الاستثمار في التعليم طريق الولايات المتحدة للتغيير في الشرق الأوسط

ريتشارد ليبارون وجيسيكا قشوع 

إلى أي مدى سيذهب الطلاب من أجل الحصول على التعليم اللائق والوعود التي يحملها؟ نحن نعلم مسبقاً أن الطلاب الأمريكيين يقضون إجازاتهم في جزّ العشب ومسح الأرض والقيام بأعمال غريبة لادخار القليل من المال لتغطية مصاريف نصف العام التالي في الجامعة، بدلاً من الاستفادة بالإجازة للقيام بعمل تطوعي أو بالتسجيل لفرص تدريبية مرموقة. ولكن ماذا عن المناطق المحفوفة بالأخطار – حيث مهمة الحصول على تعليم قد تعنى المخاطرة بالموت؟

بالنسبة للاجئين السوريين صغار السن، فإن التعليم هو الأمل الوحيد لتفادى حياة التسكع والفقر في المخيمات. ولكن العقبات هائلة، حيث أن المدارس المتاحة في العديد من مخيمات اللاجئين تعد غير مناسبة – هذا إن كانت موجودة من الأساس، وفى معظم الحالات، هذه المدارس لا تقدم ما يتعدى مرحلة التعليم الابتدائي، وبالتالي فإن شهادات البكالوريوس المقدمة من قِبَل الجامعات المختلفة قيّمة للغاية، الأمر الذي يجعل الطلاب الذين كانوا أوشكوا على التخرج قبل هروبهم يعودون الى مناطق الحرب التي هربوا منها، لكي يؤدوا امتحاناتهم ليحصوا على الدرجة العلمية. 

إن ما يمر به هؤلاء الطلاب من أجل الحصول على شهاداتهم مثير للذهول، ولكنه من ناحية أخرى يصور سمة أساسية من سمات الشرق الأوسط حالياَ ألا وهي: على الرغم من العنف والفوضى، فإن طلب العديد لتلقى تعليم عالي المستوى يبقى قائماً في كل الأحوال. في منطقة تتغذى فيها الجماعات الإرهابية، مثل داعش، على الشباب من غير المتعلمين، وحيث ترتفع البطالة بين صغار السن، فإن أزمة التعليم ليست فقط سياسة تقنية أو مشكلة إقليمية، بل هي ذات أهمية حاسمة فيما يتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. مع الأخذ في الاعتبار أن نصف عدد السكان في الشرق الأوسط يتألف ممن هم تحت سن 25 عاماً، فإن الترويج لتعليم ذي معنى يغطى العديد من الأماكن في المنطقة يعد عاملاً تحويلياً بصورة كاملة وأقل تكلفة من أي سياسة قد تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية – سواءً كانت عسكرية أو ما دونها.

 وعلى الرغم من ذلك فإن الإجابة المتعلقة بالسياسة المتبعة من قِبَل حكومتنا تبقى فاترة، وتبقى الجهود المبذولة حتى الآن، مبعثرة وغير طموحة بما فيه الكفاية، ولا تعد جزء محوري من استراتيجية أمنية أمريكية. تحتاج الولايات المتحدة إلى خطة محددة طويلة الأمد لدعم التعليم كأداة أساسية لترويج التغيير في الشرق الأوسط. هذا يتضمن بذل الجهود في ثلاثة مجالات كبيرة: المساعدة على التغيير التعليمي، وصلات أكثر فاعلية بين المنطقة والجامعات الأمريكية، بالإضافة إلى زيادة في التبادل قصير الأمد بين الشعوب وبعضها البعض.

إن المساعدة في التغيير التعليمي ليست بالأمر البسيط، بل هو موضوع مثير للجدل ومسيّس وحافل بالمصالح الشخصية. إن المبدأ الأساسي هنا ينبغي أن يكون: “عدم احداث أي أذى.” إن فكرة كون الولايات المتحدة تستطيع أو ينبغي أن تفرض موافقتها على النظم التعليمية في الدول الأخرى هو أمر خاطئ. 

وعلى عكس الأوجه المختلفة لصورتها في الشرق الأوسط – فإن الأمر مختلف فيما يتعلق بعالم التعليم، إن العلامة الأمريكية لا تظل الورقة الرابحة، وينبغي علينا بذل المزيد لجعل أي مساعدة أو نصيحة متوفرة. توجد العديد من الطرق لجعل ذلك ممكناً، فعلى سبيل المثال، من الممكن توفير فرص تدريبية متخصصة في بعض المجالات للمعلمين والإداريين، والتقريب الفعال ما بين عملاء التغيير الأمريكيين ونظرائهم من الشرق الأوسط، وزيادة الدعم من أجل التغيير والتجديد في التعليم، ووضعه على قائمة أولويات البعثات الدبلوماسية الامريكية في المنطقة.

إن الشبكة غير المستخدمة بصفة فعالة – والتي تمتلكها الولايات المتحدة بالفعل – هي العدد الهائل من طلاب الشرق الأوسط المسجلين في الجامعات الأمريكية. إن هؤلاء الطلاب، الذين زاد عددهم عن 114000 للعام الدراسي 2014-2015، مرغوب بهم بشدة من قِبَل الجامعات الأمريكية، وذلك لدفعهم مصروفاتهم التعليمية كاملة للمؤسسات التي تعاني مادياً، سواء عن طريق برامج حكومية كريمة أو من خلال الأغنياء من المتبرعين. وعلى الرغم مما سبق، ففور تسجيلهم بالجامعات المختلفة لا يحصل هؤلاء الشباب دائماً على الدعم اللازم.

تحرص الجامعات على أن ينجح طلابهم من الشرق الأوسط أكاديمياً، ولكن من ناحية أخرى، يجب عليهم توفير تجربة شاملة أكبر للحياة الامريكية، بسبب عمق الشك الذي يكنّه الأمريكيون فيما يتعلق بالشرق الأوسط عامة، يشكل عدم تعريف الأمريكيون الحقيقيون بالشرق أوسطيين الحقيقيين خسارة هائلة.

بالإضافة الى ذلك، عندما يعود هؤلاء الطلاب الى بلادهم يجب على المؤسسات الأمريكية البقاء على اتصال بهم، بالنظر إلى الدور الذي سيلعبونه كقادة في مجتمعاتهم. يحصل هذا النوع من التواصل مع الخريجين على بعض من الدعم الفيدرالي، ولكن يبقى المجهود الذي تبذله كلاً من المؤسسات الأكاديمية والحكومية مبعثراً وبسيطاً إلى حد كبير – خاصة إذا وضعنا في الاعتبار الفوائد الناتجة عن مثل تلك العلاقات.

بالإضافة إلى البرامج المخصصة للشهادات الجامعية، فإن برامج التبادل قصيرة الأمد تعد من أكثر البرامج فعالية وهى متاحة للسفارات الأمريكية. تلك البرامج تتضمن تجربة برامج التبادل الافتراضي مثل برنامج مبادرة ستيفنسStevens Initiative الجديدة – والمؤسس على شرف السفير الأمريكي المغتال كريس ستيفنس، هذه المبادرة تعتمد على تطوير وسائل مبتكرة للوصول إلى المجتمعات التي قد لا تتمكن من المشاركة في تبادل مباشر في الولايات المتحدة. 

ويعتبر المستوى العام للموارد المخصصة لبرامج التبادل هذه قليل للغاية مقارنة بالموازنات الهائلة الموجهة للأصول العسكرية والمخابراتية في المنطقة. على سبيل المثال، فإن برنامج فولبرايت – وهو برنامج أمريكي رائد في مجال التبادل التعليمي – حصل على ما يقل عن 243 مليون دولار أمريكي من اعتمادات الكونجرس للعام 2013، وهو ما يقل عن 8/1 طائرة نفاثة مقاتلة واحدة من طراز F-35B. 

من الصعب تحديد مبادرة معينة تكون قد تركت أثراً عميقاً، واستحقت كل الأموال التي خصصت لها أكثر من برنامج فولبرايت. وفقاً لما ورد بالتقرير السنوي لمجلس إدارة المنح التعليمية الأجنبية ببرنامج فولبرايت، فقد نتج عن هذا البرنامج 25 رئيس دولة أجنبي – خلال الـ 20 سنة المنصرمة. ويملك برنامج International Visitor Leadership Program التابع لوزارة الخارجية الأمريكية سجل يضاهى برنامج فولبرايت من حيث الإنجازات، مع سمة إضافية – ألا وهي انخراط المجتمعات الأمريكية المحلية في التخطيط الاحترافي لبرامج التبادل هذه، ما بين الخبراء الأمريكيين والأجانب في مختلف المجالات.

على الرغم من نتائجها الأكيدة وإمكانياتها الاستراتيجية بعيدة الأمد لا توجد أي جهود حقيقية لدمج العملية التعليمية وبرامج التبادل في قلب التعامل الأمريكي مع منطقة الشرق الأوسط – على الرغم من كون تلك العملية وذلك التبادل من أكثر الأدوات قوة التي يملكها هذا البلد لإحداث تغيير إيجابي خارجياً بتكلفة قليلة، إذا ما قورنت بالموازنة الخاصة بالأمن القومي.

في وقت كهذا حيث يفضل العديد من الأمريكيين الابتعاد عن المناطق المثيرة للمشاكل مثل الشرق الأوسط، من المهم إظهار قيمة ونتائج الجهود المبذولة من قِبَل حكومتنا. ولهذا السبب ينبغي علينا الاحتفاء بالمبادرات التعليمية، لفاعليتها من حيث التكلفة، كما ينبغي نشرها ومعاملتها كجزء لا يقدر بثمن من سياسة الأمن القومي الأمريكية.

Read in English

نشر النص الأصلي لهذا المقال على موقع The Chronicle، وينشر هذا المقال بالاتفاق مع إدارة تحرير الموقع.

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.