سوريون يفرّون من “أرض الأحلام” ألمانيا

سوريون يفرّون من “أرض الأحلام” ألمانيا

اشترك في نشرتنا 

بعد رحلة شاقة خاض فيها غمار البحر المتوسط والكثير من العوائق والأسلاك الشائكة، اختار اللاجئ السوري محمود مارديني العودة بشكل غير قانوني إلى تركيا متخلياً عن الإقامة الألمانية ومزاياها، بعد فشله في تحقيق حلمه واكمال دراسته الجامعية.

بات حال محمود يشبه عددًا ليس قليلًا من اللاجئين السوريين الذين أصبحوا يفضلون العودة من أرض الحلم (ألمانيا) في هجرة عكسية غير شرعية بات لها أسباب متعددة: اكتظاظ المراكز (المخيمات) باللاجئين، والبيروقراطية المثيرة للسخط، والعزلة الاجتماعية، وانعدام فرص العمل للاجئين.

يقول محمود ذو العشرين عاماً عن أسباب عودته من ألمانيا رغم منحه الإقامة لمدة ثلاث سنوات “خرجت من سوريا على أمل متابعة دراستي بعد نيلي شهادة البكالوريا بمجموع جيد لكنني فوجئت بالروتين الكبير الذي فرضته السلطات هناك، لم يتم الاعتراف بشهادتي الدراسية، ومع مرور الوقت شعرت أن حلمي بات يضيع وأنه لن يتم قبولي في أي جامعة”.

ويضيف محمود “كما أنّ ظروف المعيشة في الكامب (المخيم) لفترات طويلة أثر على نفسيتي بشكل كبير، هناك بطئ كبير في معالجة ملفات اللاجئين في هذا البلد، تمر الأشهر وأنت تعيش بنفس الروتين، فكرت بالانتحار مرات عديدة كان من الصعب أن أرى وقتي يضيع سدى في سبيل انتظار المجهول فقط”.

لم يندم محمود على هذا القرار فبعد ستة أشهر على قدومه إلى تركيا حصل على منحة دراسية في جامعة آيدن باسطنبول بقسم الهندسة.

“كراجات الهجرة العكسية” اسم لمجموعة تواصل اجتماعي على تطبيق “واتس آب” يخبرنا بها الشاب مهيار بدرة المقيم في ألمانيا، ينسق من خلالها اللاجئون في ألمانيا رحلات شهرية للعودة إلى تركيا.

وبحسب بدرة فإن هناك أعداد متزايدة من الرحلات العكسية التي باتت تنطلق كل شهر في تزايد ملحوظ لهذه الهجرة وفق قوله، حيث يعود من خلالها اللاجئون الحاصلون على إقامات رسمية عبر مطار أثينا ليتوجهوا إلى الحدود اليونانية ويقطعوا الأسلاك الشائكة للدخول إلى تركيا بشكل غير شرعي.

الحرمان من لمّ الشمل

تبدو أسباب العودة لهؤلاء اللاجئين كثيرة، لاسيما فيما يتعلق بقضية لم الشمل، الذي يعتبر الهاجس الأكبر للنازحين كما يوضح المحامي عروة السوسي المقيم في ألمانيا، فمع وصول آلاف اللاجئين السوريين إلى البلاد، حصل عدد كبير منهم على الٌإقامة الثانوية (لمدة عام واحد فقط قابل للتجديد) ووقع هؤلاء على تعهد بعدم المطالبة بلم شمل أسرهم قبل مارس/آذار 2018.

ويضيف السوسي مؤخرًا تلقى هؤلاء اللاجئون صدمة كبيرة بعد اتفاق حصل بين ميركل والأحزاب الألمانية نشر تفاصيله تلفزيون WDRforyou الألماني، يقضي بتأجيل قبول طلبات لم الشمل لهذه الفئة حتى يوليو/تموز من العام الحالي وبأعداد لا تجاوز 1000 شخص شهريا.

وبحسب السوسي فإن الكثير من هؤلاء اللاجئين انتظروا عامين للاجتماع مرةً أخرى بأسرهم لكنهم بعد القرار الجديد سيضطرون مجددا للانتظار فترة طويلة وربما لن يأتي دور أحدهم قبل أشهر طويلة.

ووفق تقرير لصحفية لصحيفة بيلد (Bild) الألمانية هناك ما يقدر بـ 390 ألف لاجئ سوري حاصلون على الإقامة الثانوية في البلاد ينتظرون فتح المجال للتقدم بطلبات لم شمل أسرهم.

يشرح أحمد الباشا، وهو أحد هؤلاء اللاجئين الذين ينتظرون الالتقاء بأسرهم في وقت قريب، معاناته بالقول “زوجتي تقيم مع طفلي الصغير في إحدى قرى إدلب وصلت إلى ألمانيا قبل عامين على أمل تحسين أوضاعنا والفرار من الحرب لم أشأ أن أخاطر بطفلي في رحلة خطرة ولكن لا سبيل لدي للاجتماع معهم، يوميا أفكر كيف يعيشون هناك وما الذي سيحصل لهم أنا غير مرتاح أبدا هنا أود أن أكون بجانبهم”.

يؤكد أحمد أنه وصل هـو ومجموعة من أصدقائـه فــي التاريخ ذاته، وتم فرزهم إلى ولايات مختلفـة، ورغـم تشـابه الظـروف حصــل بعــض أصدقائــه علــى حــق الإقامة لثلاث سـنوات واسـتقدموا عائلاتهم بعد فترة قصيـرة، فـي حيـن تـم منحـه “حمايـة ثانويـة” مقابـل عدم لم شمل أسرته قبل مارس/آذار 2018.

ويؤكـد اللاجئ السـوري، أنــه لا يوجــد أي سـبيل لديه سـوى انتظار القرارات الجديـدة، مضيفاً: “سأعود إلى سوريا رغم الحرب إذا شعرت أنه لا سبيل لدي للاجتماع بأسرتي في هذا البلد قريبـاً”.

غربة اجتماعية

وصل ياسر إلى ألمانيا قادماً من سوريا في منتصف عام 2015، لم يجد الشاب ذو الخامسة والثلاثين عاماً الشيء الذي غامر بحياته من أجله وهو العمل والطمأنينة كما يقول، ورغم أنه حاصل على إجازة التربية والتعليم في بلده إلا أنه فشل خلال هذه المدة في ايجاد عمل مناسب يشغل به وقته.

يقول ياسر “منذ قدومي إلى هنا سارعت لتعلم اللغة الألمانية وبعدها لم أترك مؤسسة إلا وذهبت مستجدياً العمل من دون جدوى: وكالة التشغيل، المطاعم، المقاهي، ورشات العمل، جميعها أغلقت أبوابها بوجهي”.

مرّ أكثر من عامين يقول خلالها اللاجئ أنه صار يعيش على الهامش بدون أي شيء يفعله، ويضيف “اليأس والوحدة والمجهول هي تفاصيل حياتنا اليومية، كثيرون اختاروا المخدرات كمهرب لهم “.

يضاف إلى جميع هذه الأسباب أيضا نظرة بعض الألمان تجاه اللاجئين خاصة مع تنامي ظاهرة الاسلاموفوبيا ووفق الشاب السوري فإن زيادة هذه التحرشات لها دور سلبي كبير على نفسية اللاجئ الذي بات يفقد الأمان الذي أتى للحصول عليه.

يزيد قانون الاندماج الذي أقرّ منتصف عام 2016 من غربة اللاجئين، حيث يفرض عليهم الاقامة في الولايات التي وزعتهم عليها الحكومة الألمانية دون تقدير في بعض الأحيان لحالات العائلات التي وصلت مع بعضها وتفرقت بسبب القانون الجديد.

اختلاف التقاليد

قبل أيام قليلة فقد اللاجئ السوري الشاب نديم عدلة حياته في ألمانيا بعد إصابته بسكتة قلبية مفاجئة عن عمر لا يتجاوز 40 عاماً يقول أصدقاؤه إنّ ذلك حدث نتيجة أزمة نفسية كان يعاني منها بسبب الحياة الاجتماعية الكئيبة التي كان يعيشها لأكثر من عام.

ووفق الأخصائي الاجتماعي يوسف يزن يعاني عدد كبير من اللاجئين السوريين من أزمات نفسية انتقلت معهم إلى ألمانيا، ولم يتم علاجها بالشكل المناسب، بل زادت هذه الصدمات نتيجة الوحدة وغياب الصلات الاجتماعية واختلاف العادات والتقاليد.

وما يؤكد هذا الأمر وفق يزن زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ في أوساط الشباب اللاجئين نتيجة إحباطهم وفشلهم في بناء صلات اجتماعية جديدة وانطواءهم على أنفسهم.

أما بالنسبة للعائلات التي كان وضعها أفضل نسبياً من فئة الشباب فقد حدث شرخ ملحوظ بها بسبب الفارق الكبير بين مجتمعنا السوري مقارنة بالأوروبي الذي تأخذ فيه الدولة أو الحكومة دور الأب والزوج، وهو ما انعكس على الكثير من العائلات السورية التي وصلت إلى ألمانيا وأصابها داء التفكك الأسري والاجتماعي، كتمرد النساء على أزواجهن فيما سمي (ثورة النساء)، وتمرد الأبناء على آبائهم وعدم إطاعتهم، وهو أمر سبب مشاكل عديدة في أوساط الأسر اللاجئة ودفع بعضها للتفكير جدياً بالعودة.

يشار أخيراً إلى أنّ تجارب الاندماج في ألمانيا ليست واحدة وتختلف بين شخص وآخر تبعاً للظروف، فهناك لاجئون نجحوا خلال فترة قصيرة وحققوا نتائج مبهرة، في حين دفعت الأسباب السابقة البعض للتفكير جدياً بالعودة وترك أحلامهم التي خاطروا لتحقيقها.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة