أصوات الحقيقة: الصحفيون في الغوطة الشرقية

نخصص هذه المقالة لأربع صحفيين نزروا حياتهم مع بداية الثورة ليكونوا صوت وعين الحقيقة، لوصف الوضع الذي يعمل الصحفيون فيه في البلد الذي يعتبر “الأخطر على الصحفيين” في العالم حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود.

هادي المنجد

العمر: 30 عاماً

مسقط الرأس: قرية دير العصافير بريف دمشق

مع بداية 2009 قررت السفر إلى ليبيا للعمل في إحدى الشركات، وبعد انطلاق الأحداث في ليبيا، قررت العودة من جديد إلى بلدتي، ومساعدة السوريين العالقين في بنغازي عبر تأمين رحلات بحرية إلى سوريا، وبعد عدة أشهر انطلقت الثورة السورية، وكنت من أوائل الأشخاص الذين انتفضوا ضد النظام.

وخلال مشاركتي في اعتصام دوما، تعرّضتُ لإطلاق نار في يدِي، وليتم نقلي إلى بلدتي دير العصافير، وهناك قام صديقي، والذي يعمل في صيدلية، بإخراج الطلقة من يدي، لأتفاجئ بعدها بيومين أن مخابرات الأسد تبحث عني، وتم اعتقالي وأَخْذي إلى فرع الأمن في مدينة جرمانا.

قامت المخابرات الجوية باعتقالي ثانيا في رمضان عام 2011، وتم اقتيادي إلى فرع المزة، وسجنت مدة 91 يوماً، وبعد خروجي قررت مساعدة الفصائل الثورية المشكلة حديثاً في المنطقة عبر تأمين المساعدات الطبية وإسعاف الجرحى.

الغوطة كانت بحاجة إلى إعلاميين ينقلون صورة المظاهرات، والإجرام الذي يرتكبه النظام وشبحيته، فقررت أنا وأصدقائي تشكيل تنسيقية دير العصافير، وبدأت بالخروج على وسائل الإعلام باسم أبو فؤاد الغوطاني، وبعدها بأيام اكتشف النظام أمري وقام بإحراق منزلي، الأمر الذي دفعني للمغادرة إلى الأردن خوفاً على حياة أسرتي، لكن حب الثورة، دفعني بعد أشهر للعودة مجددا إلى الغوطة الشرقية، ومواكبة انتصارات الثوار، وخرجت بالصوت والصورة على عدة قنوات عربية، لأكون شاهداً على انتصارات كتائب الثوار والمجازر التي يرتكبها النظام.

تعرضت لإصابة أثناء تغطيتي معارك العتيبة بالغوطة الشرقية، واستهدفتني الطائرات بالقنابل العنقودية، ما أدى إلى تعرضي لجروح بسيطة، كما قام نظام الأسد والطيران الروسي باستهداف مكتب أورينت، الذي أعمل فيه، ثلاث مرات على التوالي، حيث انكسرت قدمي، وتم تدمير معظم الأجهزة التي كانت بحوزتي.

لحظة استهداف قوات الأسد مدن الغوطة بالكيماوي هي من أسوء الذكريات في حياتي، حيث بدأت النقاط الطبية الطلب من الجميع المساعدة في نقل الشهداء، وعند وصولي لأحد النقاط الطبية لأصور هذه المجزرة، لم أكن أتوقع ولو لحظة أن أشاهد مئات الأطفال وقد توفوا خنقاً، في صورة جعلتني عاجزاً عن الحركة، وأنا أفكر ماذا أستطيع أن أفعل لإنقاذ هؤلاء الأطفال الذين ماتوا اختناقا جراء الغازات السامة؟

هذه الصورة لم ولن تُمحَ من ذاكرتي أبداً، ومن أصعب اللحظات عندما أشاهد جرحى ولا يوجد أطباء ومسعفين، عندها يموت الجريح نزفاً.

سوف أبقى أعمل بإصرار دائم، لإيصال معاناة المدنيين وإجرام الأسد بحقهم، حتى ولو كلفني الأمر حياتي.

وسيم الخطيب

العمر: 27 عاما

مسقط الراس: ريف دمشق

صوتي هو صوت كل مظلوم ومقهور عانى الكثير من الذل تحت حكم الأسد، ذاك الحكم الذي لم يكن يوماً إنسانياً، ولم يكن يتعامل مع الفرد على انه مواطن، من حقه أن يعبر ويبدي آراءه، والتعبير عما يؤلمه. حكم استبدادي ظالم حول سوريا إلى مزرعة يملكها هو وعائلته، وما نحن مع الأسف بنظره سوى قطيع من الأغنام، يسوقهم كما يحلو له.

أنا ناشط سلمي قلمي هو سلاحي، بعيني واكبت أخبار ريف دمشق لحظة بلحظة، عملت على نقل أحداث الثورة ضمن عدة شبكات ومواقع دولية لحقوق الانسان. رصدت أبرز الانتهاكات التي تعرضت ومازالت تتعرض له المدن السورية، خاصة ريف دمشق؛ حيث شهد أكبر مجزرة كيماوية، راح ضحيتها الاف الأبرياء بتاريخ 21 /8 /2012 وتلك من أهم ما وثقته. كما قمت بتوثيق العديد من المجازر المرعبة، التي ارتكبها النظام بمشاركة حزب الله وإيران والمرتزقة من أفغانستان والشيشان وميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية.

النظام دفع الثورة السورية لتكون ثورة مسلحة، لإقناع المجتمع الدولي بأنه يقاتل الإرهابيين، لكن الحقيقة أنه هو من صنع الإرهاب. تحولت الثورة من سلمية لثورة مسلحة، حين لم يكن أمام الثوار أي خيار أخر للدفاع عن أهاليهم وأرضهم، ما من خيار أخر أمام آلة الحرب، التي تفتك شعباً أعزل. نحن رفعنا علم ثورتنا، ولا نحتاج الى علم طائفي، خذلنا الجيش السوري، الذي كنا نقدم له الماء والورد، في حين قابلنا بالرشاش والمدفعية.

أخرج النظام إرهابيين كثر من سجون صيدنايا مع بداية الحراك الشعبي، أخرج من هم في الحقيقة مجرمون، لكنهم يدعون أنهم وطنيون، وخلال سنوات الثورة ساعدوا النظام بالتغطية على جرائمه، وهو ظل يظهرهم على أنهم من المعارضة.

نحن دولة مدنية عاشت بها كل الديانات والطوائف بحب، كنا جيران وانسباء، ولم تحدث بيننا أية مشاكل، لكن النظام هو من حولها الى طائفية بغيضة وإلى نزاع طائفي، بمساعدة إيران التي تريد تحقيق حلمها بإقامة الهلال الشيعي، على حساب شعوب المنطقة.

نحن متبرئون من أي فصيل يطالب بالحكم الإسلامي، حلمنا هو إقامة دولة مدنية لجميع الديانات والطوائف كما كانت سوريا دائما ولألاف السنين، نريد بلد لا وجود للإرهابيين من داعش وأمثالها فيه، بل لن نسمح لهم بتواجدهم فوق أرضينا.

أنس الخولي

العمر 25 سنة

مسقط الرأس: ريف دمشق.

اعتقلت للمرة الأولى في الشهر الرابع من عام 2011، بعد خروج مظاهرة في الحرم الجامعي (جامعة دمشق)، وتمت مصادرة سيارتي وكل ما املك وذقت شتى أنواع التعذيب في معتقلات النظام، ليتم فصلي من كلية العلوم السياسية فور خروجي من المعتقل، لأبدأ حينها العمل في المجال الإعلامي، ولأواكب المظاهرات في دمشق وريفها. مازالت أطالب بالقضية الأولى وهي الحرية وإسقاط النظام السوري المستبد، وأعتبر بدون أي شك أن تنظيم داعش هو تنظيم إرهابي معادي لمبادئ الثورة السورية.

اعتقلت عدت مرات من قبل فصائل عسكرية في ريف دمشق، وتعرضت لضغوطات كثيرة من تلك الفصائل، لكن الناشطين قاموا بحملات إعلامية كبيرة للإفراج عني من معتقلات الفصائل العسكرية.

اتمنى أن تتحقق مطالب الثورة السورية وأن تنتصر ويعود السلام لسوريا، وأن تكون سوريا دولة ديمقراطية معتدلة تحترم حقوق الإنسان والحريات.

علاء الاحمد

العمر: 26 عاماً

مسقط الرأس: مدينة دوما في ريف دمشق

كان لازماً علينا أن نخرج وننصر الشعب السوري في محنته، التي بات يعاني منها منذ أكثر من 50 عاماً؛ وعليه فقد خرجنا بمظاهرات سلمية، نادت بإصلاح النظام وإقصاء الفاسدين منهم، فما كان الرد من ذلك النظام سوى الرصاص الحي، حيث سقط أكثر من 40 شهيداً في الغوطة الشرقية في الشهرين الأول والثاني للثورة.

خرجت من الغوطة الشرقية متجهاً إلى مدينة قدسيا بريف دمشق، والتي كانت في بداية خروجها على النظام الفاشي، فكنا ننقل لهم صوتهم وهتافهم إلى العالم أجمع عن طريق كاميرا موبايل، حتى قرر النظام أن يدخل إلى تلك المنطقة (قدسيا/الهامة)، وطبعاً لم يكن ذلك سوى عن طريق استخدامه شتى أنواع المدفعيات الثقيلة منها والخفيفة، إلى أن سقطت تلك المنطقتين بيده، وأجبرنا على الخروج إلى وادي بردى، حتى قررنا أن نعود أدراجنا إلى الغوطة الشرقية، وكان ذلك خطيراً جداً على حياتنا، كنا أكثر من 40 شاباً، جميعهم مسلحون إلا أنا، ما كنت احمل إلا كاميرتي وقنبلة يدوية صغيرة، افجر بها نفسي، كي لا يتم اعتقالي من النظام في حال طوقنا ذلك النظام الفاشي. أكثر من 5 شهور استغرقت رحلة العودة من وادي بردى إلى الغوطة الشرقية، التي لا تبعد أكثر من 35 كيلومتر، وذلك بسبب خطورة ذلك الطريق، وقيام النظام نبصب كمائن للثوار، والحمد لله تجاوزنا ذلك الطريق، ودخلنا إلى الغوطة الشرقية، وهنا تبدأ حياتي الجديدة. معظم المباني السكنية كانت قد سقطت على الأرض، جراء القصف الهمجي الذي اتبعه النظام في محاولاته الفاشلة للسيطرة على تلك المنطقة، وبدأت بعدها أنتقل من معركة إلى أخرى، إلى هذه اللحظة.

أعمل حالياً رئيساً للمكتب الإعلامي لمنصة مجلس السوريين في إسطنبول، ومصور فوتوغرافي لدى شبكة الثورة السورية، وصحفي لدى Human Voice.

Read in English

يوسف صداقي

مساعد باحث في مركز أورينت للأبحاث، وعمل سابقاً في عدد من منظمات التنمية السورية والدولية في سوريا وجنوب تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط