من يحرر دير الزور من داعش؟

تتوجه الأنظار منذ الآن إلى معركة دير الزور المرتقبة، والتي ستكون تلقائياً هي المعركة التالية لمعركة الرقة التي بدأت بإعلان رسمي من قوات سورية الديموقراطية (قسد) يوم 6/6/2017.

تعتبر محافظة دير الزور ثاني أكبر محافظة سورية من حيث المساحة بعد محافظة حمص، وتتميز بموقع جغرافي مهم لأطراف الصراع السوري، لحدودها المشتركة مع محافظة الأنبار العراقية، التي لا تزال مدنها القريبة من الحدود السورية خاضعة لسيطرة تنظيم داعش، مثل راوة والقائم المحاذية لمدينة البوكمال السورية، كما ترتبط بحدود مشتركة مع ثلاث محافظات سورية. تتألف محافظة دير الزور من ثلاثة مناطق رئيسية هي مدينة دير الزور والميادين والبوكمال، حيث يقوم اقتصاد المحافظة بشكل أساسيّ على الأراضي الزراعية الخصبة التي تشتهر بإنتاج القطن والقمح، إلى جانب الثروات الباطنيّة وأهمّها النفط والغاز. كانت محافظة دير الزور هي أول محافظة تقع خارج سيطرة النظام السوري، باستثناء قسم من المدينة ومطار دير الزور العسكري. ليتمكن تنظيم داعش من السيطرة على هذه المناطق في بداية يوليو/تموز عام 2014 بعد قتال دامِ مع فصائل الجيش السوري الحر وتنظيم القاعدة.

بدأ التصعيد لمعركة دير الزور في أبريل/نيسان من العام الجاري، بعد أن تصدرت معارك البادية السورية الواجهة العسكرية، حيث أطلقت قوات الجيش السوري الحر معركة “سرجنا الجياد لتطهير الحماد” في شهر مايو/ آذار الماضي بهدف فتح الطريق إلى منطقة القلمون الشرقي المحاصر من قِبل قوات النظام السوري وتنظيم داعش، وتمكنت قوات الجيش الحر من السيطرة على مساحات واسعة من البادية السورية الممتدة على ريفي دمشق والسويداء، ومنطقة القلمون الشرقي في ريف دمشق. لتقوم بعد ذلك قوات النظام وحلفاؤه في منتصف شهر مايو/أيار الماضي بالتقدم وسط البادية انطلاقاً من محورين: الأول من العليانية، والثاني من جنوبي تدمر، لتلتقي القوات في منطقة رأس الوعر على الحدود العراقية. تقع منطقة رأس الوعر على مسافة 30كم شمال شرقي قاعدة الزكف، التي أنشأتها مؤخراً قوات التحالف الدولي وحلفاؤها من قوات مغاوير الثورة، كنقطة متقدمة لحماية قاعدة التنف الرئيسية، وكقاعدة انطلاق للعمليات العسكرية باتجاه محافظة ديرالزور. وبالتالي تكون المليشيات الموالية للنظام في البادية قد قطعت الطريق أمام قوات المعارضة السورية والتحالف الدولي في البادية باتجاه محافظة دير الزور، لتقل بذلك حظوظ هذه القوات بالتقدم باتجاه دير الزور.

وكان الخيار الوحيد لقوات الجيش الحر في البادية، بعد أن أغلقت قوات النظام طريقها إلى دير الزور، هو الاقتراح الذي قدمته الولايات المتحدة مؤخراً لقوات مغاوير الثورة، و باقي فصائل الحر بنقل قسم من هذه القوات إلى قاعدة أخرى للتحالف في منطقة الشدادي في محافظة الحسكة شمال شرق دير الزور، حيث تتواجد هناك قوات النخبة (الجناح العسكري لتيار الغد)، بقيادة الجربا. هذه القوات هي التي خاضت معارك ريف ديرالزور الغربي خاصة في الجهة الشمالية، حيث تقدمت قوات النخبة في تلك المنطقة بالتنسيق مع قوات قسد، وتمكنت من السيطرة على مناطق أبو خشب وجروان شمال غرب محافظة ديرالزور، تحت غطاء جوي من طيران التحالف.

لكن حتى الآن ما تزال قوات الجيش الحر ترفض هذا المقترح الأميركي، لأنها ستكون مضطرة لدخول دير الزور بالتنسيق مع قوات قسد، وفي نفس الوقت أعداد الجيش الحر وقوات النخبة قليلة جداً، ومن المستحيل أن يكفي لبدء معركة تحرير دير الزور في ظل الرفض القاطع لتركيا بنقل قوات درع الفرات للمشاركة في مثل هذه المعركة المصيرية (بسبب تركيزها على تأمين حدودها). وبالتالي سيكون الجيش السوري الحر أمام خيارين: إما القبول بالعمل والتنسيق مع قوات “قسد” أو ستكون قسد هي الطرف الوحيد الذي سيدخل دير الزور.

في وقت يكون فيه من المنطقي استبعاد أن تسيطر قوات النظام على محافظة دير الزور، وخاصة في ظل السياسة العسكرية الأمريكية في المنطقة الشرقية لسوريا، التي وجدت فيها واشنطن نفسها مضطرة إلى التصعيد ضد قوات النظام السوري وحلفائه، الذين لم تمنعهم الضربات الجوية الأمريكية من التقدم والوصول إلى الحدود العراقية، وفي نفس الوقت تبقى الولايات المتحدة واضعة نصب عينيها الإبقاء على هدفها الاستراتيجي بتحجيم الدور الإيراني في سوريا قدر الإمكان. ومع الوضع في الاعتبار المسافة الكبيرة أمام قوات النظام السوري باتجاه دير الزور، حيث أصبحت قوات النظام الآن على مشارف مدينة السخنة الاستراتيجية الواقعة على طريق دير الزور – تدمر بعد أن سيطرت على حقول ديبسان وحقول الديلعة وحقول الفهدة والزملة وغيرها. مدينة السخنة، التي تبعد عن دير الزور أكثر من 100 كم هي عبارة عن مناطق أودية وجبال وعرة جداً، تعتبر الأفضل لقوات داعش للتمترس فيها، والدفاع عن المنطقة، والقيام بكمائن محكمة توقع خسائر كبيرة في صفوف قوات النظام. وأيضاً يجب الوضع في عين الاعتبار منع الولايات المتحدة قوات النظام والميليشيات الإيرانية من التقدم أكثر إلى أماكن حساسة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة تلك المحاذية للحدود العراقية، بينما قد تسمح لقوات النظام بالتوغل في عمق البادية، وفي أفضل الأحوال السيطرة على منطقة الشامية من البادية، و هي المنطقة الواقعة غربي مدينة دير الزور وجنوب مدينة الرقة، خاصة بعد التقدم المتسارع لقوات النظام وحلفاؤه جنوبي مدينة الرقة، مستغلين بذلك انشغال واستنزاف قوات داعش في معركة الرقة، حيث أصبحت قوات النظام على بعد 60كم عن مدينة دير الزور، و بالتالي ربما يكون في أحسن الأحوال بالنسبة للنظام السوري هو فك الحصار عن مطار دير الزور العسكري، لكن ذلك يتطلب منه جهداً كبيراً للوصول للمطار قبل انتهاء معركة الرقة.

النظام السوري يعلم جيداً أن حظوظه في السيطرة على محافظة دير الزور تكاد تكون معدومة، لكن لا تتوقف قواته عن التقدم في كل مكان يسمح لها بذلك، مستغلة حدودها الواسعة مع تنظيم داعش في جنوب شرق حلب وشرق حماة وشرق وجنوب حمص، مستغلة انشغال قوات قسد في معركة الرقة، التي تبدو أنها معركة استنزاف طويلة وغير سهلة، لتقوم بالتقدم خلال الشهرين الماضيين في جنوب شرق حلب وجنوب الرقة وشمال تدمر.

وبهذا تكون “قسد” هي الأكثر ترجيحاً لتكون حليف الولايات المتحدة في معركة دير الزور وذلك لعدة أسباب، أهمها الخبرة التي اكتسبتها قوات قسد من التعامل مع قوات التحالف وطيرانه وتكتيكاته العسكرية، وتعد مناطق قسد في كل من ريف الرقة الشرقي وريف الحسكة الجنوبي هي الأقرب لمناطق داعش في دير الزور، وتعتبر المنطقة الفاصلة بين قسد وداعش في شمال دير الزور وغربها منطقة سهلة خالية من التضاريس الوعرة، وهذا ما يسمح لطيران التحالف بضرب أي قوات لداعش في هذه البادية، ومن المتوقع أن يكون تقدم قوات قسد في هذه المنطقة سريعاً، حتى تصل إلى مدينة دير الزور، والمدن الرئيسية الأخرى الواقعة على نهر الفرات.

ستحاول الولايات المتحدة جاهدة اقناع قوات الجيش الحر المتواجدة في البادية السورية بالمشاركة مع قسد في معركة دير الزور، لأنها تعلم أنها بحاجة للمكون العربي ضمن حلفائها في هذه المعركة، خاصة أن الغالبية العظمى من قوات الجيش الحر هي من أبناء محافظة دير الزور، التي يحكمها الطابع العشائري، والذي لا يقبل بوجود نظام حكم جديد، وخاصة إذا كان غير عربي (كردي).

وفي نفس الوقت، من المرجح أن تقبل هذه الفصائل بالمشاركة مع قسد في محاولة منهم لتحجيم نفوذ قسد – ذات الأغلبية الكردية – في دير الزور، وذلك بسبب الحساسية بين الكرد والعرب في المنطقة الشرقية أساساً، والتي تغذيها داعش منذ سنوات، وأيضاً بسبب انتهاكات قسد التي حصلت في الرقة. والأهم من ذلك هو تخوف قوات الجيش الحر والعشائر التي هي جميعها عشائر سنية من دخول الحشد الشعبي العراقي إلى دير الزور، وهذا سيكون بمثابة كابوس لأهالي دير الزور؛ خاصة بعد تشكيل الحشد الشعبي السوري في محافظة الحسكة، والذي أعلنت عنه الحكومة السورية بالتنسيق مع قسم من عشائر العكيدات والبكارة، لتشكيل قوة عشائرية تتولى قتال تنظيم داعش، حيث نشرت صوراً لبعض وجهاء العشائر في الحسكة مثل حسن محمد المسلط وعبد الحميد الكندح إلى جانب قيادي شيعي. وطبعاً هناك تخوفات أخرى لدى أهالي دير الزور وهو التجنيد الاجباري الذي تفرضه قوات قسد على الشباب.

تزداد الاحتمالات وتتعقد أكثر، وتبقى معركة دير الزور غير واضحة المعالم، بسبب السياسية الأمريكية غير الواضحة لادارة الصراع في سوريا، والتي يرسمها البنتاجون، والذي غالباً لا يعطي كثيراً من تفكيره لحيثيات أخرى سوى العسكرة، وكيفية هزيمة تنظيم داعش بأسرع ما يمكن. بالإضافة إلى الانقسامات الغير معلنة بين وزارة الدفاع الأميركية كمرجعية جديدة في الجنوب إلى جانب غرفة الـ”موك” العسكرية التي تشارك فيها وكالة الاستخبارات الأميركية “سي أي إيه”. حيث تعتمد وزارة الدفاع الأميركية قوات مغاوير الثورة كحليف، بينما تعتمد ال” سي أي ايه” باقي فصائل الجيش الحر حلفاء.

أما الروس الذين يبدو من الواضح تفاهمهم مع الولايات المتحدة في كثير من الأمور، فإنهم يولون اهتمامهم لتأمين المطارات والقطع العسكرية الضخمة حول دمشق مثل مطارات السين والضمير وخلخلة ومرج رهيل والناصرية والمزة العسكرية بالإضافة إلى مطار دمشق الدولي. والسماح لأعوانها من قوات النظام والميليشيات الإيرانية (حزب الله، حركة النجباء، الفاطميون الأفغان، الزينبيون، الباكستانيون … الخ) بالتوغل إلى عمق البادية السورية للمرة الأولى منذ بداية الثورة السورية، والسيطرة على حقول النفط والغاز.

بينما لم يعدو الرد الروسي على الضربات التي شنها سلاح الجو الأمريكي على أرتال حلفائهم من قوات النظام والميليشيات في البادية السورية عن كونه رداً دبلوماسياً، للحفاظ على ماء الوجه أمام حلفائها الذين تلقوا ضربات موجعة.

اشترك في نشرتنا Read in English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

تقرير | إعادة إعمار سوريا

يعرّف هذا التحليل "إعادة الإعمار" على أنه تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند الاستقرار أو إعادة الإعمار. وينبغي أن تخدم هذه الأهداف الرئيسية إعادة توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليًا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية.

التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

تأسست جماعة جند الإسلام عقب خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 وليس عام 2013 كما ذكرت بعض التقارير؛ استغل التنظيم الانفلات الأمني الذي حدث بعد الثورة في التدريب والتجنيد وجلب السلاح من ليبيا

قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

سحبت السلطات التركية خلال الآونة الأخيرة تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية الانسانية العاملة على أراضيها والتي تقدم الدعم للاجئين السوريين، لأسباب عديدة بعضها متعلق بدواع أمنية، وأخرى قيل إنها بسبب شروط جديدة