لسنا مواطنين: مسيحيو مصر يبحثون عن مكان للعبادة

ما تزال حوادث العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في مصر تشكل أصعب التحديدات التي تواجه المجتمع والدولة. حيث أن عدم الاحتكام للقانون في مثل هذه الحوادث، وانتهاء غالبية الأحيان بعدم معاقبة المعتدين، كلها أمور تساهم في بقاء المشكلة الطائفية عالقة بدون حل جذري، وتعبر عن نفسها بحوادث عنف متكررة، نظراً لغياب الرادع الذي يمنع حدوثها مجدداً.  تتنوع أسباب حوادث العنف الطائفي في مصر، ويأتي على رأسها النزاعات المرتبطة ببناء الكنائس، والنزاعات المرتبطة بالعلاقات العاطفية أو الجنسية بين طرفين أحدهما مسلم والأخر مسيحي، وهناك أيضاً النزاعات الناتجة عن المعاملات التجارية. وقد وصل الأمر في بعض الأحيان إلى وقوع حادثة عنف طائفي بسبب حرق مكوجي مسيحي لقميص مسلم في قرية دهشور قبل 4 سنوات.

يناقش هذا المقال تداعيات غياب إطار قانوني متفق عليه لتنظيم عملية بناء وترميم الكنائس على علاقة الأقباط بالدولة والمجتمع في مصر، حيث لا تتوقف تداعيات هذا الغياب على تواتر حوادث العنف الطائفي فقط، بل تتعداها إلى تقويض شعور الأقباط بالمواطنة الكاملة.  

عملية بناء الكنائس في مصر ينظمها ما يعرف بشروط العزبي باشا، وكيل وزارة الداخلية المصرية، وقد تم إصدارها في عام 1934، وهى شروط عشرة استخدمت بشكل تحكمي للتضييق على عملية بناء وتجديد الكنائس في مصر. ومن بين هذه الشروط، موقع الكنيسة من أقرب مسجد أو ضريح إسلامي، وهل هي وسط بيوت المسلمين أم لا؟ وهل المسلمون في موقع الكنيسة المقترح موافقون على بنائها؟ كما تتضمن الشروط عدد المسيحيين في المنطقة وموقعهم لأقرب كنيسة مجاورة. ونتج عن هذه الوضعية، وجود العديد من الكنائس المشيدة بالفعل والمعدة لممارسة الشعائر بها، ولكنها مغلقة بسبب عدم حصولها على الترخيص، حسب ما قاله الانبا بولا ممثل الكنيسة القبطية في لجنة إعداد قانون بناء الكنائس ومسئول ملف العلاقات بين الدولة والكنيسة دون تقديم عدد محدد لها في مقابلة مع الكاتب. كما أن هناك كنائس كان يتم الصلاة فيها بالفعل، ولكن تم اغلاقها لأسباب أمنية. ويعتبر فرض شروط معينة على إقامة دور للعبادة ليس أمراً حكراً على مصر، فتركيا على سبيل المثال لم يتم فيها بناء أي كنيسة جديدة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، ولكن في يناير الماضي وافق رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو على بناء كنيسة جديدة في إستانبول. 

ولمواجهة هذه القيود في مصر، يضطر المسيحيون للتحايل من أجل إقامة شعائرهم الدينية، وذلك بتحويل منازلهم أو أي مباني كنسية خدمية لأماكن يمكن الصلاة فيها، أو حتى الصلاة في الشارع. وهو ما ينتج عنه اشتباكات طائفية كل مرة يعترض فيها المسلمون على هذا الأمر، وتتعرض منازل وممتلكات الأقباط للهجوم عليها واحراقها في أحيان كثيرة. وهو ما حدث في المنيا خلال الأسابيع الماضية. حيث شهدت المحافظة عدة حوادث عنف طائفي، طبقا لبيان نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ففي يوم 17 يوليو تم الاعتداء على عائلة اثنين من رجال الدين المسيحي بقرية طهنا الجبل، أسفرت عن مقتل شخص واصابة ثلاثة أخرين. وفي يوم 10 يوليو هاجم مئات من المسلمين الغاضبين بقرية نزلة أبو يعقوب منازل عدد من الأقباط، وتم نهب وحرق خمسة منها، تحت زعم تحويل منزل إلى كنيسة. وفي 29 يونيو، قام مسلمو قرية كوم اللوفي بمهاجمة منزل أحد الأقباط وأشعلوا النيران فيه لنفس السبب، كما أشعلوا النيران في أربعة منازل مجاورة. وفي محافظة بني سويف المجاورة، يصور فيديو طفلة “مصرية مسيحية” في شرفة منزلها تقول لوالدتها في رعب “ماما.. أنا خايفة أوي” فيما يقوم العشرات برشق منزلهم بالحجارة، بعد شائعة تحويل منزل هذه الأسرة لكنيسة.

لسنا مواطنين مصريين 

يلخص البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، مشكلة بناء الكنائس في مقال كتبه مؤخراً في مجلة الكرازة الناطقة باسم الكنيسة بقوله “مع تزايد السكان الكبير، صار بناء الكنيسة أمراً عسيراً، يجد كل تعنت مع أكثر من مسئول بلا سبب، إلا تمييزاً وتضييقاً وتعصباً ولا يمر عام إلا ونسمع عن هذه الأحداث، وكأن التجمع والصلاة والعبادة للمسيحية صار مجرّماً، ولا يستطيع مسيحي مصري مقابلة ربه للعبادة إلا بتصريح وقرار، وعليه الانتظار حتى يصدر… ووقعت حوادث في أماكن متفرقة سميت بالفتنة الطائفية وسببت صداعاً وألماً وجراحاً في نفوس الأقباط، وإحساسهم بأنهم ليسوا على نفس مستوى المواطنة مع إخوتهم في الوطن.” 

إن المسيحيين المتضررين على الأرض يقولون بأنهم يخرجون بعد كل أزمة واعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم بسبب إقامة شعائرهم الدينية والصلاة “أقل شعوراً بأنهم مصريين في بلد لا يحميهم”. هذا الاحساس بعدم توفير الأمان من قبل الدولة وبعدم معاقبة المعتدين يزيد من إدراكهم السلبي تجاه الدولة والمجتمع.

هذا الاتجاه يمكن تلمسه في الزيارات الميدانية بعد كل حادثة عنف طائفي، ففي المنيا اضطر المسيحيون هناك للصلاة في قيظ النهار في أرض غير ممهدة بين زراعات الذرة، بعد احتراق خيمة كانوا يستخدمونها ككنيسة قبل شهور. وتتضاعف المرارة لأنهم يصلون بجوار كنيسة قائمة بالفعل، ولكنها غير مفتوحة، لأنها لم تتحصل على ترخيص. مشهد الصليب الخشبي المحروق والملقى على الأرض وسط بقايا الخيمة الكنسية المحروقة يزيد من الاحساس بالغضب والظلم. وهو ما عبرت عنه سيدة مسيحية مسنة بقولها بأسى “عايزين نحس اننا بني ادمين ولينا حقوق بالفعل مش بالكلام، عايزين كنيسة تلمنا احنا وعيالنا بدل ما احنا بنصلي في الشمس والحر… أريد ان أشعر أني مصرية لي الحق في الصلاة مثل اخواتي المصريين.”

وفي تعاطيها مع هذا الأمر، تستمر الدولة في رفع شعارات الأخوة في الوطن والمحبة بين عنصري الأمة. فتعليقا منه على أحداث العنف الطائفي الأخيرة، حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من “محاولات تُبذل للوقيعة بين المصريين” مستنكرا “تقسيم المصريين إلى مسلمين وأقباط”. مضيفاً أن “جميع المصريين متساوون في الحقوق والواجبات وشركاء في هذا الوطن.”

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

ولكن إدراك المسيحيين لوضعهم في المجتمع المصري مختلف تماماً عما تدعيه الدولة المصرية، فكلمات بسيطة مثل “احنا مواطنين درجة ثالثة وعشرة” و”نحن فقط نريد أن نصلي في وطننا” و”الحكومة لا تعاملنا كمواطنين في بلدنا التي لنا بها حقوق” تهدم فكرة المواطنة والمساواة بين المصريين التي يكررها المسئولون في الدولة المصرية. فشعور المسيحيين بأنهم مواطنين أقل درجة في بلد يضيق على حقهم في الصلاة يزداد كل يوم. وبالتالي إذا ما أرادت الدولة مواجهة سبب أساسي من أسباب المشكلة الطائفية، فإن عليها اصدار قانون متفق عليه ينظم عملية بناء وترميم الكنائس.

بانتظار قانون لتنظيم بناء وترميم الكنائس

ينص الدستور المصري في مادته الـ 64 على أن “حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.” وتنص المادة 235 على أن “يصدر مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية”. في مايو/آيار الماضي أعلنت الحكومة المصرية عن مشروع قانون لبناء الكنائس، تم طرحه للنقاش مع الأطراف المعينة، وقد شهدت عملية المفاوضات حول القانون شد وجذب بين الدولة وممثلي الطوائف المسيحية الثلاث.  فقد هاجم  الأنبا بولا هذا المشروع، على اعتبار أن مشروع القانون المقدم لم يأخذ بالملاحظات التي أبداها ممثلو الكنائس الثلاث، معتبراً أن “تلك الصيغة لا تحقق مصالح شعب الكنيسة.” 

في يوم 1 أغسطس الحالي، أعلن المستشار مجدي العجاتي، وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، عن موافقة ممثلي الكنائس الثلاثة على مسودة قانون بناء وترميم الكنائس، وأن المسودة سوف يتم تسليمها لمجلس الوزراء لمناقشتها، ثم ارسالها إلى مجلس الدولة، وفي النهاية تسليمها للبرلمان لإقرار القانون بشكل نهائي. وأكد البابا تواضرس تعليقاً على المسودة أن “الكنيسة راضية عنه، ولا يوجد أي تحفظات على القانون الجديد، وجرت الموافقة عليه، وتبقى موافقة مجلس النواب.”

وطبقاً لهذه المسودة، فإن سلطة اصدار تراخيص بناء وترميم الكنائس للمحافظين، في مدة لا تتجاوز 4 أشهر من تاريخ تقديم الطلب، بعد التنسيق بين المحافظ والجهات المعنية الأخرى، والحصول على ترخيص من الجهة الإدارية المختصة بشئون التخطيط والتنظيم وفق قانون البناء الصادر بالقانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية بما لا يتعارض مع هذا القانون. وأكد القانون أنه لا يجوز منع أو إيقاف الشعائر والأنشطة الدينية في أياً من الكنائس المشار إليها أو ملحقاتها. ولكن لم تشر المسودة إلى أي عقاب في حالة منع او إيقاف الشعائر الدينية من قبل أي طرف.  

إن النجاح في اقرار القانون لن يكون كافياً في حد ذاته، لمعالجة سبب أساسي من أسباب العنف الطائفي في مصر- بناء وترميم الكنائس وإقامة المسيحيين لشعائرهم. ستظل مشكلة الكيفية التي سيتم بها تطبيق القانون من قبل جهة الإدارة هي الأمر الحاسم، فالتعنت في تفسير مواد القانون – إذا ما تم تمريره بالشكل الذي وافق عليه ممثلي الكنيسة – سوف يُبقى على المشكلة كما هي.  إن مواجهة العنف الطائفي- وفي القلب منه النزاعات المرتبطة ببناء وترميم وإقامة الشعائر الدينية للمسحيين – يحتاج لحاضنة اجتماعية وثقافية ودينية وحوار مجتمعي، يتفهم حاجة المسيحين لبناء دور عبادة لهم، ويضع حد لذرائع التيارات المتشددة التي تلعب على المشاعر الطائفية، وترفض بناء الكنائس في “دار الإسلام.” ويجب على الدولة في تعاملها في هذا السياق أن تتصرف من منطلق الحفاظ على مدنية الدولة وقيم المواطنة لجميع مواطنيها بغض النظر عن ديانتهم، ومعاقبة من يعتدي على هذه القيم، وهي أسس ضرورية واجبة قبل اصدار أي قانون ملزم، حتى لا نسمع مجددا شاب مسيحي يقول بغضب “مش معقول نكون في 2016 والعالم كله بيطلع الفضاء.. واحنا لسا في مصر بندور على مكان نصلي فيه!” 

اعتمد هذا التحليل على زيارات ميدانية قام بها الكاتب، كان أخرها محافظة المنيا، بعد الأحداث الطائفية التي وقعت فيها مؤخراً.

محمد محمود

صحفي مصري مستقل مقيم في القاهرة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة