ما وراء تسمية أحداث سوريا بحرب أهلية

طرأت تغيرات كثيرة على السياسات التحريرية، لدى وسائل الإعلام العالمية والعربية، فيما يخص سوريا منذ انطلاق الثورة عام 2011، ضد النظام، لكن تغيراً أصبح ثابتاً وخاصة بالغرب، هو وصف ما يجري في هذا البلد بـ”الحرب الأهلية”، والذي بدأ يظهر لدى الوكالات العالمية الكبرى “رويترز، أ ف ب، آ ب وغيرها”، أواخر عام 2012 وبدايات الـ2013. وهو ما انعكس على التصريحات السياسية للكثير من الدول الغربية والقوى الكبرى.

في سوريا يبدو وصف “الحرب الأهلية” غير مرغوب لدى شريحة واسعة، بعض معارضي النظام السوري ما زال يصف ما يجري بـالثورة، وآخرون يقولون “حرباً أو حرباً بالوكالة”، ومؤيدو النظام يصفون المجريات بـ”أزمة، أحداث، وما إلى ذلك”.

وبعيداً عن كل التسميات السابقة، رغم أن استخدام تسمية الحرب الأهلية سهلة وسريعة، هل تبدو مناسبة؟ في تسلسل الأحداث بسوريا، المعادلة الأقرب للواقع هي، مظاهرات واحتجاجات سلمية قوبلت بعنف شديد من السلطات الحاكمة، تسلّحت بامكانات بسيطة، ورافق التسلح تدخلات خارجية من الأردن، لبنان، العراق وتركيا، وكان التدخل على خطين، لدعم المعارضة والنظام، وكانت الحدود التركية السورية ممراً لكل أجنبي وعربي يريد “الجهاد” في سوريا، فأصبحت الفرق التي تتصارع على الأرض بجنسيات متعددة، وساد جو توازن القوى معظم مراحل الحرب، من يضعف من الطرفين نظام ومعارضة، يتم شحنه ليوازي الآخر، حتى نهاية سنة 2015 عند تدخل القوات الروسية لتقلب التوازن لصالح النظام الحلفائه.

تُشرح “الحرب الأهلية” بأنها “صراع مسلَّح يقع بين أبناء الوطن الواحد”، وقع الصراع هذا في سوريا، في بدايات الانشقاق عام 2011 عن جيش النظام السوري، وظهور الجيش الحر، لكنه لم يكن على خلافات عشائرية أو طائفية أو إثنية، بل على إشكال سياسي وأخلاقي، وبعدها تعقد الصراع أكثر مع ظهور فصائل إسلامية، ودخول تنظيم القاعدة متعدد الجنسيات بقبضته “جبهة النصرة”، ثم دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي نشأ بالعراق وما يحتويه من جنسيات عربية وأجنبية، واحتلاله لمساحات كبيرة في سوريا، فتوسع الصراع، توسع زاده دعم قوى عربية وعالمية لفصائل معينة، ثم احتلال الجو السوري من قبل طيران التحالف الدولي عام 2014 فالطيران الروسي عام 2015.

يميزان حرب سوريا عن الحروب الأهلية التي مضت عاملين، وهما كثرة الداعمين الأجنيبين وكثرة الأطراف، اللذان أديان إلى حروب فرعية. في آب الماضي، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز الأميركية” تقريراً حول “الحرب السورية”، طرحت سؤالاً فيه على خبراء عسكريين وسياسيين، عن وجود أية صراعات أو حروب تاريخية مشابهة لما يجري في سوريا، ومن أول الأجوبة كان على لسان الأستاذة “باربرا والتر” من جامعة سان دييغو الأميركية، وهي خبيرة في مجال الحروب الأهلية، علقت وقتها:”لا حرب تشبه الحرب السورية في التاريخ كله”، مضيفة: “إنها حقاً وفعلاً حالة صعبة”.

المعروف بالحروب الأهلية على مر التاريخ، أنها صراعات بين أبناء بلد واحد، تنتهي بخسارة لطرف وخضوعه لاتفاق، أو بفرض حلول خارجية على جميع الأطراف المتصارعة المنهكة، والوصول إلى اتفاق يشمل الجميع، كما جرى في اتفاق الطائف اللبناني عام 1989، الذي أنهى أكثر من 15 عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية.

وجاء في تقرير النيويورك تايمز أنه “جرت العادة في معظم الحروب الأهلية أن تنتهي بخسارة أحد الطرفين إما بالهزيمة العسكرية، أو باستنزاف واستهلاك كافة أسلحته، وإما بخسارته للدعم الشعبي ما يجبره على الاستسلام. حوالي ربع الحروب الأهلية انتهت باتفاقيات سلام لأن الطرفين عادة يصيبهما الإنهاك”.

ويضيف التقرير:”كان من الممكن أن يحدث ذلك في سوريا، فالطرفان الأساسيان في النزاع (أي الحكومة ومقاتلو المعارضة حينما بدءا حربهما عام 2011) كلاهما منهك ولا سبيل لهما لمتابعة القتال وحدهما دون مساعدة، لكن المصيبة أنهما ليسا وحدهما، بل يقف وراء كل طرفٍ فريقُ دعم من القوى الأجنبية يضم الولايات المتحدة وروسيا وإيران والسعودية والآن تركيا؛ تدخلات جميع هذه الدول عطلت سير قواعد وقوانين الطبيعة. غابت القوى التي عادت ما تبطئ وتعطل سير الصراع، ما أدى إلى استمرار الصراع لأطول من المعتاد”.

وما يعزز معلومات هذا التقرير، مقال نشر على صحيفة الحياة اللندنية في شهر أيلول الماضي، قسّم سوريا إلى 6 مناطق نفوذ، الأولى منطقة النظام وحلفائه، الممتدة من السويداء ومدينة درعا جنوبي سوريا، إلى العاصمة دمشق مروراً بحمص، ووصولاً إلى طرطوس ومدينة اللاذقية على الساحل السوري. والثانية منطقة الأكراد، التي تحتوي 3 مطارات عسكرية أميركية، في ريف الحسكة شمال غرب سوريا وعين العرب كوباني شمالي سوريا.

أما المنطقة الثالثة فهي للأتراك، طفت على سطح الحرب السورية هذا العام حين دخلت القوات التركية داعمة للجيش الحر إلى جرابلس الحدودية أقصى شمالي سوريا وأخرجت تنظيم داعش منها، فيما تتوزع المنطقة الرابعة بين ريفي درعا والقنيطرة وحدود الأردن جنوبي سوريا، وخط فك الاشتباك مع الجولان السوري المحتل، وهي خاضعة للمخابرات الأردنية والاسرائيلية.

وسمت صحيفة الحياة المنطقة الخامسة بغروزني السورية، نسبة لعاصمة الشيشان غروزني، وهي منطقة إدلب وريفا حلب وحماة وجزء من ريف اللاذقية، بينما المنطقة السادسة فهي “داعش” الممتدة من ريف تدمر وسط البلاد إلى الرقـــة والحسكة ودير الزور شرقي سوريا.

لكن مؤخراً، تنتظر سوريا تغيرات على تلك المناطق، فالنظام مستمر بالامتداد في حوض دمشق، فمنذ أكثر من شهرين، عقد عدة تسويات تضمنت تهجير الأهالي والمسلحين المعارضين من مناطق “داريا، المعضمية، قدسيا، الهامة، زاكية، خان الشيح” ويعمل على إبرام اتفاقيات مشابهة في التل ووادي بردى وسعسع. والوجهة ادلب. كما أن قوات النظام مدعومة بمسلحين إيرانيين ولبنانيين وعراقيين وأفغان، سيطرت على شرقي مدينة حلب عند نهاية العام الماضي.

بغض النظر عن سهولة استخدام تسمية الحرب الأهلية فإنها تشكل رؤيتنا للحرب السورية فتحليلاتنا وكيف نوجد حلولا. تخطت الحالة السورية حدود البلد، وأصبحت مسألة عالمية، فالمصالح الدولية تلعب دورها بشكل كبير في مسار الأحداث والحل لاحقاً، كما أن قضية إعادة الأعمار لها ثقلها، فروسيا المنخرطة على الأرض بقواعدها العسكرية وفي الجو، لا تهتم بإعادة إعمار هذا البلد بقدر الاهتمام بمصالحها، خاصة وأنها اقتصادياً غير قادرة على تلك التكاليف ففواتير حربها كبيرة، فيما الولايات المتحدة الأميركية تنتظر 20 هذا الشهر حتى وقت تفعيل رئيسها الجديد دونالد ترامب وما في جعبته من خطوات تجاه سوريا، تبدو بعيدة جداً عن الحل والمرحلة اللاحقة بعده، فمبدئياً، مصالح الدولتين الكبرتين تصب بتسمية الحالة سورية بحرب أهلية، ما يسمح لروسيا بتبرير دعمها لنظام الأسد ضد أي مسلح أو مدني يقاومه، وما يسمح لأمريكا بفصل الحرب مع النظام  عن محاربة داعش لتبرير تركيزها على مكافحة الإرهاب.

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة