك -هوية اللاجئين في تركيا – من أجل المدرسة، إلى جانب فوائده في التأمين الطبي، والحصول على الأدوية مجاناً، إذا ما احتجت لذلك.”

ويضيف: “عند ذهابي للأمنيات في الفاتح لإصداره، أخبرني الموظف بأنه لا يحق لي، ذلك أنني دخلت من المطار بطريقة نظامية، والكمليك مخصص فقط للقادمين براً أو تهريباً من سوريا.”

حصل مجد على عمل أخيراً، بعد اتقانه بضع كلمات تركية تعلمها ذاتياً من اليوتيوب، وسعى لجمع أموال من أجل الحصول على الإقامة ودفع الضريبة، وعندما حاول استخراجها مجدداً، كان الرد بأنه متأخر أكثر من 6 أشهر، وكان الخيار أن يبقى بلا أوراق أو أن يسافر إلى خارج تركيا، ويعود.

يقول مجد مستهزءاً: “إن الأمر أشبه بمعضلة الدجاجة والبيضة، فإذا ما خرجت من تركيا لن أستطيع الدخول دون فيزا، والفيزا باتت حلماً للسوريين مؤخراً.”

يعيش مجد على وقع مخاوف يومية، أبسطها أن تُسرق أمواله مجدداً، إذ لا يستطيع فتح حساب في البنوك التركية لحفظ بضعة ليرات جمعها، لعدم استكمال أوراقه القانونية.

تغيب الأرقام والإحصائيات عن أعداد السوريين الذين لا يملكون أوراقاً نظامية في تركيا، والذين يعانون من صعوبات في العمل والدراسة والتنقل نتيجة ذلك، ومنهم عبلة التي تشبعت بقصص اللجوء والظلم الذي يمارس عليهم، محاولة إيصال صوتهم في تقاريرها الصحفية، ونسيت أن تكتب مشكلتها.

عبلة التي فضلت عدم الكشف عن لقبها، سيما أنها كانت تكتب باسم مستعار طوال ممارسة عملها كصحفية، غادرت سوريا منتصف عام 2013 بعد أن التقت بزميلة صحفية حدثتها عن فرصة عمل في موقع الكتروني ناشئ في تركيا، ومع تأزم الأوضاع في دمشق التي أثرت عليها بشكل مباشر، وما يليه من غياب فرص العمل، إلا تلك التي تقيد حرية الصحفي في الكتابة، من خلال الترويج للنظام وتقديس الشخصيات، ورغبة منها في الخروج من دوامة العنف. قررت القبول بالعمل، لكن المفاجئة كانت أن صديقتها أخبرتها تعثر إطلاق الموقع الصحفي بعد أيام من وصولها إلى تركيا، فبقيت تبحث عن عمل لأشهر وتكتب لصحف عربية، ريثما تجد فرصتها.

نقول عبلة “في تلك الفترة كنت ضائعة جداً ومتخوفة من البقاء دون عمل مع 700 دولار فقط في جيبي. أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي”، وتضيف “بتقصير مني وعدم إلمام بالإجراءات القانونية حينها، تأخرت في استخراج الإقامة.”

واليوم عبلة بلا كمليك “هوية لجوء” أو إقامة في تركيا، وتقول إنها أخذت موعداً لاستخراجها منذ أشهر، وحينها حصلت على ورقة طرد نتيجة عدم قانونية وضعها، لكن الموظف قال لها إن الورقة شكلية بالنسبة للسوريين و بإمكانها البقاء، ولكن عليها انتظار قرار جديد من قبل الحكومة التركية من أجل تقنين وضعها.

وتؤكد عبلة “إنهم يلعبون بأعصابنا، قدمت لاستخراج الإقامة على أساس قرار إعفاء السوريين المخالفين لشروط الإقامة، وذلك لم يحدث، وكأن كل موظف يطبق قوانينه الخاصة،” وتضيف “نصحني البعض بتوكيل محامي، لكن الكثيرين يؤكدون أن لا جدوى من ذلك.”

تتابع الصحفية “أشعر وكأنني مكتومة القيد وبلا حقوق،” وتشبه نفسها بورقة معلقة في الهواء، لا تعرف متى ستسقط، تقول “تعبت من وضعي وحاولت اللجوء إلى السماسرة الذين طلبوا حوالي 2000 دولار مقابل ورقة مزورة، لأتراجع بعد ذلك، لعلمي بعدم جدواهم، ورفضي لتلك الأساليب المشبوهة.”

عبلة لا يمكنها السفر لأي مكان وحتى داخل الأراضي التركية، وإن غامرت وخرجت من تركيا ستمنع من العودة، وعلى إثر ذلك هي سجينة في اسطنبول، وتخلت عن المشاركة في العديد من المشاريع الإعلامية والمنح خارجاً، إلى جانب تعثرها في استخراج إقامة عمل في المؤسسة التي تعمل بها، أو حتى زيارة أقاربها الذين يبعدون عنها ساعة في الطائرة.

تقول “لا يمكنني السفر حتى داخل المدن التركية، بسبب إذن السفر الذي فرضته الحكومة على السوريين مؤخراً على حاملي الكمليك، وأنا لا أملك إلا جواز سفري السوري، الذي ستنتهي صلاحيته نهاية العام القادم.”

وتشير عبلة إلى أنه لا يمكنها استخراج بطاقة كمليك أيضاً، لأنها دخلت الأراضي التركية بشكل نظامي، فيما الكمليك يعطى للداخلين بطريقة غير شرعية أو عن طريق البر،” وتشبه ما حدث معها بِكُرة ثلج كبرت مع الوقت، واليوم تقف عاجزة تنتظر أي خيط تتمسك به، فيما يبقى الجواب الوحيد “عليك انتظار قرار جديد يخص وضعك.”

تؤكد عبلة أنها تريد مزاولة نشاطاتها التي تخلت عنها منذ سنتين، بسبب أوراق وقوانين وأختام، تريد أن تتمتع بأبسط حقوقها كصحفية وإنسانة أولاً.

Read in English

حكمت الحبّال

صحفية سورية تعمل حالياً في شبكة التلفزيون العربي، وعملت سابقاً في العربي الجديد، كما ساهمت في عدد من الصحف والوسائل الإعلامية العربية والدولية، منها إذاعة هولندا العربية "هنا صوتك" والمدن والسفير والبولتكن الدينماركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط