ماذا تعني المظاهرات المتجددة في العراق؟

ماذا تعني المظاهرات المتجددة في العراق؟

اشترك في نشرتنا

أعادت الاضطرابات المدنية تركيزها على حيدر العبادي وحزب الدعوة الإسلامي. تشير المظاهرات الجارية هذا الشهر في جنوب مدينة البصرة إلى مشكلة تواجهها الحكومة الفيدرالية العراقية وتنذر بنهاية وجود العبادي في منصب رئيس الوزراء، في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحصول على فترة ثانية.

لشهور، ظل المتظاهرون في شوارع البصرة غاضبين من نقص المساعدات الحكومية للبينة التحتية المتهالكة في المحافظة والفقر والشئون العامة. مؤخراً، أشعل المتظاهرون النار في غالبية المباني الفيدرالية والمحلية في داخل حدود المحافظة. كما قاموا بإحراق مكاتب الأحزاب السياسية ومقرات المليشيات شبه العسكرية الموالية لإيران، مثل حزب الدعوة ومحطة تلفزيون العراقية وميليشيا أصحاب الحق وحركة الحكمة ومنظمة بدر وكتائب الإمام علي وحزب الله. وكانت هناك تقارير تشير إلى إطلاق صواريخ في اتجاه البعثة الدبلوماسية الأمريكية وحصار طريق الوصول إلى الميناء البحري للمياه العميقة الوحيد في العراق، ميناء أم قصر. كما قام بعض المتظاهرين باقتحام مقر مبنى غرب القرنة لمعالجة المياه واحتجزوا إثنين من الموظفين كرهائن، وطالبوا بإصلاح نظام تنقية المياه في البصرة. العشرات من سكان البصرة اقتحموا مقر القنصلية الإيرانية احتجاجاً على تأثير إيران على الشئون العراقية، وقاموا بإزالة علم الجمهورية الإسلامية واستبدلوه بالعلم العراقي الوطني، وقاموا بتمزيق صور لـ آية الله الخميني وهتفوا “إيران بره بره” في الوقت الذي كانوا يشعلون فيه النار في المجمع الدبلوماسي.       

إن طبيعة هذه التظاهرات ليست بالضرورة جديدة على الساحة العراقية كما أشارت أندريا تايلور في مقالها الشهر الماضي لمدونة الشرق الأوسط. إن المظاهرات هي سمة شائعة في المحافظة الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وهى منطقة تم إهمالها تاريخياً من جانب بغداد. على الرغم من ذلك، فإن مظاهرات شهر سبتمبر/أيلول مختلفة. العراقيين من المناطق الجنوبية لا يعبرون عن مجرد احباطهم من الحكومة العراقية الفيدرالية واهمال البنية التحية، ولكنهم أيضاً يعبرون عن غضبهم تجاه راس الدولة العراقية والمصالح السياسية المرتبطة به.

إن البصرة هي مقر لأكثر من 80% من مخرجات النفط الوطني العراقي وتنتج 4% من الإنتاج العالمي للنفط الخام، كما أنها مكان لجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية. إن الثروة التي يتم انتاجها في قطاع النفط في البصرة تناقض بشدة الوقائع التي يواجهها سكان المدينة. يعاني سكان البصرة من نظام تنقية للمياه متدهور ونقص الكهرباء، كما ان معدل البطالة تعدي نسبة 10.8%

بموقعها الاستراتيجي الواقع على نهر دجلة والفرات، عرفت البصرة تاريخياً بنظمها المعقدة لقنوات وجداول المياه، وهى مسارات مائية مليئة بالنفايات ومياه الصرف الصحي نتيجة للبنية التحتية المتدهورة. تم اكتشاف أن مصدر المياه الوحيد في المدينة، نهر شط العرب، يعاني من مستويات ملوحة مرتفعة، وتم تسجيل وصول التلوث الكيميائي فيه إلى 100% و50% تلوث بكتيري. تظل منشآت ومحطات معالجة المياه غير عاملة نتيجة لنقص الصيانة، تلك المنشآت البالغ عمرها ثلاثون عاماً في انتظار عمليات تجديد. امدادات الكهرباء سجلت نقص قدره 40% من مستوى الطلب في العراق، وهذا أجبر رئيس الوزراء العراقي على إقالة وزير الكهرباء قاسم الفهداوي في أغسطس/آب. أعلن المفوض الأعلى للحقوق الانسان أن مواطني البصرة دائما ما لجأوا لاستخدام مولدات قديمة من أجل البقاء في جو بارد، وإعادة ملئ صهاريج السيارات، التي تستخدم عادة في نقل النفط الخام وغيره من المواد البترولية، من أجل الحصول على المياه.           

في هذا الصيف، وصلت درجات الحرارة لما يقارب الـ 120 فهرنهايت في البصرة، تاركة ما يقرب من 18 ألف من مواطني البصرة يبحثون عن المياه النظيفة وتكييف الهواء. منذ 12 أغسطس/آب، استقبلت مستشفيات المدينة، مثل مستشفى أبي الخصيب، ما يقارب من 400 مريض في اليوم، وكانت هناك تحديات أمام معالجة حتى 15% من حالات المرضى، تاركة العديد من المرضى يهلكون في غرفة الانتظار.   

شبكة العبادي المعقدة

في الثامن من سبتمبر/أيلول قامت مجموعة من قوات الأمن العراقية الملثمة بالدخول إلى البصرة في عربات مصفحة، وقاموا بعمل سلسلة من نقاط التفتيش على طرق المحافظة على امتداد المحافظة. عاد الهدوء مرة أخرى للبصرة، ولكن رئيس الوزراء العبادي ما يزال يواجه مقاومة جادة لجهوده لاستعادة ثقة العراقيين في المحافظات الجنوبية واسترضاء خصومه السياسيين الذين يلوحون في الأفق. 

في ظل استمرار معاناته من الانتخابات البرلمانية التي عقدت في شهر مايو/أيار من العام الجاري، فإن مهمة العبادي المبدئية كانت بناء تحالف حكومي بين حزبه، حزب الدعوة وتحالف سائرون الانتخابي، الذي يقوده رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر. في حين أن هذه العملية يجب أن تستمر لأقل من ثلاثة شهور طبقا للدستور، فإن الأحزاب انخرطت في مفاوضات مضنية وأعاقت التشكيل الرسمي للحكومة الجديدة.

على الرغم من أن العبادي وعد سكان البصرة بحوالي ثلاثة مليارات دولار كحزمة استثمارات في البنية التحتية في المحافظة بعد سلسلة المظاهرات في يوليو/تموز، إلا أن هذه الحزمة لم يتم ترجمتها إلى واقع. العديد من العراقيين الجنوبيين أرجعوا هذا الأمر إلى فساد المسئولين الفيدراليين الذين يعطوا الوظائف الهامة لحلفائهم السياسيين بدلاً من التكنوقراط ذوي الخبرة والسكان المحليين. وعلى الرغم من ذلك، بدأ العديدين انتقاد العبادي وحزب الدعوة ذاته. العديد من منافسي العبادي السياسيين – الجدد والقدامى – بدأوا في حشد الدعم من اجل رحيله كرئيس وزراء.

بعد اضطرابات البصرة بفترة قصيرة، كتب الصدر تغريدة يطالب فيها العبادي بتنفيذ وعده فيما يتعلق بالاستثمارات التي وعد بها ويضعها في “أيدي نظيفة” وأن يكون “واعياً بالفرق بين الرضا عن النفس والإهمال”. دعى الصدر إلى اجتماع طارئ بين حزب الدعوة وائتلاف سائرون، حيث قرر القادة إرسال وفد تحقيق إلى البصرة وعزل قادة غرفة العمليات والشرطة في البصرة، وليس إعطاء مساعدات اقتصادية. طالب اثنين من كبار الأغلبية البرلمانية الذين فازوا في الانتخابات، ائتلاف سائرون وتحالف الفتح، العبادي بالاستقالة. حتى أن واحداً من أبرز علماء الدين الشيعة العراقي، آية الله السيستاني، والذي من النادر يتدخل في الشئون السياسية، طالب بقيادة سياسية جديدة.

سياسات غير مقصودة

تعكس اضطرابات سبتمبر/أيلول في البصرة ضعف قيادة العبادي وخطورة موقف ائتلاف العبادي-الصدر. بدأ رئيس الوزراء سلسة من عزل كبار المسئولين وأنشأ مجموعة عمل للتحقيق في البصرة، ولكن هذا الموقف أبعد ما يكون عن الأمان.

احتمالات رحيل رئيس الوزراء يعني العديد من الأشياء لعلاقات العراق الخارجية وموقعه في النظام الإقليمي. تتضمن أجندة سياسة العبادي الخارجية علاقات قوية مع الولايات المتحدة الامريكية، وقام بالتنسيق القوي من أجل مواجهة تنظيم داعش في ظل الاتفاقية الاطارية الاستراتيجية. وهناك تقارير متعلقة بزيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص لمواجهة تنظيم داعش من أجل حشد مزيد من الدعم لرئيس الوزراء في سياق هذ المظاهرات. في حين أن المنافسين السياسيين لـ العبادي، قائد ائتلاف سائرون، مقتدى الصدر وتحالف الفتح ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي يميلون أكثر للشراكة العراقية-الإيرانية التي كانت في الماضي. وفي حين أن العديد من المتظاهرين في البصرة اتخذوا مواقفاُ مضاداً للوجود الإيراني، وكانت هناك أيضا تقارير ادعت أن إيران دعمت متظاهرين للهجوم على المنشآت الدبلوماسية الامريكية، وهو ما يعكس طيف معقد من الانقسامات السياسية بين العراقيين في الجنوب.       

أعلن مقتدى الصدر أن حزبه لم يعد داعماً لـ العبادى كمرشح لرئاسة الوزراء، الأمر الذي يعني تراجع التأثير الأمريكي على الساحة العراقية. على الرغم من المقاومة الواضحة للعراقيين في الجنوب للنفوذ الإيراني، فإن إزاحة العبادي بواسطة التيار الصدري وتحالف الفتح يمكن أن تفتح الأبواب لمزيد من النفوذ الإيراني، الأمر الذي يعني زيادة وجود القوات الشيعية شبه العسكرية في السياسات المحلية العراقية، ما يعني إزاحة النفوذ الأمريكي في الإقليم، وفتح الطريق لانقسام سياسي أكبر بين المواطنين العراقيين. إن العبادي يفقد بسرعة تأثيره على المشهد العراقي السياسي. تراجع الدعم لرئيس الوزراء بين كبار المسئولين في بغداد والعراقيين يرسم صورة غامضة وخطيرة لمستقبل الحكم في العراق.   

اشترك في نشرتنا English

كارولين روز

طالبة ماجستير في جامعة لندن للاقتصاد. وهى محللة سياسية لسياسات الشام والأمن والدولي.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.