لماذا يعد استقرار ليبيا هاماً للمنطقة؟

بينما تدخل عامها السادس، لا تُظهر الأزمة في ليبيا أية علامات على التراجع، وتبدو حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة مترنحةً على حافة الانهيار، حيث تهدد الاشتباكات بالتصعيد بين القوات الشرقية والغربية. ويمكن أن يكون للانسحاب من ليبيا عواقب سلبية على المصالح الغربية، وربما تتولى الولايات المتحدة –في ظل إدارة ترامب- زمام المبادرة في التعامل مع ليبيا لتحقيق الاستقرار. ويعد هذا الارتباط مفتاحاً للحل، ليس فقط من أجل تحقيق استقرار ليبيا، ولكن كذلك من أجل استقرار دولتي الجوار مصر وتونس، بالإضافة إلى استقرار مصالح الولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة.

وقد تسبب عدم الاستقرار في ليبيا في تأثيرات ضارة على المصالح الاقتصادية والأمنية لمصر، وأدى فقدان المزايا الاقتصادية التي كانت تتمتع بها القاهرة فيما مضى مع دولة ليبية مستقرة إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية في مصر منذ عام 2011. فقبل الأزمة الليبية، أسهم 1.5 مليون عامل مصري بحوالي 33 مليون دولار سنوياً من التحويلات المالية؛ في حين انخفض عدد العمال المصريين المهاجرين إلى ليبيا بشكل كبير – ذُكر في عام 2015 أن ما يُقدر بنحو 75 ألف عامل مصري فقط يقيم في ليبيا، الأمر الذي أدى إلى خفض العائدات من التحويلات المالية، والضغط على سوق العمل المصرية، التي تشهد حالياً نسبة بطالة تقدر بـ 12% (ذلك الرقم الذي يعد أكثر من أضعافه بالنسبة للشباب). وقد واجه العمال المصريين في ليبيا أيضاً تهديدات كبيرة، نتيجة لانعدام الأمن فيها منذ عام 2011، حيث تم استهداف المصريين العاملين في ليبيا، ومن بينهم العديد من الأقباط المصريين، وذلك في عدد من الهجمات، كذلك وجد العمال المصريون المهاجرون في ليبيا أنفسهم عالقين على الحدود مع تونس في محاولة للفرار من البلاد.

وقد عانت التجارة بين مصر وليبيا كذلك، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وليبيا بنهاية عام 2014 حوالي 900 مليون دولار، وذلك مقارنةً بـ 2,5 مليار دولار في عام 2010 قبل الأزمة الليبية. وفي عام 2015، صرح رئيس مجلس الأعمال الليبي-المصري ناصر بيان بانخفاض حجم الصادرات المصرية للسوق الليبية بنسبة 75%؛ وخلال العام الماضي، صرح البنك الدولي بأن الأزمة في ليبيا قد أسهمت في خفض المستوى المتوقع لنمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر.

وتسهم الأزمة في ليبيا أيضاً في القلق بشأن الوضع الأمني في مصر، حيث سعت مصر إلى تشديد الاجراءات الأمنية على طول الحدود مع ليبيا. ومع ذلك، لا يزال يشكل تسلل المتطرفين من ليبيا مصدراً كبيراً للقلق، لا سيما بسبب ما تواجهه مصر حالياً داخل حدودها. وبالإضافة إلى ذلك، يسعى العديد من المهاجرين الأفارقة إلى الوصول إلى أوروبا عن طريق مصر بدلاً من ليبيا، نظراً للطبيعة الخطرة المتزايدة للطرق عبر ليبيا. فالعديد من الإريتريين، على وجه الخصوص، يحاولون الهجرة عن طريق مصر بدلاً من ليبيا، بسبب حوادث الخطف التي وقعت في ليبيا، وذلك بحسب ما أفاد به ناشطون إريتريون. وفي الواقع، في المناقشات الدبلوماسية بشأن ليبيا، أكدت وزارة الخارجية المصرية على مصلحة المنطقة في، والحاجة إلى، إعادة الأمن والاستقرار إلى ليبيا، وقد اُثيرت قضية الهجرة غير الشرعية خلال هذه المحادثات، التي قامت القاهرة باستضافتها بشأن الأزمة في ليبيا.

وفي تونس، يُعد الأثر الاقتصادي للنزاع الليبي، وحتى بالمقارنة مع مصر، أسوأ من ذلك بكثير. ويُقدر البنك الدولي بأن تونس تخسر 800 مليون دولار سنوياً بسبب انخفاض الاستثمار والطلب من ليبيا، بينما تقدر المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بأن الأزمة الليبية قد تُكلف تونس ما لا يقل عن 5 مليارات دولار في الإجمالي. ووفقاً لوزارة التجارة التونسية، فقد انخفض حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنسبة 75%. وفي العام الماضي، قال محافظ البنك المركزي التونسي الشاذلي العياري أن الأزمة الليبية كانت واحدة من العوامل الرئيسة التي تسببت في تباطؤ الاقتصاد التونسي بشكل كبير في السنوات الأخيرة. فمن شأن ليبيا مستقرة أن توفر فرصاً تجارية واستثمارية أساسية لتونس، بالإضافة إلى تدفقات السياحة (قبل أزمة عام 2011، كان يزور نحو 1.8 مليون سائح ليبي تونس كل عام، ولكن انخفض هذا العدد بنسبة 30% على الفور في أعقاب الأزمة). وقد كان فقدان النفط من ليبيا بمثابة ضربة للاقتصاد التونسي. فقبل الأزمة الليبية، قامت ليبيا بتزويد تونس بأكثر من 25% من احتياجات الوقود التونسية وذلك بسعر تفضيلي. ولكن قد انهارت صناعة النفط في ليبيا تقريباً في السنوات التي تلت عام 2011، وفي حين كان هناك بعض التقدم في إعادة تشغيل الإنتاج في الآونة الأخيرة، إلا أن إعادة الإعمار لا تزال بعيدة المنال.

وأخيراً، قد أضافت عودة العمال التونسيين من ليبيا إلى الضغط على الاقتصاد التونسي. فوفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، عاد أكثر من 60 ألفاً من العمال التونسيين المهاجرين من ليبيا منذ عام 2011. في عام 2011، حققت تحويلات التونسيين في ليبيا نسبة 0,6% من الناتج المحلي الإجمالي التونسي، لتصل إلى 276 مليون دولار. كما تستضيف تونس ما يُقدر بمليون إلى مليونين من اللاجئين الليبيين، نحو 10% من سكان البلاد، ذلك الأمر الذي ساهم في ارتفاع الأسعار، وأحدث ضغطاً على الخدمات الحكومية. وتبلغ نسبة البطالة في تونس حالياً نحو 15%، مع نسبة بطالة بين الشباب تُقدر بأكثر من ضعف هذا الرقم.

وقد هدد مراراً توسع المتشددين والمتطرفين في ليبيا الأمن في تونس. ووفقاً للسلطات التونسية، فإن مرتكبي الهجمات الكبرى في تونس في عام 2015 – على متحف باردو في مارس/آذار، وعلى السياح في سوسة في يونيه/حزيران – قد تم تدريبهم في معسكرات المجاهدين في ليبيا. وهذا ما دفع رئيس الوزراء السابق حبيب الصيد للادعاء بأن عدم الاستقرار في ليبيا يُعد “المعضلة الأكبر” التي تواجه تونس. وأظهر ذلك الهجوم عبر الحدود على قوات الشرطة والجيش في عام 2016 على يد متشددين إسلاميين في مدينة بن قردان، قرب الحدود مع ليبيا، التهديد الذي يُشكله انتشار المسلحين على تونس.

ويعد الأثر الذي خلفته الأزمة الليبية على جارتيها مصر وتونس كبيراً وبعيد المدى. فمصر، وهي أحد أكبر الدول المتلقية للمساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة، لا يمكنها تحمل امتداد انعدام الأمن من ليبيا. كذلك تعتبر حركة المهاجرين عبر إفريقيا إلى مصر وليبيا ومنهما إلى أوروبا بمثابة مصدر قلق كبير لبلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط. بينما يُشكل التونسيون واحدة من أكبر المجموعات من المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا، ويوفر انعدام الأمن في ليبيا ملاذاً آمناً للمتطرفين الذين قد يسعون إلى تأجيج التطرف في تونس المجاورة. فالتهديد الذي يمثله المتطرفون في ليبيا وتونس ليس بالأمر الذي يمكن أن يتجاهله الأمريكيون والأوروبيون، وقد بُرهن على ذلك عن طريق الهجوم على السياح البريطانيين في سوسة، وكذلك الهجوم الذي وقع مؤخراً من قبل أنيس العمري في برلين. وخلال جلسة الاستماع الذي عقت لمرشح الرئيس دونالد ترامب لشغل منصب وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، انتقد تيلرسون السياسات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط، لعدم تحقيقها هدف الاستقرار. ولقد أثبتت السنوات الست الماضية أن آثار عدم الاستقرار في ليبيا لا تقتصر على حدود البلاد. فلا يمكن نسيان ليبيا جنباً إلى جنب مع المخاوف المُلحة في سوريا والعراق، في الوقت الذي تعمل فيه الإدارة الأمريكية على المساعدة في ترسيخ الاستقرار في الشرق الأوسط.

Read in English

lewsawyer

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط