لماذا تعد سيطرة تركيا على مدينة الباب فكرة سيئة؟

مجموعة من مقاتلي قوات سوريا الحرة على حدود مدينة جرابلس.

 نجحت عملية درع الفرات – وهي عملية التوغل التركي مؤخرا في الأراضي السورية – في تحقيق أهدافها الأولية من تطهير الحدود التركية من الدولة الإسلامية (داعش)، ومنع مسلحي الأكراد السوريين (وحدات حماية الشعب) من السيطرة على مدينة جرابلس. يسيطر الآن الجيش التركي، وحلفائه من الجماعات المسلحة من المقاتلين العرب والتركمان على قطاع يبلغ 55 ميلاً من الأراضي التي تقع على الحدود بين تركيا وسوريا. بينما تظل العملية التركية صغيرة المجال، وتركز على القرى ذات الكثافة السكانية المنخفضة، مع القليل من تواجد تنظيم داعش، لكنها يمكن أن تتوسع لتشمل جهداً أكبر للسيطرة على مدينة الباب، وهي معقل قوي لتنظيم داعش، وتقع 18 ميلا جنوب الحدود التركية.

تمثل مدينة الباب مصلحة استراتيجية بالنسبة لتنظيم داعش ولوحدات حماية الشعب الكردية ولتركيا وحلفائها من المجموعات المسلحة؛ بالنسبة لداعش، فإن المدينة هي مركز حضري يصل أراضيها في حلب بأراضيها في الرقة ودير الزور؛ وبالنسبة لوحدات حماية الشعب، فإن السيطرة على المدينة مهم لوصل أراضيها في شمال سوريا مع عفرين، وهي كانتونة منعزلة تحت السيطرة الكردية في شمال غرب سوريا؛ أما بالنسبة لتركيا، فإن السيطرة على مدينة الباب سيمنع وحدات حماية الشعب من توحيد أراضيها في شمال سوريا، وهذا الأمر يعتبر أولوية أمنية أساسية تركية، إذا ما وضعنا في الاعتبار المخاوف التركية بشأن خلق دويلة على حدودها؛ كما أن الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا لها مصالح أيضا في السيطرة على المدينة، لمنع ما يسمونه “قوات سوريا الديمقراطية الانفصالية” من السيطرة عليها قبلهم.

بالطبع لدى الجيش التركي القدرة على السيطرة على مدينة الباب – وتم بالفعل حشد العدد المطلوب على طول الحدود التركية لدعم عملية كهذه، إلا إن قرار التنفيذ قرار سياسي، وسيتطلب أن يعطي حزب العدالة والتنمية الحاكم الإشارة للأعداد المطلوبة من القوات لتنفيذ هذا الهجوم، لأخذ ثم السيطرة على منطقة حضرية والأراضي المحيطة بها.

في 21 سبتمبر/أيلول، قال وزير الدفاع التركي، فكري إيشيق، للإعلام أن تركيا ليس لديها حالياً خططاً لإرسال قوات المشاة الخاصة للمدينة، وبدلا من ذلك ستعتمد على مجموعات التمرد الحليفة للسيطرة عليها ، هذا التصريح يترك الاحتمال مفتوحاً بأن تركيا قد تغير خططها، ولكن تشير القيود المتزامنة على العمليات التركية وقوات التحالف أن التقدم السريع في المدينة من غير المرجح.

تقع مدينة الباب في القلب من نقاط هامة مختلفة، وللغرابة، فإن هزيمة تنظيم داعش في المدينة يتضادم مع المصالح طويلة الأمد للتحالف المناهض للتنظيم؛ يسيطر النظام السوري على خط الجبهة ستة أميال جنوبا، بينما تتمركز قوات سوريا الديمقراطية 15 ميلاً غرب المدينة، وقوات سوريا الديمقراطية هي مظلة للعديد من المليشيات، تحت هيمنة وحدات حماية الشعب الكردية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الأب الشرعي لوحدات حماية الشعب، هو الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، وهي جماعة مسلحة تقاتل في جنوب شرق تركيا ضد الحكومة التركية.

ترى تركيا وحدات حماية الشعب كجماعة إرهابية، وحذرت من وجودها في منبج، وهي مدينة قامت قوات سوريا الديمقراطية بتحريرها من تنظيم داعش من شهر مضى، قبل أن تبدأ عملية درع الفرات. احتفظت الولايات المتحدة بشراكة قوية مع قوات سوريا الديمقراطية، وقامت بدمج قوات العمليات الخاصة مع الجماعة لتساعدها في القتال ضد داعش؛ في الأسابيع الأخيرة، سعت الولايات المتحدة لتكرار هذا التكتيك في غرب الفرات، حيث أرسلت قوات العمليات الخاصة ليتم دمجها مع عناصر تم اختيارها بعناية للمشاركة في درع الفرات، يبدو أن المهمة الأساسية هي التنسيق مع جهود تركيا والمتمردين للسيطرة على صوران ودابق، والبلدة الأخيرة هي بلدة ذات كثافة سكانية ضئيلة، وتشكل رمزية كبيرة لتنظيم داعش. لا يبدو أن المهمة تتضمن طموحات أكبر لبذل جهود للسيطرة على مدينة الباب.

إذا ما كان تنظيم داعش سيترك مدينة الباب أو تتم هزيمته، فإنه بدون خطة طويلة المدى لقوة حفاظ وآلية لحماية هذه القوة من قصف النظام، فإن العملية تعد مخاطرة قد تؤدي إلى تعميق الشرخ العرقي والسياسي في سوريا. وفي هذا الصدد فإن الأيام الأولى لعملية درع الفرات كانت مفيدة، في الأيام الأولى للهجوم بقيادة تركية، اشتبك الجيش التركي والمليشيات العربية والتركمانية مع عناصر من قوات سوريا الديمقراطية شمال نهر الساجور، لم تتمكن قوات سوريا الديمقراطية سوى من التحرك شمالاً، لأن تنظيم داعش كان قد رحل قبل التدخل التركي؛ كان الاشتباك التركي والمليشيات مع قوات سوريا الديمقراطية مخاطرة قد تؤدي إلى إضعاف القتال ضد تنظيم داعش في مكان آخر، أو توريط تركيا في صراع على جبهة ثالثة (الجبهتان الأولى والثانية هما مع تنظيم داعش في سوريا وحزب العمال الكردستاني في تركيا) ومع وحدات حماية الشعب. تمكن الهجوم التركي من استعادة سريعة لشمال نهر الساجور، قبل أن تتوسط الولايات المتحدة لتنفيذ وقف إطلاق النار.

تمثل مدينة الباب كثيراً من ذات المخاطر، ولكن على نطاق أوسع، يمكن لقوات سوريا الديمقراطية أن تبني على أي هجوم كبير على المدينة، وتحاول أن تندفع نحو الغرب، وهو سيناريو يشكل تهديداً على الهجمات التركية على هذه القوات؛ ويمكن لقوة عربية تركمانية صغيرة، يتم تركها بعد المعركة، أن تصبح هدفاً للنظام السوري، مما يعطي إمكانية اشتباك سوري تركي، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التوتر مع روسيا، الضامن لسلامة الأسد مع إيران. وإذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك، فإنه إذا كانت تركيا تسعى لزيادة ما يعتبر نسبيا قوة صغيرة من المقاتلين في إدلب، فإن قوات النظام يمكن أن تتحرك على المدن الهشة المتروكة في إدلب، بسبب النزوح الجماعي للمقاتلين. وأخيرا، إذا انضمت جماعة التمرد السلفية “أحرار الشام” إلى عملية درع الفرات بشكل أكثر علنية وقوة، فإن روسيا يمكن أن تستخدم وجودهم كذريعة لقصف هذه المواقع، وهو سيناريو يشكل تهديداً بالتصعيد بين تركيا وروسيا.

على الائتلاف أن يجتاز الكثير من نفس هذه التحديات، والتي تعني أن نهجاً أفضل سيكون بالتركيز على الرقة والبوكمال في وادي نهر الفرات والموصل في العراق؛ عملية الموصل ستنجز نسبيا مباشرة، وهناك أخبار بأنها ستكون في أكتوبر؛ إلا أن الرقة تظل صعبة، يرجع ذلك بشكل كبير إلى أن قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب لا تتمتعان بشعبية في المدينة، وقليل من القوات المحلية الموجودة لديها قوة لتحرير العاصمة الفعلية لتنظيم داعش. كما إن الرقة لديها القليل، وربما ليس لديها على الإطلاق، قيمة سياسية على المدى الطويل بالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يركز على تعميق السيطرة السياسية على الأراضي التي يحكمها، وذلك من أجل خلق واقع على الأرض، للسيطرة السياسية في مرحلة ما بعد الأسد على كثير من شمال سوريا.

من أجل تسريع هزيمة تنظيم داعش على الأرض، تفكر إدارة أوباما في تسليح وحدات حماية الشعب، كما ورد في صحيفة النيويورك تايمز، وقد سعت الولايات المتحدة حتى الآن للتمييز بين وحدات حماية الشعب الكردية والعناصر العربية التي تقاتل كجزء من قوات سوريا الديمقراطية، حيث تسلح الأخيرة بسلاح صغير مما يشكل تهديدا أقل على تركيا، هذه الخطة المستحدثة ستوسع هذا البرنامج لتضمن تسليح وحدات حماية الشعب بنفس الأسلحة.

إلى حد كبير، هذا التمييز لا يعني الكثير، فوحدات حماية الشعب تهيمن على قوات سوريا الديمقراطية، والسلاح الممنوح لقوات سوريا الديمقراطية يتم مشاركته مع وحدات حماية الشعب، إلا أن التبعات السياسية لإسقاط هذا التمييز يشكل تهديداً بمزيد من التقليل من شأن علاقة تركيا بالولايات المتحدة، في وقت العلاقات بالفعل مشحونة بالتوتر.

لحساب هذه التحديات، فإن الولايات المتحدة لديها مصلحة في إعطاء الأولوية لعملية الموصل، وربما، منح الجهد للسيطرة على البوكمال، وهذا من شأنه الإبطاء من خطة الطوارئ لمدينة الباب والرقة، لكن مخاطر التحرك بسرعة بدون خطة للسيطرة على الأرض وإدارة كل هذه المصالح المتضاربة يتجاوز أي فوائد محتملة. ومن ثم، فإن الولايات المتحدة وتركيا لديهما الحافز للبدء في عملية تفاوض، مثلما حدث قبل عملية سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على منبج، للوصول إلى اتفاق حول وجود قوات للحماية في مدينة الباب. إلا أن أي خطط كهذه يمكن أن تبقى تكتيكية في طبيعتها، بمعنى إنها ستؤثر بشكل ضئيل على التعامل مع الصراع السوري، وهي حرب لن تنخفض وتيرتها أو حتى تنتهي في أي وقت قريب.

Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط