الدور الأمريكي الغائب في عراق ما بعد داعش

تسير المعارك في العراق ضد تنظيم داعش على قدم وساق بوتيرة مرتفعة، رغم التكلفة العالية للأخطاء البشرية، والتي أودت بحياة المئات من المدنيين في الموصل، إلا أنّ التقدم مازال مستمراً لصالح القوات المهاجمة، والتي استطاعت خلال الشهر الأخير عزل المدينة وحصارها، والسيطرة على أكثر من 60٪ منها.

وتنبع أهمية معركة الموصل، من كونها ستنهي الانتشار الإقليمي لتنظيم داعش بشكل شبه مؤكد، إلا أنّ تفتيت التنظيم وكسر جغرافيته لن ينهي الحرب معه، إنّما سيتم تحويله إلى عصابات ومجموعات وخلايا منفردة، تعتمد على الهجمات الإنتقامية فيما بعد المعركة، بشكل مشابه للتجربة الأفعانية، حيث استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ عام 2001 الحد من نفوذ حركة طالبان وتنظيم القاعدة في افغانستان، إلا أنّ تشعب الإيديولوجيا الدينية، وعدم كفاءة الحكومات المتوالية خلال السنوات الأخيرة، قد ساهم في استئناف الجماعات الإرهابية لنشاطها بسياسة الهجمات المنفردة، والتي كان أخرها في ولاية خوست في بداية أبريل/نيسان الماضي، ليظهر جلياً أنّ الحرب على الإرهاب بالسلاح والطيران هو أمر غير كافٍ لإنهائه، إنما تحتاج هذه البلدان لبرامج تنمية شاملة، تعتمد على حل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

إلا أنّ للعراق خصوصيته بعد نهاية تنظيم داعش، حيث طفت على السطح المشاكل القديمة المتجددة كتحديد من سيكون له السيطرة على هذه المناطق بعد تحريرها من سيطرة التنظيم وما يرتبط بها من صراع اجتماعي، والمشكلة الظاهرة حالياً والمتمثلة في عودة مشروع الأقاليم إلى الواجهة، فالطموحات الكردية بضم أجزاء جديدة من العراق “كركوك، وديالى، وإقليم سنجار” إلى إقليم كردستان، والذي تعارضه القوى السنية والشيعية على حد سواء، فيما يبقى التخوف السُني من زيادة التمدد الشيعي، عبر قوات الحشد الشعبي جلياً، خوفاً من عمليات انتقامية مذهبية ضد العرب السُنة، لاسيما بعد إقرار قانون خاص بتلك القوات في مجلس النواب العراقي، وكون تلك القوات هي الذراع الإيراني في العراق، في الوقت الذي يبقى فيه إقرار قانون الحرس الوطني المدعوم أمريكياً، والذي تعول عليه القوى السنية في إحداث حالة من التوازن على الأرض، معطلاً لعدم القبول بتمريره من قبل الكتلة الشيعية في البرلمان.

هذا وقد تلعب التدخلات الإقليمية والدولية دوراً كبيراً في إمكانية احداث نزاع سياسي طويل الأمد، عبر دعمها لأطراف عراقية ذات قوة عسكرية، تستخدمها كورقة في تصفية حساباتها السياسية.

فمع زيادة الظلم والتهميش ضد الأقاليم السُنية وتجريدها من النفوذ السياسي والإجتماعي، وتراجع أداء الحكومات المتوالية بشكل عام، وانتشار الفساد في مؤسساتها، وسوء الخدمات وزيادة نسبة الفقر، سيكون سبباً رئيسياً في إمكانية نشوب صراعات مستقبلية مع القوى الشيعية المسيطرة، الأمر الذي قد يستغله تنظيم داعش من جديد، في تمكين قاعدته الشعبية واستخدامها للانتشار الغير المُعلن، منفذاً مخططه في القتل والتهجير، مستفيداً من حالة الفوضى والقمع التي تعيشها المناطق الغربية العراقية.

الجواب السهل هو أن العمل على اعتماد خطط إعادة إعمار العراق، وعدم التقيد فقط بإعادة الاستقرار، وتمكين أجهزة مكافحة الفساد في الحكومة العراقية والضغط عليها لإحداث توازن حقيقي لكافة مكونات المجتمع، واشراك المجتمعات المحلية في غرب العراق في عملية الإعمار، وبناء المسار الإصلاحي، وتقديم الدعم الخدمي والتعليمي بما يتوافق مع خصوصية المجتمع، يجب أنّ يكون أولوية للوصول إلى عراق مستقر يتعافى بشكل صحيح دون ترك نُدب قد تستغل لإحداث جروح جديدة في جسم العراق ما بعد تنظيم داعش.

وبالعودة نحو الوراء، وبالنظر إلى ما يستطيع الجيش الأمريكي تحقيقه، في ظل الواقع السياسي الحالي، وكونه ليس صاحب القرار في صناعة السياسة الأمريكية، ولاشك إنه يدرك طبيعة عمله المتضاربة، في محاربة الإرهاب من جهة، ومفاقمة صراعات طائفية وعرقية، وزيادة جاذبية تنظيم داعش من جهة أخرى، منفذاً بذلك التوجيهات السياسية للبيت الأبيض، في حين أن الإدارة الأمريكية من طرفها، لم تعتن بالتورط في سوريا والعراق، إلا لاكتساب نقاط جيدة في الساحة السياسية الداخلية، وذلك تنفيذاً لوعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الإنتخابية، والذي بدوره لم يُعيَّن بعد الكثير من الموظفين والمحللين في المستويات الوسطة من الادارة، الذين يقرؤون هذه المقالات والذين يشاركون الإدارة العليا في أفكارهم واقتراحاتهم، في الوقت الذي امتلكت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الموظفين المعنيين بجمع الأفكار والأراء وتحويلها للإدارة المعنية، إلا أن عناد الرئيس نفسه الذي منع تنفيذ أي خطة مفيدة.

فمن المطلوب إعادة النظر بالسياسة الأمريكية المنتهجة في المنطقة، وإعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة، بالتأكيد على أن تنفيذها لا يتعارض مع الاستراتيجية الشاملة للقضاء على الإرهاب، وتجفيف منابعه، وعدم خلق بيئة لإعادة تكاثره.

لكن، وقبل ذلك، يجب اقناع النظام السياسي الأمريكي -بما فيه البيت الأبيض والكونجرس – بالإعتناء بما يحدث في سوريا والعراق، بشكل منفصل عن تأثيره على حياة المسؤولين السياسية، فلو تم تغير السياسة الأمريكية، بما فيها الأذرع المنفذة – الجيش ووزارتي الدفاع والخارجية – والتعامل بمرونة كافية لتغير مسار الأحداث منذ سنوات، لما وصل الحال لما هو عليه الأن.

اشترك في نشرتنا Read in English

فراس حنوش

ناشط من الرقة، وعمل في السابق طبيباً مع منظمة أطباء بلا حدود في سوريا.

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط