ماذا تعني خسارة الموصل لتنظيم داعش؟

في الوقت الذي  تتوغل فيه القوات العراقية في الموصل وهي معقل تنظيم داعش، فإن خسارة هذه المدينة الرئيسية تلوح في الأفق، الأمر الذي يشير إلى نهاية تنظيم داعش كدولة. إلا أن التنظيم يمكن أن يستمر كمجموعة متمردة، والأهم أنه سيستمر كـ “أيديولوجية الخلافة.”

في تسجيل نادر مدته 30 دقيقة، عبر أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش عن ثقته في النصر، وطالب مجاهدي الخلافة أو المقاتلين بألا يهنوا في مواجهة عدوهم، وطالبهم بأن “يحولوا ليالي الكفار إلى نهار، ويعيثون في أرضهم فساداً ويجعلون من دمائهم أنهاراً.”

يأتي خطاب البغدادي – وهو الأول له منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي – على خلفية تقدم كبير أحرزته قوات الأمن العراقية في الموصل وما حولها، ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن الجيش قام بالسيطرة على بلدة الشورى، والتي كانت تحت سيطرة داعش، بجنوب الموصل في 29 أكتوبر/تشرين الأول، ودخلت القوات الموصل نفسها في 31 أكتوبر/تشرين الأول، حيث قامت بالسيطرة على محطة تلفزيون في الشرق.

على الصعيد العسكري فإن التنظيم قد انتهى، هكذا صرح الناشط السياسي غانم عابد، وهو من سكان الموصل ويعيش في أربيل. فقد التنظيم أجزاء كبيرة من أراضيه في العراق، بما في ذلك سنجار والفلوجة وتكريت والرمادي وحقل القيارة وغيرهم. كما أن الانشقاقات بدأت تختمر في تنظيم الخلافة. في تقرير أخير لها، أظهرت وكالة رويترز تفاصيل حول قيام تنظيم داعش بسحق تمرد بقيادة أحد قيادات الجماعة في الموصل، والذي كان ينتوي تسليم المدينة لقوات الحكومة، وقامت داعش بإعدام 58 شخصاً من المشتبه بهم في المشاركة في هذه الخطة.

السقوط المتوقع لعاصمة داعش في العراق سيكون ضربة قاسمة للتنظيم، ومن المتوقع العودة بالمدينة إلى مرحلة تمرد ما قبل حكم الخلافة. يظهر كتاب “إدارة التوحش” للجهادي أبو بكر ناجي، والمنشور في عام 2004، فهماً عميقاً لاستراتيجية داعش المقسمة لثلاث مراحل والتي يطلق عليها “شوكة النكاية.” المرحلة الأولى – وهي قبيل تأسيس الخلافة – تبدأ بمحاولة الجهاديين لإنهاك قوات الحكومة من خلال شن هجمات سريعة متتالية. في يوليو/تموز، أعلنت داعش مسئوليتها عن واحدة من أبشع الهجمات في بغداد، والتي لم تشهد بغداد مثيلها منذ سنوات، حيث قام انتحاري بقتل أكثر 300 شخصاً.

في 21 أكتوبر/تشرين الأول، قام مسلحو داعش بالهجوم على مدينة النفط الاستراتيجية كركوك، حيث اشتبك مقاتلو تنظيم داعش، بزيهم العسكري، طوال اليوم، مع قوات الأمن العراقي، تاركين 40 من القتلى، وذلك قبل ان يقوموا بتفجير أحزمتهم الانتحارية الناسفة. في 23 أكتوبر/تشرين الأول، قام التنظيم بالهجوم على قضاء الرطبة على الحدود العراقية الأردنية.

يعتقد قائد قوات البيشمركة، آري هرسين، في حديث خاص له مع المجلس الأطلنطي بإن خسارة داعش للأراضي سيدفعها للتراجع إما إلى سوريا أو إلى صحراء الأنبار. قبل وفاته، تحدث أبو محمد العدناني، المتحدث الرسمي باسم داعش، في مايو/أيار بهذا الخصوص، مؤكدا أن “النصر هو أن نحيا في سبيل ديننا أو نموت في سبيله. وكلاهما سواء، سواء أنعم الله علينا بتوحيد الدولة أو الانتقال إلى الصحراء المفتوحة العارية، سواء كنا نازحين أو مطاردين.” في جزء آخر من خطاب العدناني، قال بأن التنظيم لم يهزم حين “فقدت المدن في العراق وقد كان في الصحراء بدون مدينة أو أرض.”

اعتماد تنظيم داعش على حروب الاستنزاف لا يقتصر فقط على العراق، ففي خطاب له، وجه البغدادي أتباعه لغزو تركيا وتحويل أمنهم إلى خوف، وشن الهجوم وراء الهجوم في المملكة العربية السعودية، انتقاماً من اختيار المملكة جانب “الدول الكافرة في الحرب على الإسلام والسنة في العراق وسوريا.” في خطابه في مايو/أيار، أرسل العدناني رسالة أخرى لمؤيدي داعش في الغرب قائلا “إذا أغلق الظالمون باب الهجرة في وجوهكم، إذن فافتحوا أنتم باب الجهاد في وجوههم. حقاً، إن أصغر فعل تقومون به هناك في أراضيهم أحب إلينا من أكبر عمل يحدث هنا.”

عبر المسئولون الغربيون، ومن بينهم جيمس كومي مدير المباحث الفيدرالية، عن قلقهم بسبب عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب الذين انضموا للتنظيم – خاصة أولئك الذين قد يعودوا إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة. أصدرت مجموعة صوفان للدراسات تقديرات لأعداد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى سوريا والعراق من 80 دولة للانضمام إلى داعش، وقالت بأن أعدادهم تتراوح ما بين 27 ألفاً إلى 31 ألفا.ً من بين هذه الأعداد 5 آلاف مقاتل أجنبي من أوروبا، و2400 من روسيا، و3000 من السعودية، و4700 من دول الاتحاد السوفييتي سابقاً.

دعت السلطات إلى اليقظة سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط، وحذرت المملكة المتحدة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول بأن متطرفي داعش مازالوا يشكلون التهديد الأكبر للمملكة المتحدة وأمنها القومي. ويصل مستوى الاستعداد للخطر في بريطانيا رسمياً الآن إلى مستوى “شديد الخطورة”، بمعنى أن هناك توقعات عالية بحدوث هجوم. في نوفمبر/تشرين الثاني، حذرت السفارة الأمريكية في الهند من تزايد تهديدات داعش لمواطنيها، منبهة إلى تحذيرات وزارة الخارجية في العالم أجمع باحتمالية حدوث هجمات من قبل داعش مستهدفة المواطنين الأمريكيين. في أكتوبر/تشرين الأول، قامت وزارة الداخلية السعودية بإحباط مخطط للهجوم على استاد جدة بسعة 60 ألف مواطن أثناء مباراة السعودية والإمارات، وقامت بالتعرف على ثلاث خلايا إرهابية تعمل في المملكة. في سبتمبر/ايلول، قامت المغرب بتفكيك خلية لداعش تخطط لهجمات إرهابية مستهدفة المؤسسات الأمنية والمواقع السياحية والأجانب القادمين من دول تشارك في تحالف الولايات المتحدة ضد داعش.

قبل وفاته، قال العدناني بأن داعش لا يمكن أن يتم تدميرها في وجود “جيل كامل من المسلمين الذين شهدوا تأسيس الدولة الإسلامية.” وبالعودة إلى عابد أحد سكان الموصل، فإنه يشير إلى الكيفية التي يمكن بها لشبح داعش أن يسكن المدينة: “هناك جيل كامل من الشباب العراقي شب تحت الحكم الراديكالي للتنظيم.” كما قال، مضيفا أنه بدون مصالحة وطنية، هناك تهديد بأن يستمر التنظيم في الوجود. على مدى أكثر من عامين، قامت دولة الخلافة الإسلامية بتلقين الأطفال في أراضيها مفاهيم دينية تهدف إلى الترويج لوجود الدولة الإسلامية. وفقا لتقرير نشرته مؤسسة كويليام، تم تعليم الأطفال مناهج الدولة الإسلامية المتحجرة، بل إن الأطفال قد حضروا تدريبات جهادية. في الحقيقة، حوالي 300 طفل معروفين باسم “أشبال الخلافة” قد قتلوا في خضم المعركة التي تدور في الموصل وحولها.

بالرغم من هذا السيناريو القاتم، فإن أحمد السمرائي، أحد قيادات القبائل يؤمن بأن العراقيين السنة قد ملوا من داعش. “هناك فرصة لسحق التنظيم” كما قال. بينما يعد الاستيلاء على عاصمة التنظيم في العراق هو خطوة في المعركة ضد داعش، فإن الخطوة التالية الفعالة يجب أن تكون مبنية على استراتيجية واضحة للحكم والبناء والتطوير في سبيل تحييد التنظيم، وهو أمر يحتاج إلى تعزيز وضع المجتمع السني المهمش.

سجل العراق ليس جيداً في هذا الصدد، ويبدو أن داعش تعتمد على فشل الحكم في بغداد، وتزايد الانقسام السني الشيعي لإذكاء التوتر الطائفي، والذي يبدو أنه عاد مرة أخرى في بغداد. في حوار له مع الموقع العراقي الإخباري “نقاش” عبر محمد الربيعي، رئيس اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة في بغداد، عن قلقه من أن بغداد على شفا العودة للعنف الطائفي الذي كان منتشرا ما بين العامين 2006 و2008. ربما تستهدف داعش أيضا مناطق أخرى مثل ديالى – حيث يصل تعداد السكان الشيعة إلى 40% – وذلك بتصعيد الهجمات ضد أهداف شيعية مؤججة بذلك موجة جديدة من الثأر والعنف. نجحت هذه الاستراتيجية منذ حوالي عقد مضى، وذلك وفقاً لتقرير أعده الخبير في الشئون العراقية مايكل نايت. عقب طرد مقاتلي داعش من محافظة الأنبار، استطاعوا أن يقتربوا من السيطرة الكاملة على محافظة ديالى من خلال شن 400 هجوم في الشهر، معظمها ضد الشيعة. وقد بذلت الحكومة الفيدرالية جهوداً لإعادة البناء، وقيادة محاولات للمصالحة عقب استعادة المحافظة من داعش في العام 2015، وكان منسق المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة في العراق قد أشاد بهذه الجهود، لكن هذا المنهج لم يتم اتباعه في أي مكان آخر.

إلى جانب المخاوف الأيديولوجية والطائفية، هناك قلق مستمر ومنتشر في المدن العراقية التي خرجت عن سيطرة داعش في العام المنصرم. في الرمادي، وهي مدينة كان يقطنها 500 ألف مواطن قبل دخول تنظيم داعش، فإن المدينة تلوثت بنسبة 90% بالمتفجرات وفقا للمسئولين العراقيين، ولم يعد إلى المدينة من السكان الذين كانوا نزحوا قبل ذلك سوى 30 ألفاً من السكان الأصليين. في الفالوجة، وهي مدينة كان يصل عدد سكانها إلى 300 ألف، أما الآن فلم يعد سوى أقل من ثلث سكانها النازحين. هذه المدن تحتاج إلى سنوات وملايين من الدولارات قبل أن يتم تطهيرها من الألغام وإعادة بنائها. أما الموصل فإن مساحتها الأكبر، وتنوع سكانها ربما يشكل تحدياً أكبر لاستعادة الأوضاع فيها لما كانت عليه قبل دخول تنظيم داعش.

سينجح كل من التحالف بقيادة الولايات المتحدة والحكومة المركزية للعراق في حربهم ضد تنظيم داعش، وسيتمكنون من تدمير سيطرة التنظيم على الأرض، لكن محو أيديولوجية الخلافة – وهي معركة صعبة مازال علينا خوضها – هو ما سيخط بحق نهاية التنظيم الإرهابي.

Read in English

منى العلمي

باحثة غير مقيمة في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط