فرص تركيا الضائعة مع اللاجئين السوريين

أكثر المتحمسين لفوز حزب العدالة في الإستفتاء على التعديلات الدستورية في 16 أبريل/نيسان هم السوريون، لكن حتى الآن لم يشعروا بتحسن وضعهم الإقتصادي على الإطلاق، كما أنهم لا يزالوا يشكون من الانتهاكات ضدهم، فقامت الدنيا ولم تقعد، مثلا، بعد خبر قيام موظفة إحدى المطاعم بسكب الماء الساخن على طفل سوري كان يقف خارج المطعم، فأُسعِف الطفل الى المشفى وفصلت الشركة الموظفة التي قامت بذلك. ولكن أُفرج عنها على الفور عند تدخل الشرطة حيث قالت أنها قامت بذلك تلبية لرغبة الزبائن. اُكثر البائسين في تركيا حاليا هم السوريون، فهم يعملون بطرق غير شرعية، وبأجور زهيدة لا تتناسب على الإطلاق مع مستوى المعيشة، سيما في مدينة إسطنبول، فهناك مئات العمال السوريين في القسم الاسيوي من المدينة يتقاضون رواتب لا تتجاوز 1500 ليرة تركية شهريا (مقارنة بالراتب المعدل في اسطنبول ب 1800 شهريا)، تكاد تكفيهم فقط من الكفاف، جميع هؤلاء العمال يحملون بطاقة الحماية المؤقتة التي تسمى “الكملك” ولا تخولهم هذه البطاقة العمل، ولا يسمح لهم التنقل على الإطلاق دون الحصول على اذن مسبق.

يوجد في تركيا قرابة 3 ملايين سوري غالبيتهم يحملون بطاقة الحماية المؤقتة هذه البطاقة لها فائدة محدودة كالتقديم على المساعدات الإنسانية التي تعطيها بعض المنظمات للفقراء، بالإضافة إلى السماح لحاملها بدخول المشافي وتلقي العلاج الطبي بشكل مجاني. لم يتغير وضع حامليها بعد الاستفتاء ولازالوا يعانون الأمرين من الاجراءات الروتينية التي تحد من تنقلهم.

يوجد في اقليم هاتاي الحدودي قرابة 380 ألف سوري، غالبية هؤلاء السوريين يعيشون على المساعدات الإنسانية وما يوفرونه من أجور عمل بطريقة غير قانونية يدفعونها على شكل إيجار للمنازل التي يقطنوها، ويتراوح إيجار البيت من 500 حتى 900 ليرة، والرقم الاخير يعتبر متوسط دخل العامل السوري في تركيا.

المتقدمون لنيل الجنسية التركية من السوريين بلغ قرابة عشرين ألف عائلة (80 ألف شخص) عدد كبير منهم رفض طلبه بالحصول على الجنسية التركية لأسباب امنية، ونسبة الرفض وصلت قرابة النصف تقريبا، حسب مصادر غير رسمية. هؤلاء هم أصحاب خيبة الأمل الكبيرة كونهم كانوا من أكبر الداعمين للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان. بيد أن منح الجنسية يعتمد أكثر على الشهرة أو الغنى، منح الرئيس أردوغان مؤخرا اسرة الطفلة السورية بانا العابد الجنسية التركية، وهناك العشرات ممن جاءهم عرض الجنسية كونهم من التجار والصناعيين وحتى ولو كانوا على تأييدهم للنظام السوري. ومدينة غازي عنتاب التركية أكبر شاهد على ذلك حيث أكد ناشط تركي منحدر من أصل سوري أن هناك مؤيدين للأسد تقدموا لنيل الجنسية. وقال الصحفي مختار فاتح على صفحته الشخصية فيسبوك، “خلايا الشبيحة النائمة أكثرهم ناشطون في مقاهي إستانبول (مقاهٍ اسطنبول)” كما نشر، في اشارة الى أن هناك العشرات ممن يؤيدون الأسد استفادوا من كل الاجراءات التي توفرها الإقامة السياحية في تركيا.

معايير التقدم لنيل الجنسية التركية هي معايير مادية فقط فمن يحمل إذن العمل والإقامة السياحية يمكنه بكل سهولة التقدم لعرض الجنسية التركية سواءا كان معارضا للأسد أو مؤيدا، “البارا” في اشارة إلى العملة هي التي يحدد إذا ما كنت صالحا لذلك أم لا.

لا يزال مئات السوريين في مدن الريحانية وأنطاكية وكرخان يقفون في طوابير طويلة أملا في الحصول على “كرتونة” المساعدات التي تمنع عنهم الفاقة على الرغم من وجود برامج شتوية تدعم اللاجئين مقدمة من الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى إلا انها لا تغطي إلا جزءا قليلاً من النازحين الفقراء.

دعمت غالبية السوريين حزب العدالة والتنمية كونه يقول أنه يؤيد السوريين وهو ضد بشار الأسد، ولأن السوريين يعتبرونه ممثل التيار المسلم في تركيا، إلا أن الاجراءات بعد الاستفتاء لا تزال بسيطة ويمكن وصفها بالخجولة، فكل ما يكلف الحكومة التركية مالاً هو غير محبذ من القوانين الروتينية، والعكس صحيح: لا يحق للسوريين حاملي “الكملك” التقدم للعمل أو التوظيف في منشآت حكومية، في حين تشغلهم المنشآت الخاصة برواتب متدنية دون تأمين صحي.

لجأ ابو الحسن الشاب السوري إلى اسطنبول للعمل فيها، لا يتقاضى أكثر من 1400 ليرة تركية شهرياً في حين أن مصاريف الايجار والفواتير تتجاوز 800 ليرة ويتبقى له ولطفله الصغير 600 ليرة يعيش فيها طيلة أيام الشهر، وهو يعمل دون تأمين صحي على الرغم من محاولته التقدم للحصول عليه، إلا انه حامل للكملك، ولا يحق له الحصول على “السيغورتا” (التأمين الصحي في تركيا) وهو يفكر ملياً الى أين سيذهب بعائلته، فتركيا جنة لكن ليس له وليس لطفله الصغير.

مايريده السوريون هو الحصول على حقوقهم كلاجئين وليسوا كضيوف، و أن يسمح لهم بالعمل في السوق التركية بطريقة قانونية تعطيهم حقوقهم وتمنع استغلالهم، عشرات العمال يوميا يتوجهون الى دوار “الكف” وجسر ضاحية “نارلجا” في اقليم هاتاي أملا بالحصول على عمل يومي وغالبا ما يكون هذا العمل شاق بأجور متدنية ويلجأ إليهم ارباب العمل الأتراك لكونهم سوريين، حيث لا عقود ولا تأمين صحي، وفي حال إصابة أحدهم فإن الطرد هو مصيره.

من ناحية أخرى لاتزال الحدود السورية التركية مغلقة بشكل كامل ولا يسمح لأي سوري بالدخول من باب الهوى أو معبر كلس ولا حتى من المعابر الانسانية في مناطق خربة الجوز واطمة، يوميا هناك ضحايا يموتون عند محاولتهم اجتياز الجدار الفاصل الذي بنته تركية مؤخرا على الحدود مع سورية، لكن من وجهة نظر أخرى يعيش السوريون في تركيا بكرامة دون أي اعتداء عليهم في حين أن بقية دول الجوار التي تستضيف لاجئين تعامل اللاجئين بطريقة مشينة للغاية.

وقد تفوت تركيا فرصة لتحسين وضع السوريين والبلد في نفس الوقت، حيث ذكرت الأمم المتحدة في تقرير مؤخر، أن اللاجئين السوريين في مصر ساهموا في الاقتصاد المصري ما يساوي 800 مليون دولار أمريكي منذ 2011، وعددهم لا يتجاوز 120 ألف لاجئ، ويواجهون تحديات مماثلة بما يواجهه السوريون في تركيا لكن اللغة ليست مشكلة، ما يعني أن مساعدة اللاجئين على الاندماج تساعد البلد برمته، وأن السوريين قد يلعبوا دورا مهما في دعم تركيا وتعزيز اقتصادها إذا مُنحت لهم الفرصة.

اشترك في نشرتنا Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

الدور الأمريكي الغائب في عراق ما بعد داعش

تسير المعارك في العراق ضد تنظيم داعش على قدم وساق بوتيرة مرتفعة، رغم التكلفة العالية للأخطاء البشرية، والتي أودت بحياة المئات من المدنيين في الموصل

أبعاد ومآلات الصراع بين الفصائل في الغوطة الشرقية

لا يبدو أن المعارك الجارية بين أطراف المعارضة المتقاتلة ستهدأ، حتى والنظام وحلفاؤه يتقدموا نحو الغوطة. في 28 أبريل/نيسان 2017، شنّ جيش الإسلام هجوماً واسعاً على مقرات هيئة تحرير الشام

رائد الصالح يتحدث عن أصحاب الخوذ البيضاء

قامت مدونة مصدر سوريا بعمل مقابلة مع رائد صالح رئيس الدفاع المدني السوري، المعروف إعلامياً بـ أصحاب الخوذ البيضاء، للحديث عن الحملة المستمرة ضد الدفاع المدني السوري، والمناطق الآمنة، وكيف أثرت الستة أشهر الماضية على الدفاع المدني السوري

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط