هل اهتمام الولايات المتحدة المتزايد باليمن يساعد في إنهاء الحرب؟

التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل إسبوعين بممثلي مجلس التعاون الخليجي ومسؤولين من المملكة المتحدة والمبعوث الخاص للأمم المتحدة في جدة، لمناقشة الحرب في اليمن، والحاجة الماسة للدفع بمحادثات السلام إلى الأمام؛ وقد تعهد كيري بتقديم 189 مليون دولار كمساعدات إنسانية، ودعا إلى مبادرة سلام جديدة. وتعتبر المحادثات متوقفة حالياً، لذلك ربما يدفع الاهتمام المتزايد من جانب البيت الأبيض الأطراف المختلفة للعودة إلى طاولة الحوار.

كما أكد مجلس الأمن التابع في أوائل سبتمبر/أيلول على دعوته لجميع الأطراف للعمل مع المبعوث الخاص لليمن “إسماعيل ولد شيخ أحمد” من أجل وقف الأعمال العدائية، والتوصل إلى حل طويل الأمد للنزاع؛ وقد عمل أحمد دون كلل أو ملل على بدء المحادثات في الكويت في أبريل/نيسان، ولكنها أسفرت عما هو أكثر بقليل مما أسفر عنه استمرار المحادثات، وتوقفت الأطراف عن إجراء المحادثات في أوائل أغسطس/آب، بينما لم يذكر أي من الأطراف أنه لا ينوي العودة إلى طاولة المفاوضات إذا ما تقرر وتحدد موعد لإجراء محادثات جديدة، وليس من المرجح حدوث أي تقدم يذكر دون استعداد كل جانب للتزحزح عن القضايا الرئيسة، ومن المرجح أن تهدف زيارة كيري إلى اضفاء الزخم على هذه العملية.

لم تتغير القضايا الرئيسة، حيث يطالب الرئيس عبد ربه منصور هادي وأنصاره السعوديين بالتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2216، بما في ذلك نزع سلاح الحوثيين بالكامل، وانسحابهم من المدن الرئيسة، بما فيها تعز وصنعاء، قبل اجراء العملية الانتقالية للحكم؛ وقد رفض الحوثيون هذا المطلب، معترفين بأن أسلحتهم واحتلالهم لتلك المناطق تمنحهم القدرة على المساومة. ومع ذلك، كلا الجانبين ليسوا على استعداد للمساومة. وتعد تصريحات كيري للصحافة عن توقيت نزع سلاح الحوثين أكثر غموضاً، مما يوحي بأن الحوثيين قد يفعلون ذلك بالتوازي مع تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة. كما أشار أيضاً إلى أن الحوثيين ربما يسلموا أسلحتهم إلى طرف ثالث، والذي يكون أكثر قبولاً لتمريرها إلى القوات التي يسيطر عليها هادي.

ومع ذلك، تعقد التطورات الأخرى داخل وخارج اليمن من الوضع؛ فمنذ تعطل المحادثات، عقد تحالف الحوثين والمؤتمر الشعبي العام بما يصفه بأنه النصاب القانوني من البرلمانيين المنتخبين في آخر انتخابات برلمانية. ويقال أنهم قد صوتوا بالإجماع على الاعتراف بالمجلس السياسي الأعلى، المكون من عشرة أشخاص والذي اُنشأ حديثاً. بينما فشل هادي والسعوديون والولايات المتحدة والأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي وكل القوى الدولية إلى حد كبير في الاعتراف بالبرلمان الجديد أو بشرعية الانتخابات البرلمانية؛ ولم يذكر كيري في تصريحاته الأخيرة المجلس إطلاقاً، باستثناء ربما في اشارة ضمنية إلى خطوات أحادية الجانب، والتي تضر بآفاق محادثات السلام، وقد بدأ المجلس الجديد، والذي تنقسم مقاعده بين الحوثيين وبين الموالين لصالح، في الاجتماع والتخطيط لمستقبل اليمن.

ويرفض هادي وحلفاؤه شرعية هذا المجلس الجديد، بينما يوجد التصويت البرلماني عقبة، لأن هؤلاء النواب كانوا قد تم الاعتراف بهم دولياً منذ انتخابهم في عام 2003، وقد اشار تقرير صادر عن المعهد الوطني الديمقراطي إلى المشكلات التي صاحبت هذه الانتخابات، ولكنه أثنى عليها أيضاً، باعتبارها خطوة هامة لتطوير الديمقراطية في اليمن. وبالطبع، كانت قد ذهبت الأغلبية الساحقة من مقاعد المجلس إلى أعضاء من حزب صالح الحاكم، المؤتمر الشعبي العام، وذلك بعدد 221 مقعد من أصل 301 مقعد، وكان يستوجب أن تنتهي المدة القانونية له في عام 2009، إلا أن صالح علق المجلس وأجَّل إجراء انتخابات جديدة.

وبسبب الإنتفاضة في عام 2011 والتي كانت موجهة ضد الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح – وليس البرلمان المنتخب – فمن الصعب الرفض بصورة قاطعة إعادة عقد برلمان منتخب شرعياً، حتى ولو كان قد اُبتدأ من قبل الحوثيين وصالح؛ وبالنظر إلى شرائح واسعة من اليمنيين الذين يرفضون ادعاء هادي بكونه الرئيس الشرعي لليمن – حيث انتهت ولايته في عام 2014، وذلك قبل تقدم الحوثين في صنعاء، وانتخابه فقط عن طريق الاستفتاء، وليس عن طريق سباق رئاسي مفتوح – ذلك الأمر الذي يُصّعب من الرفض المطلق لشرعية البرلمانيين المنتخبين، وقد يزيد من الفجوة الواسعة بالفعل والتي لابد من سدها.

وفي مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية السعودي عادل الجُبير، شدد كيري على الضرورة الملحة لإحراز تقدم في المحادثات، ومعالجة الوضع الإنساني المتدهور في اليمن. وقد سلمت مؤخراً مستودعات الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة طناً من الأدوية نيابةً عن منظمة الصحة العالمية، ولكن يبقى الوضع مزرياً بل ويزداد تدهوراً، ويعتبر على الأقل 13 مليون يمني في حاجة إلى المساعدة الفورية، لإتقاذ حياتهم، وذلك وفقاً لجيمي ماكجولدريك، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشئون الإنسانية لليمن، بينما يقدر أحد الوزراء في حكومة هادي تكاليف إعادة بناء اليمن بما لا يقل عن 15 مليار دولار.

ولكن كما تحدث كيري عن احتياجات الشعب اليمني، شدد أيضا مراراً وتكراراً على أن الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بشراكتها مع المملكة العربية السعودية، وقال أنه يجب أن تفي اتفاقية السلام “بالاحتياجات المناسبة من احترام سيادة وأمن المملكة العربية السعودية.” وتشير التصريحات إلى القتال على الحدود اليمنية السعودية، والذي يشن فيه الحوثيون الهجمات، وحيث تدعي الجماعة المسلحة، أنصار الله، بإحداث خسائر سعودية أكثر مما تصرح به الرياض؛ ولكن، لا توجد وسيلة للتحقق من مزاعم أنصار الله هذه.

وذكر كيري أن الحوثيين يجب أن يكونوا ممثلين في أي عملية انتقالية، وكذلك في تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، لكن تصريحاته المتكررة بأن الولايات المتحدة مستمرة في الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية، التي تدعم هادي قد أوصل رسالة واضحة؛ ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة لدور واشنطن في تسليح المملكة، في حين دفع السيناتور كريس ميرفي دون كلل بشأن نحو إعادة النظر في مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية، وذلك في ضوء الفظائع التي سببتها الحرب في اليمن، وقد انضم له في تلك الجهود مؤخراً السيناتور بول راند، ونشر الاثنان بالأمس قراراً مؤيداً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلس الشيوخ – جنباً إلى جنب مع أعضاء مجلس الشيوخ مايك لي وآل فرانكلين- والذي يدعو إلى الوقف الفوري لمبيعات الأسلحة إلى المملكة.

ويجلب تدخل كيري مزيداً من الاهتمام والجهد من جانب الولايات المتحدة نحو الحرب المدمرة في اليمن ونحو عواقبها الإنسانية، ولكن من غير المحتمل أن يتم دعم هذه الجهود من قبل الحوثيين أو حلفائهم، طالما استمرت الولايات المتحدة في بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية لاستخدامها في اليمن. وتواصل الولايات المتحدة أيضاً القيام بالتزويد بالوقود في الجو لقاذفات القنابل السعودية، مما يتناقض مع جهود واشنطن في حث الجانبين على تقديم تنازلات.

خلاصة القول هي أنه مع تدهور الوضع في اليمن، ترفض الأطراف الرئيسية في الصراع التنازل عن المواقف الأساسية، ويواصل المبعوث الخاص للأمم المتحدة العمل بشكل علني وخلف الكواليس من أجل إعادة جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات، والتي سوف تكون ضرورية لأي حل سلمي؛ ولكن في حالة استمرار هادي وحلفائه في الإصرار على قبول الحوثيين بقرار الأمم المتحدة رقم 2216، يدفع ذلك بالحوثيين للأمام نحو مؤسسات سياسية بديلة، ولن تساعد أي من هذه الجهود على توحيد الأطراف المتحاربة بل ستستمر معاناة المواطنين اليمنيين.

Read in English

جليان شويدلر

هي كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماتها البحثية عملية التحول في العالم العربي.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط