الانتخابات البرلمانية في تركيا: التصويت وما وراءه

مؤسس حركة "التصويت وما وراءه"

أجرت تركيا انتخاباتها البرلمانية الرابعة والعشرين الأحد الماضي الموافق 7 يونيو/حزيران 2015، وفي حين ركز غالبية المحللين على الدور المحوري الذي لعبه حزب الشعب الديمقراطي الكردي، في جذب الأصوات بعيدة عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، فقد ركز عدد أقل على الدور المساو في الأهمية والمركزية للمجتمع المدني التركي، في متابعة العملية وضمان انتصار الديمقراطية التركية.

أجريت العديد من استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات – ربما كل أسبوعين تقريباً – للتعرف على ميول الناخبين الأتراك، مع تحليل كافة النتائج الممكنة بالتفصيل، وقد أوضحت البيانات أن حزب العدالة والتنمية سيخسر 10% من الأصوات، في حين سيحصل حزب الشعب الديمقراطي على نسبة 10% اللازمة للمشاركة البرلمانية (وهي أعلى نسبة في أي من النظم الديمقراطية الحديثة). وأشارت غالبية تلك الاستطلاعات إلى أن حزب الشعب الديمقراطي سيحصل على نسبة في ذلك الإطار، مرجحة إلى أن أصوات قليلة قد تغير بشكل جذري المشهد السياسي في تركيا. وفي حال فشل الحزب في اجتياز نسبة 10 بالمائة ولو بنسبة ضئيلة، ستوزع جميع مقاعده بين الأحزاب الفائزة، مما كان سيؤدي إلى برلمان آخر يسيطر عليه الحزب الواحد – العدالة والتنمية.

هذه التوقعات المتسارعة بشأن إمكانية اجتياز حزب الشعب الديمقراطي للحد المطلوب، أثارت المخاوف بأن تلجأ السلطة الحاكة وداعمي حزب العدالة والتنمية إلى تزوير الانتخابات، أو التهديد لمساعدة الحزب الحاكم في الاستئثار بالسلطة. وفي هذا السياق، أصبح المواطنون الأتراك أكثر حساسية عن أي وقت مضى، تجاه إجراءات لضمان “نزاهة الانتخابات”. وقد تشكلت مجموعة من المواطنين للعمل سوياً. 

الضمانات الانتخابية

في الأيام السابقة للانتخابات، اعتاد المواطنون الأتراك مناقشة أمن عملية الانتخابات وفرز الأصوات والاعتبارات الإجرائية الأخرى، وذلك في تجمعاتهم الخاصة أو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وكان السؤال المطروح في تركيا باختصار هو: هل الضمانات القائمة ضد التزوير كافية لضمان حرية الانتخابات ونزاهتها في تركيا؟

تنص المادة 67 من الدستور التركي على ما يلي:

تعقد الانتخابات والاستفتاءات تحت إدارة القضاء وإشرافه، وفقاً لمبادئ المشاركة العامة القائمة على الحرية، والمساواة، والسرية، والمباشرة، والفرز العام للأصوات…

تحدد هذه المادة الآلية المؤسسية اللازمة لضمان أمن الانتخابات وشفافيتها، وتتولى المحاكم مسئولية الإشراف على العملية وإدارتها، لضمان حرية العملية – وبشكل أهم – شفافيتها، من خلال الفرز العام للأصوات. وفي حين لا تواجه الأتراك أي مشكلة في التعبير عن اختياراتهم من خلال صندوق الاقتراع، فهم يخشون تزوير الانتخابات، ويرحبون بأي تدابير من شأنها الحد من ذلك. ومن هنا، فقد طالبوا المجلس الأعلى للانتخابات التركي ومؤسسات المراقبة الدولية مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من التعامل مع الأمر على محمل الجد – كضامنين محليين ودوليين للنزاهة.

إلا أن المجلس الأعلى للانتخابات كان عرضة للانتقادات منذ أدائه في الانتخابات المحلية في مارس 2014، زعم حينها بعض النقاد حدوث مئات المحاولات للتزوير في صناديق الاقتراع في العديد من الدوائر، وبالأخص في العاصمة أنقرة. ومن ثم، طلب مئات المرشحين رسمياً إجراء انتخابات جديدة في عدد من الدوائر في أنحاء الجمهورية، وقد وصلت بعض النزاعات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

أوفدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي منظمة دولية محدودة التأثير ولا تتمتع بثقة شعبية كبيرة في تركيا، بعثة صغيرة لمراقبة الانتخابات. وفي نتائجها المبدئية، أشارت تقارير المنظمة إلى احترام قواعد الانتخابات بشكل عام، مع الإشارة لبعض الانتهاكات – منها توجيه النقد للرئيس أردوغان لتدخله غير الدستوري، بالدعاية لحزب العدالة والتنمية، ولكن التقارير انتهت إلى عدم وجود انتهاكات منهجية تؤثر على النتائج.

وفي حين قدم التقرير أخباراً جيدة، لكنه كان سيكون قليل القيمة بشأن شرعية الانتخابات دون الجهود البارزة لحركة “أوي ف أوتسي Oy ve Ötesi “التصويت وما وراءه”.

الراعي الجديد: التصويت وما وراءه

عندما يرى الأفراد أن المؤسسات العامة تفتقر إلى الرغبة أو القدرة على الوفاء بالمطالب العامة، فإن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في سد الفجوات والعمل كجهات رقابية. تمثل حركة “التصويت وما وراءه” أبرز منظمة للمجتمع المدني في تركيا، أسسها مواطنون أتراك لضمان شفافية الانتخابات ونزاهتها، ولكونها كيان غير حزبي، تقبل المنظمة المتطوعين من جميع شرائح المجتمع، وزادت عضويتها على 50 ألف، ومن ثم تمكنت من إجراء ندوات لتدريب المتطوعين على كيفية مراقبة الانتخابات، وتقليل الأخطاء ومنع حوادث التزوير. 

بدأ أفراد الحركة في لعب دور نشط كمراقبين لانتخابات مارس 2014 التي كانت مثاراً للجدل. وفي ذلك الوقت، كانت المجموعة لا تزال صغيرة تعمل من خلال موقع إكشيسوزولك Ekşisözluk (من أبرز مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا). تزايدت الأعداد وتضاعف الأثر خلال الانتخابات الرئاسية في 2014، ووصلت المنظمة إلى ذروة نجاحها في الانتخابات العامة في 7 يونيو/حزيران، وأنفقت التبرعات التي حصلت عليها من جميع أنحاء البلاد على الندوات التدريبية والإعلانات، لرفع الوعي العام. ويشير تقرير لجنة متابعة الانتخابات التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى نجاح حركة “التصويت وما وراءه”، ولكن مدى ذلك النجاح يتضح بمقارنة عدد الانتهاكات التي حدثت في هذه الانتخابات، وانتخابات مارس 2014 المحلية.

ويرى سرجان شلبي – مؤسس الحركة – أن هذه التجربة مثلت نجاحاً كبيراً، لمؤسسة قائمة على المتطوعين. إن التوعية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي حققت للحركة متابعة سريعة، وهي تذكر بالأثر الذي حققته حركة “شايفينكم” الشعبية في مصر، التي أطلقتها الناشطة المصرية المخضرمة غادة شهبندر، لمتابعة أول انتخابات رئاسية وبرلمانية تعددية في مصر عام 2005.

ونشرت حركة “التصويت وما وراءه” تقاريرها عن نجاح مهام متابعة الانتخابات، وأوضحت أنه:

في 46 مدينة و173 مقاطعة، بإجمالي 55 ألف موظف اقتراع في أرجاء تركيا، حمت الحركة صناديق الاقتراع. ورأت هذه الروح، وثمار تدريبها، والأعداد المتزايدة للمتطوعين. وقد أوقفت الحركة عدة محاولات للتزوير في عدة مقاطعات، بل واتجه المتطوعون إلى مجالس الانتخابات المركزية، دون أن يطلب منهم ذلك. وقد أثبتت الحركة أن الاختلافات الصغيرة تحقق تغييرات كبيرة.

وفي الوقت الذي سارع فيه السياسيون والمعلقون للتركيز على تداعيات الفوز والخسارة في الانتخابات التركية، يجب أن يتذكروا أيضاً كيف أن الجمهور الذي تم تعبئته وإشراكه في العملية شارك في الممارسة الديمقراطية وساهم في حمايتها. وفي حين أن بعض الحكومات في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى تعاني لانتزاع الشرعية باستخدام القوة وقمع المجتمع المدني، ربما تقدم المجموعات التركية مثل ” أوي ف أوتسي Oy ve Ötesi” مثالاً على أن تعزيز الديمقراطية مرهون بالتزام الشعب بها، وبشجاعته وإبداعه.

Read it in English

ايوب جيفيلك

طالب دكتوراة دكتوراه في جامعة فلوريدا.