رغم الهدنة الحرب على متمردي سوريا ما تزال مستمرة

رجل يمشي وسط أنقاض مبنى في منطقة جوبر. صورة من رويترز.

فيصل عيتاني وحسام أبو زهر

مضى أسبوعان منذ بدء سريان اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي قادته الولايات المتحدة وروسيا. وقد تشكك كثير من المحليين بما فيهم كاتبا هذا المقال في مصير هذا الاتفاق لأسباب تتعلق بمحتوى نص الاتفاق، والمصالح التي يراها النظام لنفسه من وراءه. لقد توقع المشككون أن يقوم النظام باستغلال إحدى نصوص الاتفاق، التي تسمح باستمرار الهجمات على جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، كذريعة لاستمرار الحملة الجوية على الجماعات المعارضة غير الجهادية. غير أن هناك أدلة دامغة على أن ما يحدث هو أمر مغاير لذلك، فبالرغم من الانخفاض الكبير في المعدل العام للعنف، فإن قوات النظام تقصف بشكل مباشر – أو في بعض الأحيان تنفذ عمليات برية – مناطق رئيسية خاضعة لسيطرة الثوار، بدون بذل أي جهد للادعاء بأنها تستهدف جبهة النصرة. إن مثل هذا السلوك يؤشر لخطط النظام على المدى البعيد، كما يوضح تواضع التأثير الذي تملكه القوى الخارجية – بما فيها الولايات المتحدة – في تشكيل الوضع القائم الجديد في سوريا. 

أسست حركة “حملة سوريا” مرصداً لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا، وذلك لمتابعة العمليات العسكرية، ونشر الانتهاكات المزعومة الحادثة أثناء اتفاق وقف الأعمال العدائية، ويقوم المرصد بجمع البيانات من مختلف المصادر المحلية، بما فيها الدفاع المدني السوري والشبكة السورية لحقوق الإنسان، ولجان التنسيق المحلية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وبالرغم من أن المرصد يواجه كغيره أسئلة حول موثوقية تقاريره لطبيعة تغطيته مناطق حرب، إلا أن هذا المرصد يبدو الأفضل بين المصادر المفتوحة، من حيث مراقبة الاتفاق المذكور وخروقاته وتغطيته الجغرافية، والمعلومات التي يتييحها عن الأسلحة المستخدمة في هذه الخروقات، وعدد الضحايا وتحديد الأطراف التي قامت بالانتهاك، وما إذا تمكنوا من السيطرة على الأرض.

بحلول التاسع من مارس/آذار قال مرصد مراقبة وقف إطلاق النار السوري إن 111 خرقاً قد وقعت، وأن معظمها من جانب قوات النظام أو القوات الروسية، وقد استهدفت الهجمات في معظمها مناطق للثوار في حمص وحماة وإدلب واللاذقية وحلب ودمشق ودرعا، أما الضربات الجوية والعمليات البرية في إدلب فغالباً ما استهدفت جبهة النصرة، إلا أن النظام وروسيا قد هاجموا أيضاً مناطق للمعارضة ليس فيها تواجد يذكر لجبهة النصرة. وقد تمثلت أوضح الأمثلة على ذلك في الهجمات التي سعت لتطويق جيوب المعارضة في مناطق جنوب حماة وشمال حمص، وتتوسط مناطق الثوار هذه – بما فيها مدن مثل الرستان والحولة – الطريق السريع الحيوي M5، والذي يربط المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام في مدينتي حمص وحماة. ولم تتوقف روسيا وقوات النظام منذ بدء وقف إطلاق النار عن محاولة كسر مناطق تمركز الثوار، حتى يتسنى لها التخلص من مواقع يمكن للمعارضة استخدامها، لشن هجمات ضد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، ولهذا الغرض فقد هاجمت روسيا وقوات النظام مدينة حربنفسة في محافظة حماة عشر مرات على الأقل، عن طريق شن حوالي 100 ضربة جوية وثلاثة هجمات برية لإسقاط المدينة. وطبقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان ومجموعات الدفاع المدني المحلية فإن جبهة النصرة ليس لها تواجد في حربنفسة، مما يدعم استنتاج الكاتبين حول ماهية جماعات الثوار الموجودة هناك. إن من شأن هذا أن يجعل عمليات قوات النظام المذكورة بمثابة انتهاكات صريحة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، بما يتعدى القصف المتقطع إلى الهجوم البري. 

تتركز خروقات النظام لاتفاق وقف إطلاق النار في شمال سوريا، وإن امتدت لمناطق أخرى، حيث تشير معلومات إلى خروقات للنظام في درعا جنوب سوريا، إضافة إلى منطقة ريف دمشق الحيوية والخاضعة لسيطرة الثوار. تتمثل الخروقات في صور القصف والقنص، إضافة إلى ما يبدو أنه هجمات برية منتظمة وإن كانت محدودة للنظام على جيش الإسلام، وهي جماعة إسلامية مركزها دمشق، هي أيضاً أحد أطراف وقف إطلاق النار. ومع هذا فإن معظم الضربات الجوية كانت مركزة بشكل كبير على الشمال السوري. غالباً ما أخذت الخروقات في الجنوب شكل القصف المدفعي والقتال بالأسلحة الخفيفة، بما يعكس تركيز النظام على الشمال، واعترافه بأن من الأصعب على المجتمع الدولي إثبات الخروقات في الجنوب.

تساعد هذه الخروقات في توضيح كل من استراتيجية النظام ومسار مفاوضات السلام، فبينما يحتمل وجود قتال متقطع خلال أي وقف لإطلاق النار، فإن حجم وتكرار وشكل الانتهاكات لوقف إطلاق النار في سوريا تكشف استمرار الحرب هناك. إن النظام وحلفائه يحاربون لتشكيل جغرافيا الصراع، لتحقيق بعض أو جميع الأهداف التالية: أولاً قد يسعى النظام إلى تحقيق نفوذ أكبر للتفاوض (أو عدم التفاوض) من موقع قوة في محادثات السلام القادمة. ثانيا قد يسعى النظام إلى حرمان الثوار من استخدام المناطق الحيوية في قلب مناطق النظام، كورقة تفاوض في المحادثات. ثالثاً قد يفترض النظام أو يخطط ببساطة أنه لن تكون هناك مفاوضات ذات جدوى على أية حال، وإذا كان الحال كذلك فإن النظام يحاول فقط تأمين حدود وتكامل خطوط إمداد للنظام، يكون مركزها دمشق وشمال غرب سوريا، والتي قد تتماشى مع رغبة روسيا لشكل الدولة النهائي في سوريا. 

وأخيراً فإن الخروقات توضح عدم قدرة المجتمع الدولي على إنفاذ وقف إطلاق النار، أو فرض عقوبات مجدية ضد الانتهاكات الواضحة من جانب تحالف النظام. وكتجسيد لهذه الخروقات الصارخة، فقد أفاد سكان مدينة دوما التي تقع تحت سيطرة جيش الإسلام بأن سلاح الجو السوري قد أسقط عليهم منشورات كتب عليها “هناك جماعات مسلحة في مناطقكم بما فيهم رجال أجانب يمكن أن يكونوا قد جلبوا القتل والدمار والمآسي إليكم، وسوف يستمر الجيش العربي السوري في القتال ضد كل من تسببوا في هذا الدمار حتى مغادرتهم مناطقكم.” إن هذا بمثابة اعتراف مفتوح بنية النظام باستمرار مقاتلة أحد أطراف اتفاق وقف أطلاق النار، وعلى ما يبدو فإن الداعمين الأجانب للمعارضة لم يقوموا بالاستجابة.

إنه لا مفر من انتهاكات لوقف إطلاق النار في بلد يفيض بانتشار السلاح ومئات الجماعات المقاتلة، ومع ذلك فإن ما يحدث في سوريا هو في الحقيقة استمرار بدرجة أقل للحرب نفسها ولسماتها التي سادت، بما في ذلك الفجوة في القدرات العسكرية والدعم الدولي بين النظام والمعارضة. إن هذا ليس أساساً للتفاوض حول تسوية يمكن أن تصمد، وإنما هو تمهيد لطريق ينتهي إما بانتصار النظام أو ربما تجزئة سوريا واقعياً، وهو ما يبدو أكثر احتمالاً، وهو وضع سيحرص فيه النظام وحلفاؤه على اقتناص ما يهمهم ويتركون الباقي لوقت لاحق.

Read it in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.