مركزية دابق في الحرب ضد تنظيم داعش

أعلنت فصائل المعارضة السورية، التي تعمل من خلال غرفة عمليات درع الفرات، المدعومة بالطيران والمدفعية التركية سيطرتها على قرية “دابق” السورية، التي تبعد 10 كم عن الحدود السورية-التركية، والواقعة شمال شرق مدينة حلب، تتمتع دابق بأهمية أكبر من المناطق الأخرى، لأسباب تاريخية ودينية، فقد ورد ذكرها في النبؤات الإسلامية، بأنّها ستكون ساحة معركة نهاية العالم “معركة آخر الزمان” بين المسلمين وأعدائهم الروم، كما ذُكرت تلك القرية في التاريخ الإسلامي مقرونة بذكر المعركة التاريخية التي وقعت بين العثمانيين والمماليك عام 1516، والتي فتحت الباب للعثمانيين للسيطرة على البلاد العربية، حتى خروجهم منها نهاية الحرب العالمية الأولى 1918.

إلا أنّ دابق ومع إعلان أبي بكر البغدادي عن قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” تبوأت أهمية كبيرة في إعلام التنظيم، حيث تم استخدام تلك البلدة الصغيرة من جانب التنظيم كسلعة يروج من خلالها لفكره بين جنوده وأعدائه، إذ احتلت دابق مكانة بارزة في حملات الترويج والدعاية التي أطلقها، كما أطلق أسمها على مجلة “دابق” التابعة له، والتي صدر العدد الأول منها في عام 2014، باللغتين العربية والإنجليزية، لما تحمله من رمزية كبيرة لا يمكن إغفالها.

وبسبب رمزية “دابق” في التاريخ الإسلامي، فقد استخدمها التنظيم كمصدر هام لجذب المقاتلين الأجانب وتجنيد المحليين منهم، ساعياً من خلالها لجر أعدائه للمواجهة في تلك المنطقة، حيث عرض التنظيم في عام 2014، عملية ذبح لخمسة من الرهائن الأجانب على يد عنصره البريطاني “محمد الموازي” والذي يشتهر باسم “الجهادي جون،” إذ في التسجيل المصور وخلفه قرية دابق وتحت قدميه رأس الرهينة الأمريكي عبد الرحمن كاسيج، ليردد الموازي “ها نحن ندفن أول أمريكي صليبي في دابق، وننتظر بفارغ الصبر وصول بقية جيوشكم.”

كما عمد التنظيم إلى نشر التسجيلات المرئية والصوتية من قرية دابق، والتي لم يكن أخرها ظهور عنصره “أبو عبد الله الأريتيري” مُصدراً التهديدات للتحالف الدولي، بأن موعد المعركة الأخيرة ستكون دابق، إذ قال قبله “أبو مصعب الزرقاوي” مؤسس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، والذي يعد أول من روج لمعركة دابق في الخطاب الجهادي العالمي “انطلقت الشرارة هنا في العراق، وسوف تستمر حتى تحرق الجيوش الصليبية في دابق؛” وهذه الجملة لم تكن لها قيمة كبيرة وقتها، إلا أنها عادت مرة أخرى عند وقوع الخلاف في الرؤى بين القيادة التقليدية لتنظيم القاعدة والمتمثلة في أيمن الظواهري، والقيادة المحلية لفرع التنظيم في العراق المتمثلة في أبي بكر البغدادي، فعندما حكم أيمن الظواهري بضرورة انسحاب تنظيم داعش من سوريا، وترك أمر القتال فيها لجبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني، وهو أحد الجنود السابقين لأمير تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، ورفض التنظيم ذلك، حيث أراد التأكيد على أن مسألة دخوله إلى سوريا مسألة لها أصل في الخطاب الإستراتيجي لقادته منذ البداية ـ أي منذ زمن أبي مصعب الزرقاوي، الذي ـ كما يبدو ـ كانت له النية للدخول إلى سوريا يوماً ما، حتى يصل إلى دابق لتحقيق نبوءة النبي محمد عليه الصلاة السلام. وهذا ربما يفسر سبب إنهاء مؤسسة (الفرقان) الإعلامية التابعة للتنظيم معظم تسجيلاتها المصورة بمشهد متكرر يظهر فيه صورة مقاتل يحمل راية التنظيم ـ راية العقاب ـ يغرزها على تلة يعتقد أنها في دابق، برفقة صوت أبي مصعب الزرقاوي وهو يشير إلى معركة دابق.

غير أن تنظيم داعش قبيل تحرير القرية بيومين قلل من أهميتها، وقال إن خصومه لا يعرفون أن جنود الدولة يميزون جيدا بين معركة دابق الصغرى (ويقصد بها المعارك التي جعلته يخسر دابق)، وملحمة دابق الكبرى التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونقلت مجلة تابعة للتنظيم على موقعها على الإنترنت تصريحات لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي جاء فيها “ليست هذه معركة دابق الكبرى التي ننتظرها،” في إشارة إلى الحديث الذي ذكر معركة ستقع في آخر الزمان على أرضها.

وهو ما اعتبره متابعون تحضيراً معنوياً من التنظيم للموالين له، لتقبل الخروج من دابق، التي شكلت ركناً مهماً في استقطاب المقاتلين للقتال إلى جانب التنظيم، وهو الخروج الذي تم في أكتوبر/تشرين الأول 2016.

وتأتي هذه التصريحات في أعقاب سلسلة من التصريحات والبيانات، يقلل فيها قادة التنظيم من هزائمه، ويشيرون إلى قدرته على أن يذهب تحت الأرض لمواصلة محاربة أعدائه، يعي الكثيرين وحتى داعش أن التنظيم يمر بأيامه الأخيرة، والسؤال الآن، ماذا سيأتي بعده؟

Read in English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط