الولايات المتحدة والسعودية: هل من طريق لشراكة أقوى؟

يساور قادة المملكة العربية السعودية القلق بشأن تآكل الأساس الذي تقوم عليه الشراكة الممتدة منذ سبعين عاماً مع الولايات المتحدة، وفي حين تكتسب السردية الإيرانية، والتي تنسب التطرف الجهادي إلى السعودية مزيداً من الزخم. لا يُخفي المقيمون في البيت الأبيض سرا استياءهم من المملكة؛ حتى رئيس الولايات المتحدة قد نصح الرياض بأن استمرار العداء مع إيران يزيد من هيمنتها في العراق وسوريا ولبنان. فهل تستطيع السعودية تجاوز هذا الأمر وخلق حالة إيجابية لتحقيق شراكة أقوى مع واشنطن؟

لم يحدث في تاريخ العلاقات السعودية-الأمريكية الثنائية أنهما كانتا قادرتين على تعميق العلاقة بين الشعبين، مثلما هو الأمر، على سبيل المثال، في العلاقات الأمريكية-البريطانية أو العلاقات الأمريكية-اليابانية. وحتى إن لم تخترق هذه القاعدة للعلاقات حجر الأساس للرأى العام، إلا أنه على الدوام كان يحظى بدعماً قويا من النخب السياسية ونخب السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، وقد جرت العادة على النظر إلى السعودية من قبل البيت الأبيض كشريك قوى وموثوق به في الشرق الأوسط وما ورائه.

وفي الواقع، تدعي الإدارة الحالية أن المملكة لا تزال شريكا قويا، وأن التقدير الرسمي الكبير لها لم يضعف؛ ولكن يكفي القول بأن القادة السعوديين يمنحون مصداقية محدودة لمثل هذه الادعاءات، وما يرونه بدلا من ذلك هو تدليل إيران على حسابهم، بالإضافة إلى شكاوى البيت الأبيض من الانتقادات السعودية للاتفاق النووي الإيراني؛ وما يخشونه هو أن المحاولات الإيرانية للسيطرة على العراق وسوريا ولبنان لن تجد أي معارضة بالضرورة من جانب الغرب، الذي يأمل في أن تسفر الصفقة النووية في نهاية المطاف عن إيران أقل عنفاً وأكثر مسالمةً.

الاعتقاد بأن السعوديين لن يتأثروا بالروايات الإعلامية السائدة، إذا كانوا يعتقدوا أن سياسات إدارة أوباما صحيحة هو أمر مشكوك في صحته. فهم لم يكونوا قلقين، حتى بعد مرور ثلاثة عقود من فضيحة إيران-كونترا، بشأن إعادة إحياء الرواية الإيرانية المتمحورة حول المتشددين في مواجهة المعتدلين، لولا النجاح الواضح لوزير الخارجية الإيراني في الترويج لشكل معدل من هذه الرواية لنظرائه الغربيين. وربما كانوا سيطمئنون بالكامل للاستناد على السجل التاريخي لنظام الأسد الداعم لتنظيم القاعدة في العراق- التنظيم الأب لتنظيم داعش في سوريا، لولا السياسة الأمريكية في سوريا، والتي تضع في اعتبارها المصالح الإيرانية. وبالمثل ربما سيكونوا سعداء بالسماح لحقيقة أن الثلاثي المتمثل في إيران وروسيا والأسد في سوريا يقاتلون الجميع باستثناء تنظيم داعش بأن تتحدث عن نفسها، لولا السياسة الأمريكية في سوريا والتي تدفع – دون قصد ولكن بشكل حتمي- في اتجاه الرواية الكاذبة، التي تعتبر الوكيل السوري لإيران حصن ضد تنظيم داعش.

يرى القادة السعوديون أن السياسات الأمريكية والرواية الإعلامية المتنامية والتي تلقي باللوم على الرياض بخصوص معظم (إن لم يكن كل) الإرهاب الموجود في المنطقة تعزز بعضها البعض؛ أما إيران والتي تعول على رأي النخبة “التقدمية” في أوروبا وأمريكا الشمالية، تدعي أن المملكة (وليس الأسد عميلها) هي المسؤولة عن وجود تنظيم داعش في سوريا؛ ولكن عندما تعرض السعودية وضع قوات قتالية برية في شرق سوريا تحت القيادة الأمريكية لمواجهة التنظيم، وليس لمحاربة الأسد والإيرانيين، لا تمنح إدارة أوباما الاهتمام المطلوب لهذا العرض ولصاحبه، حتى يتلاشى كل شيء إلى العدم.

وهنا يكمن التحدي للمملكة، عندما تقدم عرضاً لوضع قوات برية في شرق سوريا للمساعدة في قتال تنظيم داعش، فهل كان هذا العرض جديا؟ ولو كان كذلك إذن أين كانت المتابعة مع الكونجرس الأمريكي؟ ومع وسائل الإعلام الأمريكية؟ أين كانت الحملة الدبلوماسية الشعبية المستمرة في أوروبا الغربية؟ حيث ارتكب التنظيم جرائم قتل جماعي، وحيث كان الرأي العام أكثر تقبلا لإلقاء اللوم على السعودية؟ كم عدد أعضاء الكونجرس والبرلمانيين الأوروبيون الذين حتى علموا بوجود عرض مثل هذا في وقت مضى؟

وتتمثل نقطة الانطلاق للمملكة العربية السعودية لدحض الرواية السلبية وبناء علاقة أقوى مع خليفة أوباما في أن تقوم بمليء الفراغ في نهاية الجملة التالية: “تعد المملكة العربية السعودية شريكاً أساسياً وفعالاً في التحالف العالمي ضد التطرف الجهادي العنيف لأن……. ” وعلى عكس إيران لن تكون السعودية قادرة على التخلص من آثار الخدع السابقة في حبكها للروايات، وشئنا أم أبينا، ستلتزم المملكة بمستوى أعلى، والذي يجب فيه على الدبلوماسية العامة أن تعكس السياسات والممارسات الحقيقية، سواء فيما يخص تنظيم داعش أو مبادرة السلام العربية أو حماية المدنيين في اليمن. وبالنسبة لإيران والتي تروج لتاريخها الغني وثقافتها الرائعة، تستطيع أن تكون بطريقة أو بأخرى بمثابة الأمل للبعض في الغرب، بالرغم من أن ذلك يسهل من قيامها بالقتل الجماعي في سوريا، ومن دعم مشروع إجرامي كريه في لبنان، ممارسة الإرهاب الداخلي. أما السعودية، والتي تقوم بممارسات اجتماعية غير مستساغة من جانب الغرب إلى حد كبير، ليس لديها المزايا التي تتمتع بها إيران مع جماهير بعينها.

ومع ذلك، يتم التعويل بالفعل على الحقائق عندما يتطاير الرصاص وتنفجر القنابل؛ فإذا كانت السعودية جادة في رغبتها في المساعدة في التخلص من تنظيم داعش على الأرض في سوريا، فيجب عليها تجديد عرضها، والقيام بحملة إعلامية للتركيز على هذا العرض. حيث تلاشى العرض الأصلي، والذي كان قد أقلق وأثار ذعر وجذع وزير الخارجية السوري المعادي لتنظيم داعش وذلك منذ فترة طويلة. وبالفعل، كانت ردة فعل نظام الأسد توجيهية على وجه الخصوص، حيث أظهر ذلك خوف نظام الأسد من احتـمالية التخلص من تنظيم داعش – عدوه بالاختيار.

وإذا كان العرض السعودي وهمياً، كان لا يجب طرحه أبداً، أما إذا كانت المملكة مستعدة حقاً لوضع فرقة أو أكثر في شرق سوريا لمساعدة الولايات المتحدة، فإن إيران وروسيا والأسد لن يمسوا هذا الأمر، حتى أولئك الذين يسعون وراء سراب المعتدلين الإيرانيين، ربما يبحثون في الأمر، ويعيدوا تقييم افتراضاتهم بشأن مصالحهم التي تمت خدمتها، عن طريق بقاء تنظيم داعش وغيره من الأشكال والفصائل المختلفة للقاعدة في الشرق الأوسط. وبالنسبة للسعودية – وعلى عكس إيران- تعتبر الروايات المؤثرة ممكنة للمملكة فقط في سياق السياسات السليمة والمطبقة بشكل جيد. وعلى الرغم من أن فن البيع يتطلب مهارة ومثابرة، فإن وجود منتج جيد يعد أمراً ضرورياً، وخاصةً إذا كنت أنت المملكة العربية السعودية.

Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط