اليمن: أي أحلام؟

اليمن: أي أحلام؟

اشترك في نشرتنا 

منذ عام 2007، حين كنت نائب رئيس البعثة في سفارة الولايات المتحدة باليمن (2004-2007)، كنت أشجع الحكومة المركزية أن تنظر بعناية إلى الشكاوى المشروعة، حتى تمنع الحرب المستمرة في الشمال، وتحول دون احتمالية انفصال جنوب اليمن. في ذلك الوقت كان الرئيس السابق على عبد الله صالح يمنع الدبلوماسيين الأجانب من زيارة منطقة صعدة في الشمال، بزعم أن الأوضاع الأمنية هناك تشكل خطورة على الزائرين. إلا أنني قمت مع زملائي بزيارة الجنوب مراراً.

وخلال كل زيارة، كنت أستمع إلى شكاوى الجنوب. وكانت معظم الشكاوى تتمركز حول شعور سائد بعدم احترام الحكومة المركزية للجنوب: عدد قليل من الجنوبيين يتم تعيينه في المواقع الحكومية، وتمثيل هامشي للجنوب في الجيش والمؤسسات الأمنية، واستغلال للموارد الجنوبية بشكل غير عادل دون مردود يذكر على أهالي الجنوب. ويتحدث الجنوبيون عن تحليهم بثقافة مختلفة عن سائر اليمن: أكثر علمانية وأكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر قدرة على الاندماج في العالم الحديث. وفي هذا السياق، ينظرون إلى الجنوب باعتباره “جنوب الجزيرة العربية”، أكثر من كونه جنوب اليمن. بالرغم من ذلك، لا ينسلخ أي من الجنوبيين عن هويته اليمنية تماماً. وبالمثل، كان الشماليون يشعرون أنه فرض عليهم حكومة مركزية متحالفة مع السعودية والسلفية الوهابية، وأنه تم تهميشهم خلال مفاوضات ترسيم الحدود مع الجارة الشمالية في يونيو/حزيران 2000، وتم تجاوزهم في الاتفاق على ترتيبات الترسيم. وبغض النظر عن الخلافات الطائفية، يحلم البعض بالإمامة المفقودة؛ تحديداً الحوثيين، وآخرين في الشمال، اللذين يشعرون أنهم الأولى بتمثيل اليمن.

وحكمت العاصمة صنعاء حكومة فاسدة، وجسد حزب المؤتمر الوطني الحاكم نظام المحسوبية للرئيس صالح (مبادلة الولاءات بالبضائع والخدمات والمال). كان الحكم الرشيد فكرة متأخرة. وكانت نفس المشكلة التي تضرب كل نظام استبدادي في المنطقة تضرب اليمن.  فالأنظمة الاستبدادية – سواء كانت قائمة على الانتماءات العرقية أو الدينية أو القبلية – كثيراً ما تنتهك حقوق الأقليات، حتى تصل هذه الاقليات إلى درجة التمرد عندما تتاح لها الفرصة. مثل ذلك التوجه نادرا ما ينتهي نهاية جيدة في الشرق الأوسط. فسواء كنا نتحدث عن الأكراد في سوريا، أو الأكراد في العراق، أو الحوثيين في اليمن، أو الجنوبيين في اليمن، الكل يقع في نفس الفخ. فالحوثيون يحلمون بالسيطرة والحكم الذاتي، مدفوعين بحالة فراغ القوة، وبتشجيع من إيران. بالمثل، الجنوبيين في اليمن يرون نفس الفرصة سانحة، مدفوعين بمساندة التحالف العربي-خصوصا الإمارات العربية المتحدة.

ففراغ القوة الذي خلفه رحيل صالح أغرى الحوثيين بالاستيلاء على صنعاء، وأيضا أغرى الحراك الجنوبي للتحرك ضد صنعاء. إلا أن الفراغ الذي أغواهم أسفر عن مزيد من الفوضى، وأدى للتدخل الإقليمي-ما جعل تحقيق أهدافهم أكثر صعوبة. ففرصة الحوثيين في حكم اليمن تكاد تكون منعدمة، بينما يصارع الجنوبيين من أجل موازنة صراعاتهم الداخلية، ومصالحهم المتضاربة مع السعودية والإمارات.

ويمكن للحوثيين أن يدافعوا عن إقليمهم (وعلى الأرجح عن صنعاء نفسها) لوقت طويل قادم. إلا أنهم، بالرغم من بعض الدعم العسكري والمالي من إيران، لا يمتلكون النضج السياسي والمهارة لتوحيد وحكم اليمن.  فقلة الخبرة وعدم الكفاءة الكلية في الحكم ستحول دون النظر إليهم كخيار جاذب من قبل غالبية اليمنيين، بما في ذلك داخل إقليمهم ذاته. أما بالنسبة للجنوبيين، فحاول المجلس الانتقالي الجنوبي أن يحشد السخط الجنوبي، ويوحد المجتمع السياسي المنقسم في الجنوب. إلا أن المجلس وقف عاجزا عن توحيد فصائل الحراك المختلفة نفسها، والتي تولت في المقام الأول المناداة بانفصال الجنوب. فمحاولة دمج “حزام الأمن”، و”قوات النخبة” (المدعومتين من الإمارات)، والقوات القبلية من ضالع، ولحج، وجوف، ومأرب، وحضر موت (المدعومة من السعودية)، هي محاولة دمج قابلة للاشتعال، ومن غير الممكن إدارة هذا الخليط من القوات والولاءات. كما أن مقاتلي تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والدولة الإسلامية (داعش)، فضلا عن قوات المرتزقة الأخرى يغيرون ولاءاتهم باستمرار، بشكل يعرقل محاولات السيطرة المركزية ميدانياً من قبل الأطراف الداعمة لهم.

ويبقى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي طرف هامشي، معتمداً على ما يُسمى غطاء الشرعية مصدرا وحيداً لأهمية (طالما ظل عرابيه الإقليميين والدوليين يمنحونه إيماءة الموافقة). وكان تحالف عائلة صالح مع الحوثيين غربياً بما يكفي، (في ضوء تاريخ الطرفين الحافل بالعداوة والعنف)، إلا أن إعادة التموضع بالتحالف مع هادي ونائب الرئيس الجنرال على محسن أكثر غرابة اليوم، في ضوء محاولة الرئيس السابق اغتيال محسن، كي يؤمن صعود ابنه إلى سدة الحكم.

لم يعد الرئيس هادي قادراً (وربما لم يكن قادرا في أي وقت) على توحيد وقيادة البلاد. وفي غياب شخصية كاريزمية قادرة على إلهام وتوحيد الجماهير، لا يوجد خيار أمام الفصائل المتحاربة سوى تشكيل حكومة مؤقتة تمنع انهيار البلاد. إن تقاسم الغنائم والأحلام العريضة المتفاوتة يجب أن تُنَحى جانباً، قبل أن يفنى اليمنيون اللذين يطمع هؤلاء في حكمهم. وينبغي على القوى الإقليمية تسهيل اتفاق محلي للسلام، أو على الأقل النأي بأنفسهم عن عرقلة مثل هذا الاتفاق. ومن شأن إتباع نفس المسار المدمر أن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب، وزيادة كلفتها السياسية والمالية، التي سيدفعها المزيد من اليمنيين.

إن الشباب اللذين بدأوا انتفاضة عام 2011، وكشفوا فساد الحكومة المركزية، لا يكادون يجدون مكاناً في بلدهم بسبب الفوضى التي تلتهمها. وقد قام هؤلاء بنقل ناشطيتهم إلى خارج البلاد، محاولين إطلاع العالم على ما يمكن أن يفعله اليمنيين في المجتمع المدني وفي الصحافة وفي بناء المنظمات. آوان هؤلاء لم يأت بعد، لكن من يعلم أي الأحلام يمكن أن تتحقق، وأي اتجاه يمكن أن تسلكه البلاد حين تضع الحرب أوزارها، ويشرع الحكم الرشيد في البحث عن أبطال لقيادة المسار.

اشترك في نشرتنا English

نبيل خوري

كبير باحثين غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط. بعد خمسة وعشرين عاما في خدمة الخارجية الأمريكية، تقاعد خوري في عام 2013، على درجة وزير مفوض. وخدم خوري كنائب رئيس بعثة في السفارة الأمريكية باليمن بين 2004-2007.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة