عواقب خطيرة غير مقصودة للمناطق الآمنة ومحاربة داعش

“دوي المدافع في الخارج ينسيني ألم الجوع”، شدة الخوف دفعت “أم محمد” لتقول ذلك وهي ترتجف، وهذا بعد اشتداد المعارك بين قوات النظام السوري ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة دير الزور، وسط توقعات من خبراء عسكريين إلى انحسار التنظيم بشكل أكبر تجاه المدينة لما يتعرض له من ضغط كبير خلال معارك الرقة والباب.

جعل اتفاق وقف إطلاق النار الذي دعمه مجلس الأمن في القرار رقم 2336 المدينة أكثر عرضة للقصف، بسبب توقف الغارات في بقية المناطق. لم تهدأ أصوات القتال في دير الزور، بعد أن قلص تنظيم داعش مساحة سيطرة قوات النظام، وتمكن من فصل المطار العسكري عن باقي الأحياء، والتي تخضع جميعها لحصار مطبق من قبل عناصر التنظيم منذ أكثر من عامين.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن التنظيم المتشدد شن هجوماً في يوم 16 يناير/كانون الثاني، هو الأعنف على مناطق النظام في دير الزور، وتمكن من قطع طرق الإمداد بين مطار دير الزور والمدينة، وهذا ما قسم أحياءها إلى شرقية وغربية، ويأتي ذلك تزامناً مع دخول حصار مناطق النظام عامه الثالث. ويعتبر هذا الحصار الوحيد الذي يحاصر فيه متشددو التنظيم مناطق النظام.

دفع ذلك الهجوم برنامج الأغذية العالمي إلى وقف إلقاء المساعدات إلى المدينة المحاصرة عبر الجو والتي كانت تصل إلى نحو ١٠٠ ألف محاصر، قبل أن تعود لاستئناف إسقاط المساعدات في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، وأرجعت السبب في ذلك إلى العمليات القتالية هناك، وخاصة مع سيطرة التنظيم على الأماكن التي كانت تلقى فيها المساعدات.

وتقول أم محمد في تصريح خاص إنهم يخشون سقوط المدينة بأكملها بيد الجهاديين، خوفاً من تنفيذ تهديداتهم المستمرة بقتل الجميع، وأضافت أن الحالة الإنسانية داخل الأحياء المحاصرة ازدادت سوءً، وذلك بسبب النقص الحاد في مواد الغذاء الأساسية، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وأوضحت أن المحال التجارية جميعها مغلقة، ولم تعد تحوي الأسواق إلا على بضعة أنواع من الخضار، التي يتم زرعها داخل الأحياء وبيعها على “البسطات” أو “العربات.”

ويأتي هجوم التنظيم بعد تلقيه ضربات موجعة في شمال سوريا ومدينة الموصل في العراق، حيث شنت قوات المعارضة السورية معركة واسعة أطلقت عليها “درع الفرات” بدعم من الجيش التركي، كما تمكنت قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل الأكراد القسم الأكبر فيها من التقدم باتجاه مدينة الرقة، التي يعتبرها التنظيم عاصمته، وتقترب شيئاً فشيئاً من عزلها بشكل كامل عن باقي المناطق.

يتزامن ذلك مع تصريح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الشهر الماضي بنيته لإقامة مناطق آمنة في شمال سوريا وجنوبها، وهذا ما سيدفع التنظيم باتجاه العمق وتحديداً إلى مدينة دير الزور، وكان ترامب قد أمهل الجيش الأمريكي 30 يوماً لوضع استراتيجية جديدة لهزيمة الجهاديين، وتغيير قواعد الاشتباك التي يطبقها الجيش، والقيود الملزم اتباعها، وذلك بهدف التخلص من تلك التي “تتجاوز ما يتطلبه القانون الدولي فيما يتعلق باستخدام القوة ضد التنظيم.”

دفعت هذه العوامل زعماء التنظيم إلى تغيير استراتيجيتهم العسكرية، بعد خسارة عدد كبير من المقاتلين، وذلك من خلال التخلي عن المناطق التي يشتد فيها وتيرة القتال، والتمركز في المناطق الأكثر أهمية، إضافة إلى التحرك نحو الخواصر الضعيفة للنظام وللمعارضة السورية، وتحقيق انتصارات معنوية وبثها إلى جمهور التنظيم ومتابعيه.

وشهدت المعارك الأخيرة في دير الزور تكتيكات عسكرية جديدة لعناصر التنظيم، باغت بها قوات النظام والميليشيات الداعمة له، عبر اتباع أسلوب التسلل إلى داخل نقاط عناصر النظام والاشتباك معها في نقطة الصفر، وهو ما تسبب في إرباكها، حيث اعتادت على أن تفجير السيارة المفخخة هو نذير بدء هجوم تنظيم داعش.

ومن التكتيكات الجديدة للتنظيم أيضاً استخدامه لطائرات بدون طيار، بعد أن طورها وحملها بالقنابل المضادة للأفراد، وقالت شبكة دير الزور 24 إن التنظيم ألقى العديد من القنابل على الأحياء المحاصرة، وسقط على إثرها عدد من المدنيين في حي القصور.

كما استهدف التنظيم طاقماً إعلامياً روسياً ومجموعة من قوات النظام عند إحدى جبهات القتال من خلال نفس الأسلوب، حسب دير الزور 24.

ولفت المرصد السوري لحقوق الإنسان الانتباه إلى أن عناصر التنظيم المتشددة يتجهون للسيطرة على ما تبقى من أحياء تحت سيطرة النظام السوري، وأضاف أن التنظيم جلب عربات وآليات جديدة، كما استدعى جزءًا من قواته الخاصة لشن هجوم واسع، بعد أن ثبت مواقعه الجديدة ولم يتراجع عنها، وهو ما يهدد حياة نحو 100 ألف مدني هناك، حيث أن التنظيم بث عدداً من التسجيلات المصورة، توعد فيها بقتل جميع السكان، الذين اعتبرهم من المناصرين للنظام بسبب قبولهم في البقاء بمناطق سيطرته.

وأوضح القيادي في الجيش السوري الحر محمد العبود أن الأنظار تتجه إلى دير الزور لرصد انسحابات مقاتلي التنظيم وعوائلهم، بعد تعرضه للهجمات الواسعة، مضيفاً أن دير الزور هي الممرّ المحتمل لهذه الانسحابات بفعل موقعها الجغرافيّ على خريطة “دولة التنظيم،” حسب وصفه.

ولفت العبود الانتباه إلى أنه في حال هُزم التنظيم أو شارف على الهزيمة في الموصل، وهو الاحتمال المؤكد بطبيعة الحال، فإنه “بما يملكه من خبراتٍ خاصة، سيكون قادراً على التخطيط الجيد لانسحاباتٍ منظمةٍ ومتتاليةٍ لحوالي 5000 أو أكثر بقليلٍ من عناصره في الموصل، وسيكون قادراً أيضاً على توزيعٍ متناسبٍ لمقاتليه المنسحبين على هذه الأرض، توزيعاً لن يكون متورّماً في دير الزور أو غيرها كما تذهب بعض الفرضيات.”

وحذر المعارض السوري من المصير المجهول لسكان دير الزور، وقال: “يوحي الإهمال الدوليّ الذي تلقاه محافظة دير الزور اليوم بمصيرٍ بائسٍ لأهلها، حيث يُتركون فيه لتنظيم داعش الذي لن يشكّل، مع انحساره المرجّح في سوريا إلى دير الزور وأجزاء واسعةٍ من البادية، أيّ خطرٍ على أيّ دولة، ولن تثير معاناة الناس وآلامهم استجابةً مؤثرة.”

Read in English

غيث الأحمد

يعمل صحفي في صحيفة العربي الجديد، وعمل سابقاً كمنسق إعلامي لفرع الهلال الأحمر السوري في دير الزور.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط