بعد مرور عام: خطة عمل الأمم المتحدة في ليبيا انتهت

بعد مرور عام: خطة عمل الأمم المتحدة في ليبيا انتهت

اشترك في نشرتنا

في سبتمبر/أيلول 2017 وعلى هامش اجتماعات قادة العالم في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم المبعوث الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، خطة عمل لـ ليبيا من أجل التغلب على الجمود السياسي في البلاد، ومواجهة عوامل عدم الاستقرار الضاغطة. عبّر الأمين العام للأم المتحدة أنتونيو جوتيرس في الجمعية العامة عن تفاؤله فيما يتعلق بالأزمة في ليبيا، ودعى كل الأطراف أن يستغلوا الفرصة من أجل التحرك بالبلاد للأمام. وعلى الرغم من ذلك، وبعد عام واحد، فإن الموقف في ليبيا لا يمكن وصفه بالتقدم، ولكن مزيد من التدهور وعدم الأمان.  

في البداية، كانت خطة سلامة طموحة للغاية. المرحلة الأولى من الخطة كانت تتضمن جمع الفاعلين السياسيين من الفصائل الليبية الرئيسية، خاصة مجلس النواب من المناطق الشرقية والمجلس الأعلى للدولة (وهو هيئة استشارية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً والتي يقع مقرها في المناطق الغربية) من أجل مناقشة تعديلات الاتفاق السياسي الليبي الذي تم توقيعه في عام 2015. منذ توقيع الاتفاق السياسي الليبي، رفض مجلس النواب التصديق على الاتفاق، الأمر الذي أُثر بصورة سلبية على شرعية حكومة الوفاق الوطني، ومثّل نقطة محورية في الأزمة السياسية الليبية.  

وكجزء من المكون القادم للخطة، يقوم هذا المكون على تصور سلامة لمؤتمر وطني مدعوم من الأمين العام للأمم المتحدة، والذي يمكن أن يضم كل الهيئات السياسية الرئيسية في ليبيا، بالإضافة إلى المجموعات المهمشة، من أجل المشاركة في العملية السياسية. الهدف الأساسي لهذا المؤتمر الوطني هو حفز عملية اشراك الجميع قبل المراحل النهائية لخطة العمل. هذا قد يتضمن تعديل والموافقة على مقترح الدستور قبل التصويت في الاستفتاء الدستوري والانتخابات الرئاسية والبرلمانية أيضا.  

المؤتمر الوطني كان أمر مركزي في خطة العمل وكان يهدف طبقا لكلمات سلامة لـ “إحياء أمل الشعب الليبي” والسعي لتجنب أخطاء الماضي في عملية الوساطة في الصراع الليبي. واحدة من الانتقادات التي وجهت للحوار السياسي الذي ننتج عنه الاتفاق السياسي الليبي، كانت عدم كفاية تمثيل الشعب الليبي.  

في الواقع، نتج المؤتمر الوطني عن العشرات من الاجتماعات الاستشارية والاجتماعات العامة، والتي تم عقدها في مختلف أنحاء ليبيا، حيث اجتمع الألاف من المشاركين. نتائج هذه الاجتماعات كان من المفترض استخدامها في كتابة تقرير من الخلاصات والتوصيات الوطنية. وبهذه الطريقة، تجنب المؤتمر تحديات رئيسية تواجه عملية جمع عدد كبير من المشاركين، هذه التحديات تشمل تحديات أمنية والتمثيل العادل. ولكنه أيضاً عكس الصعوبة الكبيرة في جمع الليبيين مع بعضهم البعض في مؤتمر وطني واحد في بيئة منقسمة وغير آمنة.    

ربما أكثر الجوانب طموحاً في الخطة كانت الافتراضات بأنها تم وضعها بصورة ضمنية في السياق الدولي المحيط بليبيا. منذ عام 2014، تداخلت بشدة مصالح الفاعليين الخارجيين في الصراع الداخلي الليبي، الأمر الذي جعل ليبيا ساحة لمعركة بالوكالة بين العديد من الفاعليين الدوليين. هذا الواقع كان ظاهراً بشدة قبل اجتماعات الجمعية العامة للامة المتحدة في عام 2017.

في يوليو/تموز 2017 عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة في باريس، شهدت اجتماع بين رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج ورجل الشرق القوي خليفة حفتر. أعلن الإثنين التزامهم بالعمل تجاه اتفاق سياسي وانتخابات مستقبلية. ولكن حفتر استمر في انتقاد حكومة الوفاق الوطني باعتبارها تتعامل مع الإرهابيين. وبعدها بشهر، قام وزير الخارجية بوريس جونسون بزيارة لـ ليبيا وقابل حفتر. وتعتبر هذه كانت الزيارة الأولي لمسئول غربي كبير إلى بني غازي من أجل مقابلة الرجل القوي. مجلس النواب المدعوم من حفتر ما يزال يرفض التصديق على الاتفاق السياسي الليبي.

أوضح هذين الحدثين قبل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2017 إلى أي مدى ينخرط الفاعلين الدوليين في ليبيا، وكيف يسعون إلى ضمان مصالحهم القومية، وكيف أثر ذلك بصورة كبيرة على التطورات على الأرض في ليبيا وعلى حسابات الفاعلين المحليين في الصراع. اجتماعات صيف 2017 مع حفتر دعمت من موقفه باعتباره أحد الفاعلين الشرعيين المعترف بهم دولياً في الصراع الليبي.

ونتيجية لذلك، في حين أن الفاعليين الدوليين الرئيسين دعموا خطة عمل سلامة من أجل ليبيا، إلا أنهم يسعون بصوة منفردة وراء مصالهم في البلاد. استمرت هذه الممارسة على مدار العام الماضي ونتج عنها إعاقة تنفيذ خطة سلامة. في مايو/أيار استضافت باريس اجتماع أخر بين السراج وحفتر، وأعلنت أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يمكن أن تنعقد في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2018. على الرغم من أن خطة سلامة كانت غير واضحة فيما يتعلق بعقد الانتخابات. الخطة لم تحدد مواعيد محددة للانتخابات.     

في الواقع، كانت باريس مسيطرة على الخطاب الدولي المتعلق بمستقبل ليبيا، وكانت تقدم نفسها باعتبارها الوسيط والمفاوض الرئيسي. في نفس الوقت كانت إيطاليا غاضبة من سياسات ماكرون فيما يتعلق بليبيا، وكانت روما تعبر عن معارضتها المؤكدة لعقد الانتخابات في ديسمبر/كانون الأول بسب الفوضى في ليبيا. القوة الاستعمارية السابقة تتخذ خطوات فردية لزيادة نفوذها في ليبيا. في يوليو/تموز أعلن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أن بلده سوف تستضيف مؤتمرها الخاص والذي سوف يدرس طرق استقرار الأوضاع في ليبيا. بالإضافة إلى ذلك، عقد مؤخراً وزير الخارجية الإيطالي إينزو موافيرو ميلانيزي محادثات مع حفتر في بني غازي في محاولة لتعزيز الروابط.

تلك الأحداث على مدار العام الماضي توضح أن خطة عمل سلامة وقعت ضحية – كما كان متوقع – للتدخلات من جانب الفاعلين الدوليين في ليبيا. إذا لم يتمكن سلامة من ترتيب تعاون بين الفاعلين الدوليين المنخرطين في ليبيا في 2017، فهناك قليل من الأمل في أنه سوف يفعل ذلك الآن، خاصة في ظل الاضطراب داخل ليبيا خاصة في الغرب. حقاً، إن المحاولات من جانب الفاعليين الخارجيين على مدار العام الماضي من أجل زيادة نفوذهم في ليبيا زاد من وتيرة الاضطرابات الداخلية، حيث سعت المجموعات المحلية المسلحة للاستفادة من علاقاتها المثمرة مع القوى الخارجية. إن الوضع في طرابلس هو دليل على أن التركيز السطحي من جانب المجتمع الدولي على الانتخابات يأتي على حساب الجهود المطلوبة من أجل مواجهة عدم الاستقرار والاضطراب على الأرض. أوضحت الاشتباكات في طرابلس أن هذا الاتجاه المرتبط باسترضاء المليشيات في الوقت الذي يتم فيه الضغط من أجل التسرع في عقد انتخابات، بدلاً من معالجة القضايا الصعبة والحاسمة المرتبطة بنزع سلاح المليشيات المسلحة، يعتبر أمر له تبعات خطيرة.   

مؤخراً، في تصريحات أمام مجلس الأمن في الخامس من سبتمبر/أيلول أوضح سلامة الجهود التي تقوم بها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أجل مواجهة الأوضاع في طرابلس. انتقد سلامة، وبحق، سلوك مجلس النواب المرتبط بالحفاظ على وجوده لأطول فترة ممكنة على حساب انجاز واجباته التشريعية، خاصة اصدار تشريعات متعلقة بالاستفتاء الدستوري والانتخابات. أكد سلامة  أنه طرق كل الطرق التقليدية من أجل تحريك العملية التشريعية في ليبيا للأمام، وإذا لم يتم تحقيق أي تقدم فإنه سوف يبحث عن طرق أخرى من أجل تحقيق التغيير السياسي.

ولكن سلامة لم يوضح ما هي هذه الطرق الأخرى. علاوة على ذلك، كان هناك تعليق منفصل في تصريحاته ينذر بمزيد من عدم الاستقرار، حيث قال عندما تتوقف العملية السياسية يعتقد البعض أن هناك فرصة من أجل فرض التغيير من خلال السلاح. الفاعليين الخارجيين، بالإضافة إلى الشخصيات المحلية، منخرطين في هذه الظاهرة. ولكن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا فشلت حتى الآن في تطوير استراتيجية لمواجهة حقيقة الحرب الأهلية في ليبيا. المناقشات البارزة المتعلقة بشخصية وطنية من جانب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في حين أن السؤال المتعلق بكيفية التعامل مع العنف المحلي والمجموعات المسلحة لم تتم مواجهته.   

إن المشاكل الجوهرية التي تقوض من خطة عمل سلامة تظل باقية ومن المحتمل أن تؤثر على مستقبل المحاولات التي تقودها الأمم المتحدة خاصة إذا لم يتم كبح جماح هؤلاء الفاعلين الدوليين الذين يتدخلون في ليبيا. في غياب هذا الشرط، الذي يبدوا أنه في الوقت الحالي غير محتمل الحدوث، هناك قليل من التفاؤل فيما يتعلق بخطة أخرى جديدة من أجل ليبيا في الوقت الذي نتجه فيه إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام.

اشترك في نشرتنا English

إليسا ميلر

باحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.