معركة غصن الزيتون وتأجيج الصراع العربي-الكردي في عفرين

معركة غصن الزيتون وتأجيج الصراع العربي-الكردي في عفرين

اشترك في نشرتنا 

سيطرت تركيا وفصائل المعارضة السورية على عفرين وريفها، بعد هجوم استمر قرابة الشهرين، تخلله وجود ضحايا مدنيين وجرحى ونزوح عشرات الألاف من المدنيين، في ظل تشكيل صراع قومي كردي-عربي في سوريا، يعيده البعض لتوافق روسي- تركي حول عفرين والغوطة، كمؤشر خطير في مرحلة حرجة في لأزمة السورية.

يشن الجيش التركي المساند لفصائل المعارضة السورية المسلحة، التي تقودها قوات درع الفرات، منذ العشرين من يناير/كانون الثاني 2018، هجومًا على عفرين في معركة أطلق عليها مسمى “غصن الزيتون.” تقع عفرين في الزاوية الشمالية الغربية لسوريا في ريف حلب، يتبعها ستة نواحي و366 قرية. يقطن فيها غالبية عظمى كردية وأيضًا عرب ومسيحين وأقليات علوية وإيزيديين. يعتبر الأكراد عفرين جزءً مما يسمونه روج آفا. وتسيطر الإدارة الذاتية الديمقراطية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي على عفرين وشمال شرقي سوريا.

الهجوم الذي تشنه تركيا من أكثر من محور، والذي أسفر عن إعلان تركيا السيطرة على عفرين في 16 مارس/آذار 2018 عبر حدودها، تقول إنه استهدف وحدات حماية الشعب الكردية المتهمة بالتبعية لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا ضمن المنظمات الإرهابية. تسند تركيا شرعيتها في شن الهجوم على عفرين في إطار الدفاع عن النفس المشار إليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية آضنة التي تم توقيعها مع النظام السوري عام 1998.

تظهر الصور القادمة منذ بدأ الهجوم عشوائية وعدم تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية وحالات نزوح، الأمر الذي ينتج عنه تشكيل صراع كردي-عربي في سوريا. فمع تقدم تركيا والمعارضة السورية في عفرين، توترت الأجواء بين العرب والكرد. ففي حين يرى الأكراد حقهم في إدارة مناطقهم، يرفض معارضون سوريون ذلك بسبب مطالبة الأكراد بنظام فيدرالي يرون أنه بداية مشروع انفصال عن سوريا.

يربط محللون التقدم التركي في عفرين بتقدم النظام في غوطة دمشق وإدلب، حيث يرونها نتيجة توافقات ومقررات مؤتمر أستانة بين تركيا وروسيا. في حين أن موقف الولايات المتحدة والغرب غير واضح بخصوص عفرين، فالتحالف لم يبدِ أي استعداد أو مساعدة لحلفائه، قوات سوريا الديمقراطية. وهذا ما توقعه بعض المحللين، بما فيهم السفير السابق روبرت فورد عندما قال إن الكرد سيدفعون ثمنا لثقتهم بالولايات المتحدة.

يرجع دخول تركيا إلى عفرين بحسب تصريحات مسؤوليها إلى عدة عوامل، أولها خوف الحكومة التركية الحالية من الوجود الكردي على حدودها الجنوبية. كما ترى الحكومة التركية عفرين هدف سهل يمكن تحقيقه لمنع نمو حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، حيث لا يوجد في عفرين جنود أمريكيين، ولم تتدخل الحكومة الروسية في عملية غصن الزيتون. كما أن هزيمة تنظيم داعش فتحت الباب لإطلاق حملة غصن الزيتون دون هز العملية ضد داعش. بالإضافة إلى ما سبق، دفع خطاب الوزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، الذي حدد فيه خطة الإدارة الأمريكية وإمكانية دعم طويل المدى لقوات سوريا الديمقراطية، تركيا على التحرك.

من وجهة نظر رئيس المجلس السرياني الوطني، بسام سعيد اسحق، فإن وراء هجوم تركيا هو سياستها الداخلية ورغبة حزب العدالة والتنمية الحاكم وأردوغان بانتصار في سوريا ضد وحدات حماية الشعب الكردية، لاسترضاء القوميين الأتراك، ما يساعده وحزبه في تخطي الانتخابات القادمة في تركيا. ويضيف أن الهجوم التركي يعقب هزيمة داعش على يد قوات سوريا الديمقراطية، حيث يشعر أردوغان أن عليه أن يحقق نصرًا ضد هذه القوات كي يثبت زعامته للقوى السياسية الإسلامية في المنطقة”. لا ينفِ الكاتب السياسي والمعارض السوري، غسان المفلح، أن الشارع السوري بعد السنة الثانية من الثورة السورية بأكراده وعربه محمول بأجندات ليست سورية، فيقول “لن يكون للسوريين مشكلة في مستقبل سوريا، لكن شريطة أن يكون بدون بشار الأسد”. ويؤكد أن صراع عفرين يعمل على تفخيخ المنطقة بصراع عربي- كردي. وفي محاولة لفهم خلفيات الصراع الدائر حول عفرين يذكر المفلح، عاملين أساسيين، أولاً: غياب الحق الكردي السوري في الحقبة الماضية، قابله فشل المعارضة السورية بإدارة الملف السوري برمته، والقسم الكردي جزء منه. ثانياً: ممارسات حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي منذ بدء الثورة السورية، حيث اتخذ كل منهما موقف يصفه بـ “اصطفافي أقرب للنظام”. ويضيف المفلح بأن الهجوم التركي على عفرين هدفه تمديد تركيا لنفوذها، ويربط ذلك بصراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني، وأيضًا رغبة أردوغان بإيجاد عامل مساعد لمشروعه الرئاسي.

ينتقد المفلح دور المعارضة في المعركة ووقوفها لجانب تركيا، ويصف ذلك بـ “خطأ استراتيجي وتكتيكي معاً”، لأنه بإمكان ائتلاف المعارضة القيام بدور وسيط في طرح مبادرة تجنب عفرين الحرب. من وجهة نظره “حتى لو لم تعط هذه المبادرة ثمارها، لكنها تجعل المعارضة بمنأى عن صراع يقوداه طرفات تركيان” يقصد تركيا وحزب العمال.

إلا أن عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري، يحيى مكتبي، يرفض مقولة أن الهجوم على عفرين سيؤثر على العلاقات بين الأكراد والعرب، وهو موقف يتماشى مع موقف الائتلاف الداعم بشكل صريح لدخول تركيا إلى عفرين. مكتبي يرى أن هناك من يؤجج الصراع، لكنه يصفه بأنه صراع بين جهة “تؤمن بالثورة” وجهة “لديها مشاريع خاصة “، يقصد بالأخيرة القوات الكردية. مؤكداً، أن السلطة القائمة في عفرين المتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي طرف “إرهابي” ويتهم الحزب بأنه جهة تطمح “للانفصال”.

من جهة أخرى، يتحدث سياسيون وناشطون وفاعلون حقوقيون وصحافيون كرد، أن هجوم تركيا على عفرين ساهم في تأجيج الحقد والكراهية بين العرب والأكراد، فيقول الكاتب والصحفي مسعود عكو بأن معركة عفرين تخدم مشروع الحكومة التركية في الانتخابات القادمة. متهمًا تركيا بأنها تستخدم في معركتها في عفرين مقاتلين سوريين يحملون فكرًا “إرهابيًا” لزجهم في مواجهة الأكراد.

هناك العديد من الهواجس نتيجة العملية العسكرية التركية في عفرين، أخطر هذه الهواجس هو امتداد هذا الصراع الكردي- العربي، خاصة مع كم من الفيديوهات والصور التي يلتقطها مقاتلون في المعارضة السورية المسلحة، يظهرون أنفسهم في مواقف انتهاك وسرقة واعتداء على المدنيين، ما يشكل خطرًا على مستقبل سوريا. يصف مدير مركز الشام للدراسات الديمقراطية، أكثم نعيسة، أن الهجوم التركي مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على عدم جواز انتهاك سيادة دولة من قبل دولة أخرى. لكن سياسيًا يعيد نعيسة الهجوم إلى أنه “صفقة دولية إقليمية تهدف لتقسيم النفوذ داخل سوريا.” من المخاطر الأخرى التي يحملها هذا الصراع في عفرين في طياته هو تمزيق الصراع نسيج الاجتماع السوري، واظهار النزاعات الكامنة التي حذر منها الكثير من المحللون. يقول نعيسة أن الصراع في عفرين سيؤدي إلى أحقاد قومية بالفعل.

يخشى الأكراد من توطين عرب وتركمان في عفرين، خاصة مع حديث تركيا عن إعادة لاجئين سوريين لمناطق سيطرة قوات درع الفرات، فيقول مسعود عكو أن المعلومات القادمة من عفرين تتحدث عن توطين لاجئين عرب وتركمان في مناطق الأكراد.

كان يعيش في عفرين، قبل سيطرة تركيا وفصائل الجيش الحر عليها، نحو مليون مدني، بينهم نحو ربع مليون نازح سوري من محافظات أخرى. نتيجة الهجوم التركي، شهدت المدينة مئات الضحايا والجرحى، لا سيما بسبب أسلحة تركيا المتقدمة، وحاجة تركيا للتقدم بأسرع وقت ممكن. كما أن الكثير من سكان المنطقة نازحون من مناطق أخرى ولا يستطيعون العودة إلى بيوتهم الأصلية وليس لديهم منطقة أخرى يلجؤون إليها.

تتعقد الأوضاع في عفرين أمام مشهد الحرب والضحايا، وفرار المدنيين من ديارهم.  وتتباين الآراء حول كيفية الخروج من هذا المأزق، فبينما يرى غسان المفلح أن الحل يكمن في تسليم المدينة لمراقبين روس وفرنسيين وبريطانيين، مع إبقاء شرطة محلية ومجلس محلي من عفرين يدير الواقع حتى إيجاد حل سياسي لكل سوريا، معتبرًا أن ذلك يحتاج شجاعة من النخب السورية في البحث عن عمل مشترك. ويتفق معه يحيى مكتبي في أن تدار عفرين من أهلها. في حين يقول أكثم نعيسة أن الحل يكمن في مقاومة التدخل التركي وإيجاد حل سوري لا إقليمي أو دولي. وفي وسط كل هذه الآراء المتباينة يبقى مصير عفرين معلقاً على ميزان القوى الذي ستخلقه عملية غصن الزيتون بعد انتهائها، وقدرة كل طرف على استثمار هذا التوازن لصالحه.

اشترك في نشرتنا English

سردار ملادرويش

صحفي كردي من سوريا، يعمل في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة