معضلة الولايات المتحدة في سوريا: كيف ومتى ترحل؟

معضلة الولايات المتحدة في سوريا: كيف ومتى ترحل؟

إن الجهود الرامية لهزيمة تنظيم داعش ميدانياً والتي تدعمها الولايات المتحدة تطورت بشكل معقد في الأسابيع الأخيرة. بالرغم من التقدم الملحوظ في تحرير الرقة من سيطرة التنظيم، سيطر النظام السوري على دير الزور في بداية سبتمبر/أيلول مما وضع عناصر النظام والروس والإيرانيين بالقرب من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة تحت مظلة متعددة العرقيات يغلب عليها وحدات حماية الشعب الكردية. أعلنت قسد، كرد فعل لتقدم النظام، البدء في عملية “عاصفة الجزيرة”، وهي حملة عسكرية لتثبيت السيطرة على منطقة الريف شرق نهر الفرات. بدأت حملة قسد قبل وصول كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق حول آلية محددة لحل النزاع العسكري، على غرار الترتيبات التي تم الوصول إليها لإدارة العمليات العسكرية حول التنف في جنوب سوريا والطبقة، والتي تقع جنوب الفرات وتسيطر عليها قسد.

خطوط على الرمال

بدت الولايات المتحدة وكأنها تعتمد على تفاهم غير رسمي، حيث يقسم نهر الفرات مناطق السيطرة: فروسيا والنظام يسيطران على الجنوب الغربي للنهر، والولايات المتحدة وقسد يسيطران على الشمال الشرقي. يعتمد الاتفاق الأمريكي الروسي لفض النزاع على اتصال مباشر بين مركز العمليات الجوية الكائن في قطر والقاعدة العسكرية الروسية في اللاذقية بسوريا، وقد نجح الاتفاق بشكل جيد، حيث تبادل الطرفان المعلومات لإدارة القصف المستقل من الجانبين في سوريا.

إلا أن التبادل لا يعني بالضرورة أن تفاهم رسمي حول “الخطوط على الرمال” قد تحقق. بالنسبة لروسيا والنظام، فإن خطاً واضحاً يفصل دير الزور التي تقع تحت سيطرة النظام أمر لا يعقل، فالمدينة تمتد على نهر الفرات، وقد تمكن النظام في سبتمبر/أيلول من تأمين الجانبين الشرقي والغربي من هجمات تنظيم داعش. تقترب قسد من الشمال وفي مدى 10 كيلومترات من الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام. إذا ما حدث صراع مع قسد، فإن المدينة ستكون عرضة لهجمات مدفعية صاروخية عبر النهر. علاوة على ذلك، فإن موارد النفط السوري ومراكز تكدس السكان تقع في الشمال الغربي من ضفة النهر، بينما تقع الميادين، وهي إحدى معاقل تنظيم داعش التي ترغب الولايات المتحدة في تحريرها، على الضفة الغربية من النهر. لدى الروس والنظام حافز لوضع خط فض النزاع على بعد 20 كيلومترا شمال شرق نهر الفرات، بالقرب من الحدود العراقية. في الوقت الذي ترغب الولايات المتحدة في عقد صفقة حول الأراضي بما يضمن أن تسيطر قسد على الميادين. بالمثل، تتوق قسد إلى السيطرة على الموارد في شمال شرق النهر، وتعهدت بالمضي نحو وادي نهر الفرات، وهو سيناريو يتحدى مصالح النظام، ويزيد من مخاطر التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، بصرف النظر عن أهداف الولايات المتحدة بالنسبة للميادين.

إن غياب خط واضح لفض النزاع يهدد بحدوث تصعيد غير متعمد بين القوات الأمريكية والروسية. ففي 16 سبتمبر/أيلول، قامت طائرة روسية، والتي كانت تجري عملية بجوار مناطق حلفاء الولايات المتحدة، بقصف مواقع لـ قسد بجوار مدينة دير الزور، تسبب القصف في جرح ستة من أعضاء قسد، وكان ذلك بجوار مواقع للقوات أمريكية. تبقى تفاصيل القصف غير واضحة، بما في ذلك التساؤل حول ما إذا كانت روسيا قد تعمدت قصف قسد، أم أنها أخطأت في الاستهداف. التهديد الثاني يعود إلى نوايا النظام المستقبلية فيما يتعلق بـ قسد. كل هذا يؤدي إلى ثلاث سيناريوهات أساسية: إما أن الجانبين يمكن أن يتوصلا إلى اتفاق سياسي منفصل، أو تجميد الصراع بشكل دائم، أو، في حالة غياب الحل السياسي، فإن النظام سيستخدم القوة لاسترداد الأراضي التي فقدها.

لغز داعش

إن تداعيات أي من هذه السيناريوهات سيكون له تأثير على الكيفية التي ستبدأ فيها الولايات المتحدة التخطيط للانسحاب من سوريا، بخلاف تحدي تنظيم داعش، والذي قد يؤدي إلى وجود عسكري أمريكي مستمر في سوريا. إن الحملة الأمريكية على التنظيم تركز على الجانب الميداني وتهدف إلى إجباره على الخروج من المناطق التي يسيطر عليها. إن الهزيمة الميدانية للتنظيم أمر مفروغ منه، إلا أن سلف التنظيم في العراق، الدولة الإسلامية في العراق، أظهر القدرة على الإشراف على التمرد وتشكيل هيكل بيروقراطي، حتى في ظل الذروة، زورة زيادة القوات الأمريكية عقب 2007، وذروة المقاومة السنية للدولة الإسلامية في العراق. إن التوقعات فيما يتعلق بسوريا هو أن تنظيم داعش سيعود مرة أخرى للتمرد، وتستمر في شن هجمات على سوريا والعراق، على غرار العمليات التي نظمها سلفهم في العراق قبل أقل من عقد مضى.

فيما يخص التعامل مع التمرد، فإن صناع القرار في الولايات المتحدة ومراكز الأبحاث المستقلة يميلون إلى التفكير في أطروحتين متصلتين. الأولى: أن قسد التي تقع تحت هيمنة الأكراد ليست مؤهلة لخوض غمار السياسة العربية السنية في شرق سوريا، كما أن المظلومية الكردية سوف تؤجج من الرفض العربي السني، مما سيعود بالنفع على تنظيم داعش والجهاديين. الثانية: هو أن عمليات النظام العسكرية سوف يكون لها نفس التبعات على السكان السنة في الإقليم، حيث أنه سيسمح لإيران بالوجود المتغلغل على الحدود العراقية. إذن، فالإيرانيون سيتمتعون بالسيطرة على ممر يصل بين طهران وبيروت، مما سيؤمن حركة السلاح لتصل إلى حزب الله.

ما استقرت عليه الولايات المتحدة هو أن تستخدم نموذج قسد في محاولة للتعامل مع القضيتين المذكورتين أعلاه. فقد سعت الولايات المتحدة بشكل حثيث إلى زيادة عدد المقاتلين العرب تحت مظلة قسد، وتنوي استخدام هذه الجماعات لتنفيذ عمليات على طول نهر الفرات وخارج الحدود العراقية، مما سيؤدي إلى أن تتولى قسد العربية مقاليد الحكم، وإن كان ذلك تحت سيطرة كاملة من السلطات السورية الكردية. إذا نجحت هذه الخطة، فإن الولايات المتحدة ستكون بذلك قد هزمت تنظيم داعش ميدانيا، وحالت دون سيطرة إيران والنظام على الحدود العراقية السورية، وساعدت في تثبيت مظاهر الحكم لصالح الأغلبية السنية العربية.

الخروج من المشهد

التحدي هو أن توسيع سيطرة قسد يتعارض مع مصالح النظام وروسيا، ومن ثم، فإن النظام يمكن أن يستخدم القوة لمنعها من السيطرة. سيكون على الولايات المتحدة القيام بالاختيار بين ما إذا كانت ستدافع عن قسد ضد هجمات النظام أم لا. يمكن أيضا أن يدخل النظام عبر الحدود من خلال جسر على الجانب الشرقي من النهر، بجوار دير الزور. في هذه الحالة على الولايات المتحدة أن تختار ما بين: المشاركة في “سباق” مع النظام، بالتحديد من أجل الحيلولة دون التمدد الإيراني، أو التراجع ومتابعة ما يحدث. إذا ما قررت الولايات المتحدة أن تتحدى إيران، فإن خيارات الانسحاب العسكري من سوريا ستصبح أكثر تعقيداً، فوضع استراتيجية لمكافحة التمدد الإيراني تحتاج إلى قوات جوية أمريكية تحمي الجيش الأمريكي على الأرض من الهجمات، مما يستدعي وجود أمريكي دائم خشية أن يسمح الانسحاب السابق لأوانه للنظام وحلفائه بالسيطرة على الأراضي التي تخليها الولايات المتحدة.

أما استراتيجية الجلوس والمشاهدة تحمل مخاطر مشابهة، في ظل غياب لفهم واضح حول نوايا النظام وإيران حيال قسد. يمكن لقسد أن تتوقف عن جميع العمليات العسكرية بعد الرقة، لكنها ستظل تسيطر على أغلب شمال شرق سوريا، وعلى النظام أن يقرر ماذا سيفعل حيال ذلك. بناء عليه، وفي ظل غياب اتفاق تم التفاوض عليه، فإن الولايات المتحدة قد تقرر البقاء لحماية شركائها من عدوان خارجي أو كتحصين ضد التمدد الإيراني حتى نهاية النزاع الأهلي.

هذان التحديان المتلازمان مستقلان عن مشكلة التمرد المتوقع أن يقوم به تنظيم داعش، والذي قد يزيد من تعقيد خروج الولايات المتحدة من سوريا. إن الهزيمة الميدانية للتنظيم لا تضمن إزالة قيادات التنظيم، مما يترتب عليه أن تستمر قوات العمليات الخاصة الأمريكية والتي ستكون مسئولة عن استهداف قيادات التنظيم في البقاء لشن المزيد من القصف على أهداف ثمينة. هذه الاستراتيجية قد تساعد أيضا على هزيمة التمرد الداعشي المتوقع، وهو ما سيؤدي لالتزام مفتوح بالاستمرار في مكافحة الإرهاب في سوريا عقب السقوط المادي للخلافة.

كخطوة أولى، لدى الولايات المتحدة وروسيا الكثير من الدوافع للوصول إلى خط أوضح لفض النزاع والحيلولة دون تصعيد غير متعمد. وفي سبيل صناعة استراتيجية للخروج، على الولايات المتحدة استيضاح نوايا النظام حيال قسد، وما إذا كان الطرفان قادرين على التصالح فيما يتعلق بأي خلافات بينهما والوصول إلى اتفاق سياسي. كما أن على الولايات المتحدة إيضاح الدور الذي سيقوم به بشار الأسد في هذه المفاوضات، وما إذا كانت المنافع التي تعود من هزيمة إيران وميليشياتها على الحدود تستحق التزام عسكري مفتوح ينطوي على “الفوز.”

لا يمكن الإجابة على أي من هذه الأسئلة أعلاه دون الإجابة على سؤال سياسي أساسي فيما يتعلق بما تريده الولايات المتحدة في سوريا: ما هي سياسة الولايات المتحدة فيما يخص الأسد؟ إيران؟ ماذا تريد الولايات المتحدة من سوريا ما بعد الصراع؟ كيف لهذا الهدف أن يتناسب مع عدد لا يحصى من اللاعبين الخارجيين الذين سيكون لهم كلمة في اتفاق السلام النهائي. إن الإجابة على كل هذا يحتاج إلى طرح سؤال صعب حول ما إذا كان من الحكمة بالنسبة للولايات المتحدة أن تحتفظ بوجود مفتوح في سوريا في ظل المتطلبات العالمية للموارد العسكرية المحدودة.

إن الهزيمة الميدانية لتنظيم داعش أمر لا مفر منه، لكن انسحاب الولايات المتحدة يتطلب من صناع القرار التعامل مع أسئلة صعبة، حتى الآن، لم يتم الإجابة عليها. لن تتمكن الولايات المتحدة من إملاء النتائج في سوريا ولن تحصل على كل ما تريد. إلا أن استراتيجية خروج متماسكة تتطلب إجراء اختيارات صعبة حول مصالح الولايات المتحدة وكيف يمكن أن تتناسب مع المجال الأوسع للاعبين المتنافسين في الصراع الأهلي السوري، وعليها أن تزن هذه النتائج في مقابل أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة حول العالم.

اشترك في نشرتنا English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

هناك دولاً تريد أن يرحل الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، بينما بعض الدول تريد رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه لا توجد أي دولة تريد الإبقاء على نظام الأسد، حتى روسيا لا تريد بقاءه، الخلاف هو على توقيت رحيله.

المضي قدماً لإقامة سلطة محلية في ليبيا

هناك اتفاق واسع داخل ليبيا وبين الدول المعنية على أن الاتفاق السياسي الليبي يجب أن يتم تعديله، ففي العامين الماضيين، تعمق الانقسام الليبي مع تصاعد التدخل من أطراف إقليمية ودولية، لديها مصالح متباينة، في هذا الصراع.

الأزمة الكردية: بغداد وأربيل والإصلاح المؤسسي في العراق

إن الصراع الدائر بين حكومة كردستان والحكومة الفيدرالية في العراق يخلق هواجس جديدة – خصوصا بعد الاستفتاء على استقلال الإقليم – فيما يتعلق باستقرار العراق على المدى الطويل.