لماذا لا تستطيع المعارضة القتال في منطقة الجبال الساحلية؟

كثيراً ما نسمع ناشطين من مختلف الارجاء ينادون بالثأر لحلب أو ريف دمشق مطالبين بفتح جبهة الساحل السوري، حيث كانت تسيطر المعارضة طيلة أربع سنوات (ما قبل التدخل الروسي) على أجزاء واسعة من هذه الجبال، إلا ان الروس أجبروا فصائل المعارضة على الانسحاب، ولم يبق إلا بضع تلال صغيرة على الحدود التركية خارجة عن سيطرة النظام.

ما لا يعرفه أغلب المطالبين بفتح هذه الجبهة الصعبة أن الجغرافية في الساحل تشبه الى حد بعيد طبيعة أفغانستان الجبلية، ادرك النظام صعوبة السيطرة عليها دون تدخل الحليف الروسي، بدا ذلك جلياً خلال العام الحالي الذي اعتبر عام الانتكاس للمعارضين، روسيا وضعت ثقلها في الحرب السورية مستخدمة قوة جوية ضاربة، كانت اول نتائجها تأمين القاعدة الروسية، بإبعاد الثوار عن القاعدة الجوية التي استخدمتها الطائرات الروسية في “حميميم” الواقعة على شاطئ البحر المتوسط جنوب اللاذقية 20 كيلو متر، واستطاعت تأمين هذه الجبال الوعرة.

بدأت معارك طاحنة في عام 2012 ضد جيش النظام، كانت الحاضنة الشعبية هي الأساس الداعم لهذه المعارك، التي اتاحت السيطرة شبه الكاملة على قرى جبل الاكراد، وعلى رأسها مدينة سلمى، كذلك الامر في جبل التركمان الذي سرعان ما دخلت إليه أعلام الثورة ورفعت في أكثر من 40 قرية، أبرزها قرية ربيعة معقل التركمان الرئيسي في المنطقة، النظام بدوره رد بضرب القرى والبلدات التي خرجت عن سيطرته، استطاع تهجير السكان الأصليين لهذه القرى، لكنه فشل في تحقيق أي تقدم حتى نهاية عام 2016، حيث جاءت الضربات الروسية كتتمة لما بدأه الأسد.

من ناحية أخرى زار جبال الساحل العديد من الجهاديين وأدركوا صعوبة الجغرافية، كما درسوا جميع المحاولات الفاشلة التي قام بها النظام قبل التدخل الروسي، وأصبحوا شبه متأكدين بأن هذه الجبال عصية على الأسد، بالإضافة الى كونها فقط جبال لا يوجد فيها أي مرفق حيوي قد يغريهم، كأبار نفط أو تجمع صناعي.

لذلك تحولت المنطقة الى معسكرات تدريب، وتضاءل فيها تواجد المعارضين والجهاديين إلا من أبناء المنطقة، فافتتح مسلم الشيشاني معسكراً كبيرا لتدريب المقاتلين، بالقرب من نقاط التماس، درّب فيه مئات الشبان من أبناء المنطقة وآخرين، ولم تغري هذه الطبيعة أيا من الجهاديين، الذين اعتبروها فقط محطة تجهيز واستراحة، اقاموا فيها مع عائلاتهم التي رافقتهم إلى سوريا، فأرقام المقاتلين في هذه الجبهة التي يبلغ طولها أكثر من 50 كيلو متر لم تتجاوز خمسة الاف مقاتل، جميعهم يحملون راية الجيش الحر، لم يكن بحوزتهم أيا من الأسلحة المتطورة، التي اقتصرت على بضع دبابات وباقي الأسلحة التقليدية، مع شح كبير في الذخيرة والقذائف، مما أجبروهم على الدفاع وليس الهجوم فحسب، معركتين فقط حققت فيها المعارضة تقدماً محدوداً، وما كاد أن استعاد النظام زمام المبادرة واسترجع ما خسره، كان أخرها معركة كسب في العام 2014، واستمرت سيطرة المعارضة على المدينة ثلاثة أشهر فقط، وخسرت فيها اكثر من 600 مقاتل.

استمرت المناوشات حتى شهر سبتمبر/أيلول 2015، حيث أعلنت روسيا عن تدخلها في سوريا بحجة محاربة الإرهاب، على الرغم من عدم وجود تنظيم داعش في المنطقة، شنت روسيا على مدينة سلمى أكثر من ألف غارة جوية، حتى تمكنت من دخولها، تسببت هذه الغارات في مقتل أكثر من 500 معارض واصابة 1100 من المقاتلين، معظمهم من أبناء المنطقة، أما في جبل التركمان، والذي كان يقطنه 50 ألف من السكان، فقد تم تهجيرهم بصورة كبيرة.

تحولت هذه الجبال إلى مقبرة حقيقية للمعارضين لحكم الأسد بفعل الروس، تبعها عمليات تهجير قسري، وباتت المخيمات هي الملاذ الوحيد فقط، فالتدخل الروسي لم يكن بحسبان المعارضة، تبعها عمليات استنزاف لما تبقى من المقاتلين من أبناء المنطقة، وهم الوحيدون الذين يدركون أن المعركة في هذه المنطقة في الوقت الراهن خاسرة، وستكون محرقة في ظل الوجود الروسي، لأن إعادة السيطرة على هذه الجبال يتطلب أعداداً كبيرة، أكثر من عشرة الاف مقاتل، عدا عن الأسلحة اللازمة لهذه المعركة، في الوقت الراهن جيش الفتح هو قوة المعارضة الوحيدة، إلا أن محاولاته أيضا لفتح معارك في هذه الجبال باءت بالفشل الذريع، فما لبث أن أعلن انسحابه منها واتجه للدفاع عن حلب، معظم القادة متأكدون من  استحالة السيطرة على هذه الجبال، فالنظام بعد التدخل الروسي لجأ الى انشاء خطوط دفاعية على قمم الجبال والتلال المتقابلة، بالإضافة الى الذخيرة التي تتوفر بيد مقاتليه، والتي اتاحت لهم أحكام السيطرة، بينما في الطرف المقابل لم يعد يمتلكون أي شيء، لا رجال ولا سلاح ولا حتى ذخيرة.

ضعف التحصين والخبرة القتالية في صفوف الجيش الحر في جبال الساحل كان له دور سيئ للغاية على سير المعارك هناك، فلم ينشؤوا الخنادق ولا الاكياس الرملية، بالتزامن مع الخسائر التي منيت بها سرّعت من تقدم النظام المدعوم من روسيا، حتى في الوضع الطبيعي بين الجيوش، فتح جبهة بهذا الطول يتطلب عدداً كبيراً من المقاتلين لم يكن ليتوفر في صفوف جيش الحر. العامل الوحيد الذي مكنهم من السيطرة طيلة السنوات الأربع هو الحاضنة الشعبية المناهضة للأسد، أما الآن فلا وجود لأي معارض في هذه الجبال، يقول أبو طه من “حرار الشام “عندما كنا في مدينة سلمى، كانت الأبنية تتساقط علينا واحدة تلو الأخرى والغارة تلو الغارة، ونحن لا نملك حينها إلا دبابة واحدة تتبع للحر، فقدنا في معركة الدفاع عن سلمى عشرات الشبان من أبناء المدينة، وأصيب مئات بإصابات خطيرة، فقدنا الاتصال بالداخل وجهنا نداءات متتابعة، لم يكن بمقدورنا أكثر من ذلك، صمدنا فيها شهرين والمنسحبين من المدينة كانوا أقل من عشرة أليات بداخلها بضع عشرات.”

في الوقت الراهن تحولت جبال الساحل إلى قلاع حقيقية للنظام تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، ربما الأمر يتطلب تدخل دولاً وليس فصائل صغيرة من المعارضة، تعتاش على مساعدات بسيطة تقدمها تركيا وقطر.

معظم القادة الكبار من المعارضة بشقيها المعتدل والإسلامي ليس لديهم النية بشن معركة في منطقة الساحل، ليس الان فقط وانما على المدى البعيد، لأنهم يدركون التكلفة وليس بمقدورهم ذلك، فمراصد النظام التي تنتشر في القمم ترقب أي تحرك للمعارضة، والرد لا يكون من جيش النظام على الأرض بل من الطيران الحربي الروسي، الذي بات يعتبر هذه المنطقة خطاً أحمر، لن يسمح بفقدان السيطرة عليها.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط