استراتيجية أمريكية لسوريا: ما المطلوب لهزيمة داعش ورأب الصدع المجتمعي؟

استراتيجية أمريكية لسوريا: ما المطلوب لهزيمة داعش ورأب الصدع المجتمعي؟

اشترك في نشرتنا 

أعلن الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” أولى الغارات الجوية ضد تنظيم داعش في العراق في أغسطس/آب 2014، وبالرغم من انطلاق العمليات العسكرية الجوية، بعد قرابة شهر من إعلان البغدادي “دولة الخلافة”، إلا أنّ هزيمة التنظيم الوليد قد طالت قرابة ثلاثة أعوام مع كلفة باهظة جداً، بتحالف مشكل من 70 دولة، وبعد معركة طويلة، تم خلالها تنفيذ أكثر من 25 ألف غارة جوية، وعدد كبير من الضحايا ودمار هائل في البنى التحتية والممتلكات الخاصة.

وفي الوقت الذي تم إعلان كل من الموصل العراقية والرقة السورية، خالية من عناصر تنظيم داعش، تشير المشاهدات الميدانية إلى تحول المدينتين إلى مساحات مدمرة مليئة بكميات هائلة من الأنقاض والدمار، بفعل القصف العنيف الذي تعرضتا له، وكان إعلان النصر بشق الأنفس، والذي قد يكون “نصرًا إعلاميًا” فحسب، لصالح إدارة ترامب، التي تسعى لتنفيذ وعودها الانتخابية على المستوى الخارجي على الأقل، دون التفكير في عواقب الأمور.

إلا أن تصريح وزير الخارجية الأمريكي الأسبوع الماضي يعطي أملًا جديدًا لجدية هذه الإدارة، حيث تحدث في جامعة ستانفورد عن ضرورة العمل على استراتيجية تضمن عدم عودة تنظيم داعش، كما كان الحال بعد خروج القوات الأمريكية من العراق عام 2011، الأمر الذي يحتم على الإدارة الأمريكية وحلفائها في سوريا إيجاد صيغة تفاهم بخطوات عملية مدروسة للمساعدة في رأب الشرخ المجتمعي الحاصل.

لقد اعتمدت الإدارة الأمريكية على قوى من خارج المكون السكاني المحلي للمناطق التي سيطر عليها التنظيم، فكان دعمها لتحالف عسكري في العراق مكون في معظمه من قوى شيعية تابعة بشكل مباشر لطهران، مثل ميليشيات الحشد الشعبي، في تحرير مدينة الموصل السُنية. كان هذا الأمر سبباً مباشراً في زيادة الشرخ الديني-الاجتماعي بين السُنة والشيعة، في بلد عانى خلال العشر سنوات الماضية كثيراً نتيجة هذا الخلاف الشيعي السني. كما كان دعم واشنطن للقوات الكردية في العراق وتسليحها ضد تنظيم داعش سببًا في إعلان إدارة إقليم كردستان نيته الانفصال عن العراق، والذي عمق الشرخ العربي–الكردي في المنطقة، الأمر الذي يرفع أجواء التوتر وقد يؤدي إلى الدخول في حرب أهلية جديدة طويلة الأمد في بلدٍ يعاني من فوضى السلاح والإدارة.

وكما هو الحال في العراق، اتبعت الإدارة الأمريكية سياسة مشابهة في سوريا. فقد سلحت واشنطن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي يعد العنصر المهيمن فيها مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية YPG، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني PKK، المصنف إرهابياً من قبل تركيا والولايات المتحدة، والذي أعلن سيطرته على مدينة الرقة، عاصمة تنظيم داعش، في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2017، برفع صور عبد الله أوجلان قائد حزب PKK، بعد معركة طويلة حولت الرقة إلى كم كبير من الركام، وتهجير حوالي نصف مليون مدني من سكانها. وبالرغم من محاولات قسد إظهار نفسها إلى العالم كقوة عسكرية تحاول إنتاج إدارة مدنية مكونة من العرب والأكراد والتركمان في المنطقة، إلا أنّ تلك المحاولات معظمها كانت شكلية، حيث سيطرت شخصيات كردية على كل مفاصل القرار في الرقة الجديدة، وتم استخدام تقديم المسئولين العرب للإعلام فقط ولكنهم كانوا واجهة فقط ومُسيطر عليهم  من جانب الأكراد، الأمر الذي انتج شرخاً جديداً في الشمال السوري بين العرب والكرد في المنطقة.

إن الإقرار بوجود شرخ اجتماعي بعد كل تلك الأعوام من الحرب والتطرف، ودعم جماعات عرقية ودينية محددة وتقوية نزعاتها الانفصالية وأطماعها بالتمدد والسيطرة، سيكون الخطوة الأولى باتجاه الحل، والذي قد يمتد لسنوات، وقد يتطلب جهود ودعم أكبر مما قُدم في المعركة ضد تنظيم داعش، بعيداً عن الشعارات الفارغة والخطابات الرنانة. كما أنّ الدعم الفكري إلى جانب التمكين الخدمي للمجتمعات المنهكة من الحرب، يعد ركيزة أساسية في إنهاء حالة الصراع في الشرق الأوسط، وذلك من خلال دعم الجماعات التي تعمل على مكافحة التطرف وشرح مضمونه وتفنيده كـ “أكاديمية مكافحة التطرف في سوريا” المنشأة حديثاً، والتي تعقد نقاشات مفتوحة حول التطرف، وتطور مناهجها من خلال إقامة ورشات ومنتديات عدة حول الموضوع. إضافة لذلك، فإن العمل على تمكين المجتمعات المحلية من حكم نفسها، يعد خطوة حقيقية نحو الاستقرار، إذ يجب العمل على إنشاء إدارات حقيقية منتخبة ديمقراطياً أو المساهمة والمساعدة في انتاج حكومة تكنوقراط ممثلة لمكونات المجتمع المختلفة، تعمل على تسهيل عمل الشرائح المتنوعة ضمن المجتمع الواحد، والتي من خلالها يتم ضمان توزيع الفرص بشكل عادل، بعيداً عن الاعتبارات الدينية أو القومية.

كما يعد العمل على تمكين الشباب، ومنعهم من الانجرار خلف الحركات الفكرية المتطرفة، والتي يجدون فيها ملاذاً روحياً على الأقل للهروب من واقع الظلم والبطالة وسوء الواقع الخدمي في مجتمعهم، وذلك عبر دعم الريف والذي يشكل سكانه أغلبية في المناطق المسيطر عليها من قبل داعش سابقاً، والتي عانت خلال العقد الأخير من سوء الظروف والأحوال الجوية، ما ساهم في تردي الواقع الاقتصادي لتلك المناطق. ويتم ذلك بدعم المشاريع التي قد تساهم في إحياء الريف والزراعة فيه.

ومن الملاحظ عدم وجود رؤية متكاملة وواقعية لحجم تنظيم داعش حالياً بعد فرار عدد كبير من عناصره نحو المناطق الصحراوية والريفية في سوريا والعراق، يستمر التعتيم الإعلامي ونشر أخبار الانتصارات ضد التنظيم، فيما ينتشر عناصر التنظيم ضمن خلايا نشطة وغير نشطة، دون سيطرة واضحة على مناطق قد دحروا منها، محاولين التجمع وانشاء خلاياهم من جديد، وتنفيذ عمليات محددة، والتي كان أخرها محاولة اغتيال إبراهيم الحسن مسؤول لجنة إعادة الإعمار التابعة لمجلس الرقة المدني في بلدة عين عيسى شمال الرقة، الأمر الذي يحتم العمل على تجفيف المنابع المحلية للتنظيم، بالعمل على تمكين المجتمعات المحلية ودعمها في ظل حكومات الأمر الواقع المسيطرة على مناطقها.

لنعود لحديث وزير الخارجية، هذا الهدف المحدد المذكور أعلاه في متناول أيادي الأمريكيين طالما يستعدون لأن يبقوا في شمال شرقي سوريا ويبذلوا الجهود المطلوبة، فيمكن أن يستطيعون منع عودة عناصر تنظيم داعش للمناطق التي يسيطرون عليها. لكن الطريق لإنجاز أهداف وزير الخارجية الخمس غير واضح بالنظر إلى موقع الولايات المتحدة الآن في الصراع السوري ودرجة التزامها. حتى أساس هذه الأهداف – والذي يتلخص في منع عودة عناصر تنظيم داعش بشكل أو آخر إلى مناطق خارج سيطرة الولايات المتحدة، ناهيك عن نقل سوريا لمرحلة ما بعد الأسد وإعادة المفاوضات لإطار الأمم المتحدة وضمان عودة النازحين واللاجئين – لن تكون إلا كلامًا دون التزام لم نراه من الولايات المتحدة في سوريا حتى الآن.

اشترك في نشرتنا English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة