البحث عن مقاربة جديدة لمحادثات السلام في اليمن

بدأت جولة جديدة من محادثات السلام في اليمن يوم 21 أبريل/نيسان في الكويت، ولكن الأمل يبقى ضعيفا جداً في تحقيق تقدم كبير في هذه المحادثات، من أجل انهاء الحرب التي بدأت منذ 18 شهراً، حضر طرفي المفاوضات – وفد حكومة هادي عبد ربه منصور المقيمة في المنفى في الرياض ووفد تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح – جولتين من المفاوضات المدعومة من الأمم المتحدة في سويسرا، في شهري يونية وديسمبر 2015، ولكن كلا الجولتين فشلتا في التوصل إلى أي نتائج إيجابية، أو حتى التقليل من حدة القتال. وهذه المرة أيضا تمت إعاقة المفاوضات أكثر من مرة، بسبب خلافات كبير بين الطرفين، ففي الأول من شهر مايو أعلن مسئولين في الحكومة اليمنية تعليق المفاوضات، عقب استيلاء الحوثيون على قاعدة عسكرية في شمال صنعاء.

القيود على محادثات اليمن

هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تكون السبب وراء جلوس الأطراف المتصارعة على طاولة المفاوضات، للمرة الثالثة منذ اندلاع الصراع في سبتمبر 2014، حيث لم يحدث تقدم كبير على جبهة القتال، خاصة منذ تحرير عدن من قبضة الحوثيين في يوليو 2015، وأياً ما كان التقدم الذي تم تحقيقه من قبل، فقد كان تقدماً لحظياً وقصير الأجل، في ظل حقيقة فشل حكومة هادي في إعادة تأسيس حضورها ومواجهة القضايا الأمنية على الأرض، في المناطق التي تم دحر الحوثيين منها بمساعدة قوات التحالف. كما أن المفاوضات المباشرة بين الحوثيين والسعوديين – التي جرت في الرياض في مارس – هي دليل على تغير في الموقف السعودي، فهذا الأمر ربما يشير إلى إدراك السعوديون لقصور الحل العسكري في اليمن. هذه المحادثات المباشرة أدت إلى تبادل للسجناء، وساعدت في تخفيف حدة التوتر على الحدود السعودية-اليمنية، كما أنها شجعت الحوثيون على حضور محادثات الكويت، طبقا لتصريحات المتحدث الرسمي باسم الحوثيين.

تظل الإرادة السياسية والالتزام من قبل الأطراف الحاضرة في الكويت محل تساؤل، ففي الوقت الذي وافقوا فيه على الجلوس على طاولة المفاوضات، يبدو أنهم قاموا بهذا الأمر بتردد، حيث حضر وفد الحوثيون وصالح للمفاوضات متأخراً، ولذلك بدأت المفاوضات متأخرة ثلاثة أيام عن الوقت الذي كان محدداً أن تبدأ فيه. كما انسحب الطرفان من المحادثات أكثر من مرة، الامر الذي قاد العديد من المتابعين إلى الاعتقاد بأن هذه المحادثات هي ببساطة نتيجة للضغوط الإقليمية والدولية، أكثر من كونها تعبر عن رغبة حقيقية لإنهاء الصراع. 

يستمر كلا الطرفين في اليمن في تبني مواقف متشددة، فقد أعلن وفد الحوثيون وصالح عن رغبتهم في بدء المسار السياسي، بتشكيل حكومة ائتلافية، ومعالجة القضايا الخلافية المتعلقة بالدستور وشكل بنية الدولة قبل معالجة القضايا الأمنية. وفي الوقت الذي يطلبون فيها الوقف الكامل للغارات الجوية، تستمر هجماتهم على الأرض في العديد من المناطق في اليمن، بما في ذلك استيلائهم مؤخرا على قاعدة عسكرية في شمال صنعاء. أما بالنسبة لحكومة هادي، التي تعتبر قوات الحوثيين وصالح مجرد مليشيات خارجة عن القانون، فهي مستمرة في الإصرار على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216، وذلك بالبدء في انسحاب المليشيات من المدن التي تتواجد فيها، وتسليم الأسلحة الثقيلة للدولة، الدولة هنا ممثلة في الحكومة المعترف بها دولية، والتي تتخذ الرياض مقراً لها.   

الأطراف الفاعلة التي لم تحضر محادثات الكويت

هناك العديد من الأطراف الفاعلة التي لم يتم دعوتها لحضور مفاوضات السلام في الكويت، وهم أيضا ظلوا خارج إطار عملية السلام التي تدعمها الأمم المتحدة بصفة عامة. حيث ينخرط في مفاوضات السلام في الكويت عدد صغير من الأطراف الفاعلة وأصحاب المصلحة، دونما أي اعتبار للديناميكيات المحلية المعقدة في اليمن. وحتى لو كتب لهذه المفاوضات النجاح، فإن أي اتفاقية لن تستطيع الصمود، بسبب استبعاد الفاعليين المحليين الاخرين.   

إن القوات المحلية التي تقاتل ضد قوات تحالف صالح والحوثيين – في مناطق مثل تعز ومأرب والبيضاء والجنوب – يتم وسمها بصورة خاطئة في وسائل الاعلام باعتبارها قوات مؤيدة للرئيس هادي، إلا أن الكثير من هذه المجموعات يقاتل من أجل قضايا ومظالم على المستوى المحلي، مثل التهميش التاريخي لهذه المجموعات والتوزيع غير العادل للموارد. إن الوفود الحاضرة في محادثات السلام- بما فيها وفد حكومة هادي – تمثل النخب التقليدية، التي اختطفت الدولة – بصورة ممنهجة ودون أي رادع – لصالحها، وقامت بتهميش بقية البلاد على مدار العقود الماضية. كما أن ممثلي على عبد الله صالح وحكومة هادي لهم سجل كبير في جرائم الفساد. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه اعتبار الحوثيون جزء من النخب التقليدية، إلا ان الكثيرون أصبحوا يعتبرونهم كذلك، خاصة في الجنوب، حيث هناك مقاومة مسلحة ضدهم، وهي كذلك في مناطق مثل مأرب وتعز والبيضاء، وذلك بسبب تحالفهم مع على عبد الله صالح، وفي ظل حقيقة أنهم أتوا من المناطق الشمالية التي سيطرت على الحكم تاريخا، وأيضا بسبب توسعهم بالقوة في مختلف ارجاء البلاد.

 

في الوقت الذي كان يتم فيه الاعداد للمحادثات، تظاهر عشرات الالاف من الجنوبيين – المنحدرين من مدينة عدن، هذه المدينة التي يطلقون عليها عاصمة الجنوب العربي – من أجل المطالبة بحق تقرير المصير والحق في الانفصال. إن حضور حكومة هادي في الجنوب ضعيف للغاية، إذا كان موجوداً أصلاً، كما أن المناطق الجنوبية تحت سيطرة خليط من السلطات المحلية وجماعات تمثل المقاومة بالإضافة الى الجماعات المتطرفة. “السلطة المحلية والمقاومة الجنوبية هم الذين يمثلون الجنوب وليس حكومة هادي” يقول أحمد الصالح – المتحدث باسم منتدى شباب الجنوب – ويتابع “إن الفشل في اشراكهم في محادثات الكويت سوف يقود إلى نتائج كارثية.”

يتضح من المناقشات مع سكان محافظة مأرب – حيث تنخرط قوات المقاومة المحلية في قتال الحوثيين منذ أكثر من عام – أنهم يتشككون في أن محادثات السلام سينتج عنها مخرجات إيجابية، أو انها سوف تنهي التهميش الممنهج لمحافظتهم، والتي تنتج اغلب النفط والغاز اليمني، يقول أحمد الشليف – أحد قادة المقاومة المحلية في منطقة صرواح في مأرب “لن نخضع لأي اتفاقات لا تخدم مأرب، أو لا تشركنا في صنع القرارات” أحمد هو أحد الذين اصابهم الإحباط نتيجة استبعادهم من المحادثات. يتساءل أحمد ” لماذا يختارونا شركاء في الحرب ولا يشركونا في السلم” مشيراً لحكومة هادي.     

لا يؤمن الكثيرين في تعز – التي يمثل النازحين فيها حوالي 32% من اجمالي عدد النازحين في اليمن نتيجة الحصار الشديد والقصف المكثف والمعارك العنيفة بين الحوثيين والمقاومة المحلية على مدار العام الماضي – في جدوى المفاوضات على الاطلاق. تقول لطيفة أحمد – صحفية وناشطة من تعز، فقدت أخيها وابن أخيها في المعارك ضد الحوثيين في تعز اثناء الحرب – “إن الطريق الوحيد لإنهاء هذا الأمر هو المقاومة المسلحة.” 

تواجه محادثا الكويت بالفعل عقبات نتيجة اختلاف الاجندات والمصالح حول طاولة المفاوضات، ولو أن المجتمع الدولي تسرّع في دعم تسوية تعكس مصالح الحاضرين فقط في هذه المحادثات، فإن المخرجات الناتجة عن مثل هذه التسوية سوف تكرر أخطاء العملية الانتقالية. إن عملية الانتقال التي كانت فيها عيوب كبيرة في عام 2011، والتي تمت بوساطة من مجلس التعاون الخليجي، وتم دعمها من جانب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، نتج تقاسم في السلطة بين الحزب الحاكم السابق وائتلاف المعارضة. كما أنها ضمنت للرئيس الأسبق على عبد الله صالح الحصانة، وبالتالي سمحت باستمرار عناصر النظام السابق في الاستحواذ على السلطة والموارد. اما بالنسبة لمؤتمر الحوار الوطني – الذي اجتمع فيها 565 مندوباً يمثلون مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني لمناقشة جهود المصالحة – فقد تم انتقاده على نطاق واسع بأنه كان ذو طابع نخبوي. هذا تسبب في استمرار عوامل الفساد والتهميش السياسي والمظالم المتراكمة، والتي كانت سبباً في اندلاع انتفاضة 2011 دون معالجة حقيقية. ونتيجة لذلك، فإن الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية تدهورت بشكل سريع، وفشت العملية الانتقالية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد وتيرة العنف في سبتمبر 2014.

يمكن أن تستمر الأمم المتحدة في المجتمع الدولي في وضع المزيد من الضغوط على الأطراف المتصارعة في الكويت، من أجل الاتفاق على وقف إطلاق النار، والتوصل إلى اتفاق مبدئي على الحل، ولكن لابد من الاعتراف بمحدودية قدرتها على انهاء الصراع بشكلها الحالي. إن عملية الانقسام في فترة ما بعد 2011 هو حقيقة واقعة في اليمن، وأي حلول ترقيعية لإنهاء الصراع في اليمن سوف تؤدي فقط إلى إعادة انتاج أنماط الاستبعاد والتهميش السابقة والتي أدت الي الصراع. إذا استطاعت الأمم المتحدة والسعودية والمجتمع الدولي اشراك الفاعلين المحليين مثل المحافظين والمسئولين الأمنيين وقادة المقاومة الرئيسيين في المحادثات، فإن من شأن ذلك أن يساعد في تهدئة التوترات المحلية، وتقوية منظومة الحكم وتحسين الظروف الأمنية ودعم جهود بناء السلام على المدي المتوسط والبعيد.

Read in English

نَدوى الدوسري

باحث غير مقيم في مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط، الدوسري متخصصة في الشئون القبلية في اليمن.