أين تقف مصر بعد ست سنوات من 25 يناير؟

بينما تشهد مصر مرور ست سنوات على انتفاضة 2011 الثورية، فإنه من المغري لبعض الدوائر رؤية أن البلاد عادت إلى الحال الذي كانت عليه في 25 يناير 2010، بقول آخر، وكأن الست سنوات الماضية لم تحدث أبداً، وأن الحكم السياسي الحالي الذي يدير البلاد هو بالأساس حكم مبارك 2؛ إلا أن هذا التحليل مضلل: فالقرائن والافتراضات الأساسية بشأن مصر داخلياً وخارجياً تختلفان تماماً.

حين يتعلق الأمر بطريقة حكم مصر، يجدر الإشارة إلى مقال سابق وهو نظام اللانظام، حيث أرى أن مصر لم تعد تحت نظام حكم الفرد كما كان الحال وقت مبارك، ومن التعقل أن نفهم أنها تدار عبر كتلة من العلاقات. هذا النوع من النظام المختلط يتمتع ببنية أساسية – إلا أن ذلك محل تفاوض داخلياً، ومن المحتمل أن يظل غير واضح لبعض الوقت؛ فالعلاقة بين مختلف المؤسسات المركزية تظل في حالة تقلب، بالرغم من أنه من الواضح أن الرئاسة والمؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية والقضاء هم الذين يحظون بالقوة الأكبر في هذا الصدد – وبنفس الترتيب.

على الصعيد الدولي، هناك اختلاف في المزاج العام مقارنة بوقت مبارك، وربما مقارنة بمختلف المراحل في الست سنوات الماضية، هناك ثلاثة أطراف رئيسية يجب أن نأخذهم في الاعتبار: الاتحاد الأوروبي والخليج والولايات المتحدة؛ أياً من هذه الأطراف لن يجعل الأمور صعبة على مصر في 2017، وربما ستكون أسهل من فترة حكم مبارك.

على صعيد العلاقات مع أوروبا، فإن القاهرة قد تمكنت من الوصول إلى موقف متميز، فعلى أحد الجوانب، هناك العديد من منظمات حقوق الإنسان العالمية والإقليمية التي تصدر تقارير دورية بشأن معدلات انتهاك حقوق الإنسان في مصر، نادراً ما ترصد هذه التقارير أشياء إيجابية، حيث تجد القاهرة نفسها بشكل مستمر ومتكرر محل نقد وانتقاد في المحافل الدولية حين يتعلق الأمر بحالة الحقوق الأساسية والحريات؛ في الواقع، فإن الانتهاكات التي سجلت وصدرت التقارير عنها في هذه المحافل أكثر وأوسع مما كان يناقش تحت إدارة مبارك؛ ومن ثم، فإنه من المعتاد أن تشهد القاهرة ملاحظات انتقادية في مختلف البرلمانات الأوروبية والإعلام ومنظمات المجتمع المدني وقطاعات أخرى. حين يقوم وفد من البرلمان الأوروبي أو الساسة الأوروبيون بزيارة القاهرة، فإنهم مجبرون من قبل دوائرهم على إثارة هذه المواضيع المقلقة.

إلا أنه، وبالرغم من إثارة القلق بشأن حقوق الإنسان، فالقاهرة تظل في موقف جيد؛ وبينما يمكن للخطاب بين القاهرة وبعض العواصم الأوروبية أن يتوتر أحيانا، فإن تأثير هذا الخطاب على السياسة أقل بكثير، هناك بعض الاستثناءات – فالمملكة المتحدة لم تعد تشغيل رحلاتها الجوية بالكامل إلى القاهرة، ولم تستعيد إيطاليا كامل علاقاتها الدبلوماسية عقب سحب سفيرها بعد حادث القتل المأساوي للطالب الإيطالي جوليو ريجيني. وكان الإجراء الأول ناتجا عن حادث إرهابي بخصوص الطائرة الروسية في سيناء، وتتحفظ لندن على كونها عرضة لهجوم إرهابي على متن إحدى طائراتها، خاصة أن هناك اعتقاد سائد في الدوائر الحكومية لم يتم تأكيده علانية بأن الهدف الحقيقي كان ضد طائرة بريطانية. أما بالنسبة للإيطاليين، وبينما تنكر الشرطة في القاهرة تورطها في قتل ريجيني، إلا أنه من المؤكد بأن الغالبية في روما تعتقد العكس – كما أن الرأي العام الإيطالي حتى الآن لن يقبل بتطبيع دبلوماسي كامل مع القاهرة.

وبعيداً عن كل ذلك، فإن القاهرة تمكنت من الانتفاع بحزمة من الظروف، الأول هو أن أوروبا ليست موحدة حين يتعلق الأمر بمصر – بعض الدول تهتم بسياسات خارجية تتأثر باعتبارات حقوق الإنسان أكثر من دول أخرى، وهذا واضح تماماً في المناقشات حول مصر في أوروبا، حين يتم ذكر مصر في أي محفل أوروبي. فاليونان ليست السويد، كما أن قبرص لا تماثل ألمانيا – وكلما كانت القواسم المشتركة أقل كلما استفادت القاهرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحقيقة الموضوعية، سواء كان هذا ما يجب أن يكون عليه الحال أم لا، فإن الاهتمام الأساسي لأوروبا فيما يخص العالم العربي ينقسم إلى شقين: الخوف من هجرات على نطاق واسع تأتي إلى أوروبا من حدودها الجنوبية، والقلق بشأن عنف التطرف الإسلامي، والذي يؤثر على المواطنين الأوروبيين. في كلا القضيتين، لا يعتبر صناع القرار في معظم الدول الأوروبية القاهرة محل ثقة في هذا السياق، هناك بعض التحليلات والساحات السياسية ترى أن سياسات القاهرة تأتي بنتائج عكسية – لكنهم لم يربحوا الجدل على خلفية صعود تنظيم داعش ودمار سوريا والوضع الحرج في العراق ووضع ليبيا الذي لا تحسد عليه، وهكذا دواليك. سواء كان صحيحاً أم خطاءً، هذا هو المنظور في العواصم الأوروبية – ومن ثم يتم النظر إلى القاهرة بشكل عام بوصفها، على الأقل، الأفضل بكثير من بقية دول المنطقة، وذلك نتيجة لسياساتها المعادية بشدة ضد الإسلاميين، وقدرتها على الحفاظ على النظام داخل حدودها. قد تكون رؤية قاصرة – لكن أوروبا لم يسبق أنها كانت بعيدة النظر لمدة طويلة.

حين يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، فإن القاهرة أكثر ارتياحاً، لكنه ارتياح مشروط، فالرئيس المنتخب الجديد دونالد ترامب، وبصرف النظر عن مواقفه السياسية المختلفة والتي تؤثر على المسلمين في الولايات المتحدة ومناطق أخرى، لم يخف دعمه الكامل للإدارة المصرية، تحديداً بسبب سياساتهم المعادية للإسلاميين، تعلم القاهرة بأنها يمكنها التمتع بموقف أقل انتقاداً يأتي من واشنطن فيما يتعلق بحقوق الإنسان وما شابهها تحت قيادة ترامب أكثر مما كان سيحدث تحت إدارة كلينتون. إلا أن بعض الدبلوماسيين المصريين يشعرون بالقلق فيما يتعلق بطبيعة ترامب غير المتوقعة والمتقلبة؛ لا يوجد ساسة يشعرون بالراحة حيال عدم اليقين.

آخر ممثل رئيسي يهم القاهرة هو الخليج – وبهذا الصدد، فإن أغلب دول الخليج تتمتع بعلاقات طبيعية مع مصر عقب الإطاحة بجماعة الاخوان المسلمين في عام 2013 من الحكم، حتى قطر، والتي تدعم جماعة الاخوان، خضعت للضغوط التي مورست عليها من قبل جيرانها؛ في ذات الوقت، تعول دول الخليج على فكرة أن القاهرة ستكون أكثر استقراراً اقتصادياً تحت حكم السيسي. لا أحد يرغب في فشل مصر – لأن فشلها سيكون كارثياً، إذا وضعنا في الاعتبار حجم سكان مصر. تظل هناك مخاوف حول فاعلية وقدرة القاهرة على إحداث إصلاح حقيقي – لكن لا أحد يجتمع ليفكر فيما على القاهرة القيام به لتحقيق هذا الإصلاح من جانب دول الخليج. ربما تواجه القاهرة بعض الضغوط – لكن هذه الضغوط، وحتى الآن، لا تضطر القاهرة للمضي في الإصلاح بأي شكل من الأشكال، وبدلاً من ذلك، تم ممارسة الضغط لكي تنقل مصر جزيرتي تيران وصنافير من ملكيتها إلى ملكية السعودية، أما بخلاف ذلك، فإن المساعدات والدعم لم يكونا مشروطين.

بناءً عليه، وبشكل عام، فإن القاهرة في عام 2017 لديها علاقات دولية أفضل مما كانت عليه قبل انتفاضة 2011 الثورية. قد يعود ذلك بسبب أشياء تحدث خارج مصر أكثر منها بداخلها – لكن القاهرة ما تزال تشعر بعدم الارتياح فيما يتعلق بموقفها الدولي، بالرغم من التصريحات التي تستنكر الانتقادات الدولية للقاهرة والتي تصدر من آن لآخر.

هذا لا يعني أن مصر ليس لديها ما يقلقها على الصعيد الداخلي. فإن العناصر التي أدت إلى الانتفاضة الثورية في عام 2011 مازالت موجودة، بل إنها ازدادت كثافة في خلال الست سنوات الماضية – لم يتم حل أي من الأسباب التي قادت الناس إلى الشوارع لمدة 18 يوماً بشكل كاف. ربما يشعر الشعب المصري بالإجهاد بسبب أحداث الشغب التي حدثت في الفترة ما بين 2011 – 2013، وهو أمر مفهوم – لكن مع وجود المشاكل الاقتصادية والديموغرافية والبنيوية، فإنه من السذاجة اعتبار الحال القائم في مصر مستقر بدون إصلاحات واسعة النطاق. إلا أن ما يبقى واضحاً هو أن الجهود الثنائية لتشجيع ذلك لا يبدو أنها ذات تأثير، ناهيك عن أن هذه الجهود لم يتم المحاولة في بذلها؛ يمكن للجهود الجماعية أن تحقق نجاحاً أفضل، لكن للأسباب التي تم ذكرها آنفاً، فإن محاولة بذل هذه الجهود يبدو أقل احتمالية. إذا قامت مصر بإصلاح حقيقي، فإن دافعها سيكون داخلياً، ويبدو أن ذلك احتمالاً ضعيفاً، فإن على المرء أن يأمل بأن يجد هذا البلد، الذي يتمتع بأكبر تعداد سكان بين الدول العربية، طريقه لتحقيق هذا، من أجل مصلحة شعبه ومصلحة المنطقة.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط