أي اخوان مسلمين؟

لا تخالف إدارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ظنون أولئك الذين يتوقعون صخب وشغب من البيت الأبيض، فلم يمض أسابيع قليلة على تولي السيد ترامب المسئولية حتى اتصل منصبه بالفضائح والاستقالات. وعلى خلفية ذلك، وبالرغم منه، فإن هناك سياستان بالأخص قد اجتذبا قدرا هائلا من الانتباه من قبل المجتمع السياسي في واشنطن العاصمة؛ السياسة الأولى هي قانون حظر المسلمين سيء السمعة، والذي مازال محلاً للجدل، والثانية، هو ما أثير بداخل بعض أطراف الإدارة، ألا وهو استصدار قانون باعتبار جماعة الاخوان المسلمين جماعة إرهابية.

كانت جماعة الاخوان المسلمين في أصلها عام 1928 في مصر هي  تسييس لنوع معين من الإسلام الحديث، “السلفية الحديثة”، والتي أثرت بقوة على حسن البنا، مؤسس الجماعة، وكان كلاهما، أي “السلفية الحديثة” وحسن البنا نفسه، مثارا للجدل في المؤسسات الدينية الإسلامية في حينها، والقيام بوصف كليهما بأنهما “إسلام سياسي” هو تقليص لكل التعبيرات الإسلامية الموجودة في الساحة العامة، لتتلخص في الاخوان المسلمين، كما أنه يمنح السلفية الحديثة والاخوان المسلمين صفة الأصالة الدينية، التي كانت مثاراً للجدل في المؤسسات الدينية في ذلك الوقت.

هذا هو حال جماعة الاخوان المسلمين في العام 1928، بعد حوالي 90 سنة، فإن الجماعة ليست هي ذاتها التي كانت في الماضي بالمرة. بداخل جماعة الاخوان في مصر، وبين عام 1928 وحتى 2013، ظهرت على الأقل أربعة اتجاهات مختلفة، والتي تحدثت عنها في كتابي “ثورة لم تحدث“، ولخصها إبراهيم الهضيبي، وهو أحد رموز الجماعة سابقا وناقد للجماعة حاليا في جامعة كولومبيا، بشكل مفيد ومتعمق في مختلف كتاباته. هذه الاتجاهات تحظى بمستويات مختلفة من الشعبية داخل التنظيم، ويعتمد ذلك على الوقت الذي ندرسه، بدءا من 2014 فصاعداً، هناك على الأقل اتجاه واحد جديد ظهر، وربما اثنان – أكثر راديكالية وتطرفا من الاتجاهات السابقة.

في عام 1928، كان هناك جماعة واحدة فقط للاخوان المسلمين، وكانت في مصر. في عام 2017، ربما هناك عملياً، على الأقل، جماعتين للاخوان المسلمين في مصر، والعديد من الفروع الرسمية للجماعة في مختلف الدول، سواء في ليبيا، أو الأردن، أو فلسطين، أو أماكن أخرى. هناك أيضا العديد من الجماعات التي تدعي بأنها متأثرة بالتراث الأيديولوجي للجماعة، مثل الحال في تونس، لكن هذه الجماعة متأثرة بغير الاخوان أيضاً.

على خلفية هذا التاريخ، ربما نجد أربع أنواع من الاتجاهات حيال الجماعة، فيما يتعلق بصناع السياسة الغربية والمحللين الغربيين، بدرجات متفاوتة، وهم الآن يتنافسون على مركز الصدارة.

الاتجاه الأول، والذي يمكن أن نطلق عليه معسكر “حتمية التصنيف”، وهو معسكر حريص على أن يرى جماعة الاخوان المسلمين ككتلة واحدة، ويجب أن تصنف بوصفها جماعة إرهابية، وهذا المعسكر هو مؤلف بالضرورة من التيار الشعبوي اليميني المتشدد من الكتاب والمعلقين – وهو قطاع من المجتمع كان في السابق وحتى وقت قريب يتم تهميشه من قبل السياسيين والدوائر السياسية. مع وجود ترامب في الرئاسة، ودخول أمثال ستيف بانون من موقع بريتبارت اليميني للبيت الأبيض، فإن الحال قد اختلف الآن، فإدارة ترامب لديها الكثير من الممثلين الذين يوصفون – مع التهذيب – بأنهم ينتمون إلى “اليمين المتشدد.” بداخل معسكر حتمية التصنيف في الغرب، هناك آخرون لا ينتمون إلى اليمين المتشدد، لكنهم، ومع ذلك، يعتبرون أن جماعة الاخوان تستحق التصنيف كجماعة إرهابية. إنه من غير الواضح ما إذا كان وزير الخارجية ريكس تيليرسون ينتمي إلى هذا القطاع حقا أم لا، لكن ذكره لجماعة الاخوان مع تنظيم القاعدة في جلسة استماعه امام جلسات مجلس الشيوخ يشي بأنه قد يؤيد التصنيف بقوة. من وجهة نظر هذا المعسكر، فإن جماعة الاخوان هي بالضرورة أحد المداخل للدولة الإسلامية بالعراق والشام – حتى وإن وصفت الدولة الإسلامية جماعة الاخوان بأنها “جماعة مرتدة.”

الاتجاه الثاني ربما يطلق عليه معسكر “”لاستهجان والتسامح”، الغالبية من هذا المعسكر تنتمي إلى يمين الساسة الأمريكيين والأطراف الأكثر محافظة من بين العالم التحليلي في واشنطن؛ بالنسبة لهذا المعسكر، إن الاخوان المسلمين هم بالضرورة جماعة دينية تحض على الكراهية، فهي تكرس للطائفية، وتحرض على العنف، وهي مقيتة لعدة أسباب، ويعتبرون أن أي مشاركة في العملية الديمقراطية للجماعة هو إجراء برجماتي هزلي، بدون أي احترام حقيقي أو معياري للتعددية. بالرغم من هذا، فإن هذا المعسكر بشكل عام ينبذ تصنيف الجماعة بشكل كامل، وذلك لأنه يرى أن المتطلبات القانونية لهذه الخطوة ستفشل في المرور عبر التشريعات الأمريكية.

أما المجموعة الثالثة فتتبنى رؤية أكثر إيجابية حيال جماعة الاخوان المسلمين، وهي المجموعة التي يمكن اعتبارها معسكر “التوفيق المعتدل”. وقد أشاد هذا المعسكر بجماعة الاخوان في خضم تأييدهم للتحول الديمقراطي في العالم العربي، ووصف الجماعة بأنها معتدلة في الساحة السياسية العربية، وبأنها النسخة العربية المسلمة للحزب الألماني المسيحي الديمقراطي. بداخل العالم العربي، بالطبع، فإن جماعات حقوق الإنسان ومنظمات الحقوق المدنية (بما في ذلك المعارضين للأنظمة الاستبدادية العربية) قد أدانوا جماعات الاخوان المسلمين المختلفة، فيما يتعلق بقضايا عديدة وواسعة، متشككين في وسطيتهم المزعومة. إلا أن عدداً ليس بالقليل من المحللين والأكاديميين في الولايات المتحدة يتمسكون بهذا الموقف، بينما القليل بل النادر من صناع السياسة في إدارة أوباما قد فعلوا ذلك، وإدارة ترامب لن تهتم بهذا الجدل. يميل هذا المعسكر أيضا إلى إبراز مخاوف بأن تصنيف الجماعة يضع المسلمين الأمريكيين في مرمى النيران، حيث يرون أن العديد من منظمات المجتمع المدني الأمريكية الإسلامية تم تأسيسها من قبل أناس، منذ ما يقرب من جيل مضى، كانوا على اتصال أو أعضاء في جماعة الاخوان المسلمين في أحد البلاد أو غيرها.

المجموعة الرابعة والأخيرة هي مجموعة نادرة، لكنها تتميز بدرجة من التعقيد والوضوح قلما يوجد في المجموعات المذكورة آنفا. ربما أفضل اسم يطلق عليها هو مجموعة “أي أخوان مسلمون؟” في أحد الندوات التابعة لبرنامج عن التطرف بجامعة جورج واشنطن، بحضور سير جون جينكينز، أحد المدافعين عن هذا التيار، ورئيس المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وجه إليه سؤالا “لماذا لم تدرج المملكة المتحدة جماعة الاخوان المسلمين في قائمة الإرهاب؟” أجاب جينكيز باقتضاب (بوصفه مسئولا سابقا هاماً في حكومة المملكة المتحدة والذي قاد الحكومة لمراجعة نظرتها للاخوان المسلمين) قائلا: أي أخوان مسلمون؟  

ثم استطرد مشيرا إلى أنه كان هناك دليل يشير إلى أن أعضاء معينين في مختلف جماعات الاخوان المسلمين متورطين في عنف إرهابي، مما أدى إلى ملاحقتهم – لكن النقطة الأساسية لمداخلته كانت تهدف إلى الإشارة إلى أن جماعة الاخوان المسلمين ظاهرة متباينة. في كلمته، ناقش بشكل إيجابي مساهمة حركة النهضة (جماعة متأثرة بجماعة الاخوان المسلمين) للديمقراطية في تونس، لكنه أيضا انتقد علاقات أخوان ليبيا بجماعات متطرفة، والمشاكل المختلفة التي يعاني منها أخوان مصر.

بناء على هذه المجموعة، فإن جماعة الاخوان المسلمين من الصعب أن يتم التعميم بشأنها – سواء بشكل إيجابي كما يفعل معسكر “التوفيق المعتدل” أو بشكل سلبي كما يفعل المعسكر الأول. جماعة الاخوان المسلمين في عام 2013 ليست هي ذاتها جماعة الاخوان في عام 2016، فالأردنيون ليسوا مثل الليبيين، وهكذا. كما أن التصنيف، فيما يعتقد هذا المعسكر، سيضع قطاعا كبيراً من المسلمين الأمريكيين في محل الهجوم بالشبهة.

يبدو أن إدارة السيد ترامب تؤجل تصنيف جماعة الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية في الوقت الحالي، مع وجود قضايا أخرى تستنفد طاقة هذه الإدارة المحدودة للغاية. في هذه الحالة، فإن النقاش حول جماعة الاخوان سوف يكون أقل أهمية، وستستمر الأربع معسكرات في تطوير خطابهم حول الجماعة، ربما في عزلة عن الآخرين. لكن التساؤل حول الجماعة لا يبدو أنه سيتلاشى – وعلى المرء أن يتمنى أن يظل متابعاً على الأقل للتطورات السريعة التي تحدث في العالم العربي.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط