أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

اشترك في نشرتنا

في مقالة تم نشرها العام الماضي، قمت بإلقاء الضوء على العلاقة بين المياه والصراع في اليمن وسوريا، دولتان يؤدي فيها النقص الشديد للمياه إلى تمكن الفاعلين في الصراع من التأثير على مصدر طبيعي شديد الأهمية، واستخدامه كسلاح في الصراع المسلح لإلحاق ضرر كبير بملايين المدنيين.

بعد مرور عام، يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف. على الرغم من ذلك، فإنه من الواضح لكلا الطرفين أن الصراع من أجل الوصول للمياه والسيطرة عليها يظل أمرأ استراتيجياً، في ظل تأثيره الكبير على معاناة المدنيين.

استراتيجية الحصار

إن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة والامارات العربية المتحدة من أجل إزاحة الحوثيين من السيطرة على اليمن مستمرة للعام الثالث. أحد مظاهر هذه الحملة البارزة حتى الآن يتم في مدينة الحُديدة الواقعة على البحر الأحمر. العملية التي يقودها التحالف السعودي-الاماراتي، والمعروفة بالنصر الذهبي، تهدف للسيطرة على المدينة المكتظة بالسكان، والتي تعتبر أحد معاقل الحوثيين القوية، ومن ثم طرد الحوثيين خارج المدينة، والتي تعتبر الميناء الوحيد الواقع تحت سيطرتهم. إن الأهمية الاستراتيجية لمدينة الحُديدة تنبع من ارتباطها بخطوط الملاحة الدولية مثل قناة السويس، ومن قربها النسبي من الأراضي الخصبة في منطقة تهامة في اليمن وميناء رأس عيسى لتصدير النفط.

تصاعدت وتيرة الهجمات الجوية والأرضية خلال عام 2018، ووصلت إلى ذروتها في شهر يونيو/حزيران، حينما أثر القتال على عملية المرور الرئيسية في المدينة الشمالية. وأدى إلى إغلاق الطريق الحيوي الوحيد لنقل البضائع الكبيرة من الحُدية إلى باقي الدولة. يعتبر ميناء الحُديدة بمثابة نقطة مركزية من خلالها يتم استيراد ما يقرب من 70% من الامدادات التجارية والإنسانية في اليمن، يشمل ذلك الطعام والمياه والأدوية للمدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الحوثين.

إن تحويل المياه إلى سلاح من خلال عمليات الحصار هو أسلوب يستخدمه كلا الطرفين في محاولة لدعم ميزتهم النسبية. قامت قوات الحوثيين بتبني هذا الأسلوب من أجل تقييد الوصول في سياق معركة السيطرة على تعز، وهو أمر قيّد بشدة من قدرة منظمات الإغاثة على إيصال المساعدات للمدنيين الذين هم في حاجة شديدة.

في حين أن التحالف السعودي-الاماراتي قد أعلن مؤخراً وقف الأعمال العدائية في الحُديدة بناءً على طلب الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة، يظل الخوف من أن تجدد الهجوم الشامل على المدينة قد يؤدي إلى إعلان الأمم المتحدة عن مجاعة كبيرة هناك.

تدمير البينة التحتية للمياه وانتشار وباء الكوليرا

على الرغم من عدم التصعيد المؤقت للأزمة الإنسانية في الحُديدة، فإن الموقف بالنسبة للمدنيين اليمنيين على امتداد الدولة يظل في غاية السوء. فبعد ثلاثة أعوام من القصف الجوي والحملات العسكرية الأرضية، أدى تدمير البينة التحتية للمياه والصرف الصحي في اليمن إلى واحدة من أسوأ الأوبئة الصحية التي شهدتها الدولة. نقص امدادات الوقود لشركات المياه المحلية أدى إلى ارتفاع تكلفة عملية نقل المياه -المصدر الرئيسي للمياه للكثير من السكان، الأمر الذي ترك ما يقرب من 19.3 مليون يمني دون الحصول على مياه نظيفة وصرف صحي. أدت نقص مدادات الوقود أيضاً إلى إعاقة قدرة منشآت معالجة المياه في الدولة على معالجة المياه بشكل مناسب، مما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الصحية التي شهدتها البلاد على مدار تاريخها. 

مع فشل عمليات الصرف الصحي، ينتشر وباء الكوليرا بصورة كبيرة. في حين أن الكوليرا كانت وباءً في اليمن من قبل بداية الصراع الحالي، فإن معدل الإصابة بها قد ارتفع بصورة كبيرة فيما بين عامي 2015-2017 بعد تدمير البينة التحتية الحيوية للمياه، ما أدى إلى اعتماد السكان على مصادر غير آمنة لمياه الشرب. على الرغم من النقص الملحوظ للحالات المصابة بالكوليرا في عام 2017، قالت الأمم المتحدة أنها قلقة من احتمال وقوع موجة ثالثة من الوباء. في أكتوبر/تشرين الأول 2018، أعلنت وزارة الصحة اليمنية أن العدد الإجمالي للمشتبه في اصابتهم بوباء الكوليرا من أبريل/نيسان 2017 حتى سبتمبر/أيلول 2018 كان 1207596، مع وجود 2510 حالة وفاة.

بالنسبة لليمنيين المصابين بالكوليرا، فإن عدم وجود الصرف الصحي مسئول بصورة جزئية عن انتشار الوباء. نقص القدرة على الوصول للخدمات الصحية يعقد من تأثير الوباء. في عام 2017، كان تقدير عدد المدنيين الذين ليس لديهم قدرة على الوصول حتى للخدمات الصحية الأساسية 17 مليون نسمة. في أغسطس/أب، أدت الهجمات الجوية إلى تدمير كبير لمستشفى الثورة في الحُديدة، هذه المستشفى كانت منشأة حيوية لعلاج الكوليرا. بعد وقوع الهجوم، تم الإعلان عن أن معدل الإصابة بالكوليرا قد زاد بمقدار الثلث.

اليوم ونتيجة للصراع تظل فقط حوالي 45% من المنشآت الصحية في اليمن عاملة. وعلى الرغم من جهود المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وغيرهما من منظمات الإغاثة، فإن هذا الواقع قد ترك العديد من اليمنيين غير قادرين على الحصول على العلاج، وعرضة للإصابة بالأمراض الناتجة عن عدم وجود مياه صالحة للشرب وأزمات صحية عامة.

سوء إدارة المياه والجفاف

في حين أن الصراع الحالي قد زاد، بصورة كبيرة، من ندرة المياه في اليمن، تعتبر اليمن واحدة من أكثر دول العالم التي تعاني من أزمة في المياه حتى من قبل الحرب، حيث كانت المياه تصل فقط لنصف السكان في المناطق الحضرية، وحوالي 40% فقط من السكان في المناطق الريفية.

انخفضت إمدادات المياه الأرضية بصورة كبيرة على امتداد الدولة في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء. قدر البنك الدولي أن مستويات المياه الأرضية قد انخفض بمقدار ستة أمتار سنوياً في الأقاليم المزدحمة والجبلية خارج مدن صنعاء وتعز وذمار وعمران وصعدة، قبل اندلاع الصراع، قامت الحكومة بتطبيق سياسات تشجع بصورة حثيثة على نفاذ إمدادات المياه الأرضية الموجودة، شمل ذلك تقديم الدعم لإمدادات الديزل وتمويل عمليات الري السطحي وزراعة المحاصيل كثيفة الاستخدام للمياه مثل القات. ونتيجة لهذه السياسات أضحت عمليات الري واستخدام المياه الأرضية رخيصة للغاية، مما أدى إلى تراجع الامدادات الموجودة بالفعل. بالإضافة إلى ذلك، أدى نقص التخطيط المركزي واهمال البنية التحتية -من الانابيب إلى السدود الغير مبينة بصورة مناسبة- إلى مزيد من خسارة المياه، وتسببت في تلوث المياه الأرضية في العديد من المناطق واختلاطها بمياه الصرف.  

مع اندلاع الصراع، حتى الأقاليم المعروفة بالمساحات الخضراء الكبيرة والتربة الخصبة أصبحت تعاني. شهدت مدينة اب على سبيل المثال، والتي تعتبر من أكثر المناطق اليمنية خصوبة، موجات واسعة من النزوح الداخلي وندرة الموارد، ما أدى تدهور التربة. عدم القدرة على زراعة المحاصيل لم يؤدي فقط إلى أزمة إنسانية يواجهها سكان اليمن، ولكن أثر أيضاً على المستقبل الاقتصادي للدولة.    

في صعدة، وهى منطقة يسيطر عليها الحوثيين، انخفضت صادرات الرومان، الذي كان يعتبر المورد الأساسي في المنطقة، بمقدار الثلث منذ عام 2015. يعود هذا الأمر إلى ارتبفع تكلفة زراعته وتكلفة الوقود لنقله. وفي حين أن هذا الأمر يعود بصورة جزئية إلى سوء إدارة موارد المياه وتأثيرات التغيير المناخي في اليمن على الأراضي الصالحة للزراعة، فإن تأثير الصراع، خاصة على طرق التجارة والبنية التحتية للمياه، قد قيد من قدرة المزارعين على نقل وتصدير المحاصيل الزراعية. هذا التدهور الكبير في قطاع الزراعة اليمني ما هو إلا مثال على الأزمة الكبيرة في المياه في اليمن، والتي تضاعفت تأثيراتها بسبب الصراع، وأثرت بصورة سلبية كبيرة على اقتصاد الدولة.

الخلاصة

في حين أن الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الإنسانية قد كرروا تحذيراتهم بشأن أزمة المياه في اليمن، ودورها في مضاعفة تأثيرات الصراع في اليمن، وطالبوا كلا الطرفين بالتوقف عن استهداف الامدادات الإنسانية، بما فيها المياه، فإن هذه المطالبات المتفرقة وغير المستمرة لم يتم الاستجابة لها بصورة ذات مغزى من المجتمع الدولي. بعد ثلاثة أعوام من القتال الدامي، فإن ندرة المياه قد زادت من رسوخ الفاعلين في الصراع اليمني، وعمقت ما يمكن اعتباره حرب استنزاف. في الوقت نفسه، فإن التأثيرات المستدامة للصراع -من موجات النزوح الجمعي للمدنيين إلى تدمير البنية التحتية- يضاعف من تأثيرات أزمة المياه.

وفي ظل غياب علاج للصراع في المدى المنظور، فإن أزمة المياه في اليمن وتداخلها مع الصراع هناك سوف يستمر في دفع الدولة نحو انهيار في الجانب الإنساني. إن وضع المياه في اليمن قد لا يكون أمرا خاصاً هناك، ومن الممكن أن يكون مشابها للحال في الدول التي تعاني ندرة مماثلة في المياه في الإقليم. إن مخرجات الصراع، والطرق التي تستمر فيها أزمة المياه في تشكيل الصراع هناك قد يكون نذير للدول التي لا توجد فيها إجراءات حماية مناسبة من أجل ضمان وصول متساوٍ واستخدام أمثل لهذا المورد الثمين. 

اشترك في نشرتنا English

مارجريت سوتر

حاصلة على ماجستير من الجامعة الأمريكية، ويركز عملها التنمية الدولية والمجتمع المدني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

شاهد أيضاً

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.

إعادة الاستقرار في الرقة: تأهيل قطاع الكهرباء

كان للمعارك التي شهدتها محافظة الرقة السورية، معقل تنظيم داعش الرئيسي في سوريا، مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من قبل التحالف الدولي، آثار سلبية كبيرة على البنى التحتية في عموم المحافظة، والتي انعكست على الوضع المعيشي لسكان الرقة، حيث قدرت نسبة الدمار بنحو 80٪ من مجموع المباني والبنى التحتية في المحافظة بحسب بعثة الأمم المتحدة.