المأزق التركي مع اقتراب الحرب السورية من فصلها الأخير

جنود أتراك يشاركون في تدريبات على الحدود التركية-السورية.

إن العمل الروسي والأمريكي في سوريا يتعارض بشكل جذري مع المصالح التركية، حيث أن اللاعبين الدوليين قاما بدعم وحدات حماية الشعب، الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بشكل يلحق الأذى بتركيا. وتعد وحدات حماية الشعب هي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وهو جماعة منشقة، قاتلت الحكومة التركية، في البداية من أجل الاستقلال الكردي، ولاحقا من أجل الاستقلال السياسي.

في العشرين من مارس/آذار، قال ريدور خليل لرويترز أن روسيا قامت بتأسيس قاعدة في عفرين “للمساعدة في تدريب وحدات حماية الشعب على الحرب الحديثة، ولبناء نقطة مباشرة للاتصال بالقوات الروسية.” وقامت روسيا بإصدار توضيح تقول فيه أن هذا الانتشار كان بهدف مراقبة وقف إطلاق النار المدعوم من تركيا، بين وحدات حماية الشعب والجماعات المدعومة من تركيا. إلا أن هذا البيان يتنافى مع الإطار الذي وضعته أنقرة للصراع في هذه المنطقة، وتهديداتها المتكررة، باستخدام القوات الحليفة في المنطقة لأخذ الأراضي من وحدات حماية الشعب.

قدمت روسيا الدعم لوحدات حماية الشعب في هذه المنطقة، وكان الدعم الأكثر علانية حين قامت قوات روسيا الجوية بقصف مواقع لمتمردين موالين لتركيا، لتسهيل مهمة وحدات حماية الشعب في السيطرة على تل رفعت في بداية عام 2016؛ وجاء الدعم الروسي لوحدات حماية الشعب في الشهور التي تلت إسقاط القوات الجوية التركية لطائرة سخوي سو- 24. الدعم الثاني، والذي أثر على التقدم في تل رفعت، كان في تقويض الجهود المدعومة من الولايات المتحدة، لتدريب وتسليح وحدات صغيرة تتكون من الأغلبية العربية، مهمتها التعاون مع الجماعات المدعومة من تركيا، للمضي قدما من مارع واعزاز إلى الفرات، لغلق “جيب منبج”. يعزى فشل برنامج الولايات المتحدة للتدريب والتسليح إلى جماعات التدريب والتسليح التي تقدم السلاح لجبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة في سوريا. إلا أن البرنامج ظل يترنح حتى التدخل الروسي، الذي تزامن مع هجوم تنظيم داعش لطرد الجماعات بالمنطقة. هذه الأحداث المتشابكة دفعت الولايات المتحدة لدعم قوات الدفاع السوري، للتحرك نحو غرب الفرات، في خرق واضح لخطوط أنقرة الحمراء. علاوة على ذلك، وعقب صراع منبج، فالمجلس الذي ترك فيها بالرغم من أنه متنوع عرقيا، إلا أنه على صلة بوحدات حماية الشعب – ومن ثم فهو جزء من تكوين حزب العمال الكردستاني.

دفع تداعي الأحداث تركيا لإرسال قواتها عبر الحدود، للسيطرة على مدينة الباب، وهي مدينة تبعد عن الحدود التركية حوالي 40 كيلو متر، وقد تم تنسيق العملية، والتي أطلق عليها اسم درع الفرات، مع روسيا، الأمر الذي تطلب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إصلاح الأمور مع موسكو، عقب شهور من التوترات بسبب إسقاط الطائرة سوخوي سو-24. من جانبها شددت موسكو الضغط على تركيا، أثناء المفاوضات بشأن الإخلاء القسري لشرق حلب. بالنسبة لموسكو، فإن الهدف كان إعادة تشكيل المعارضة السورية لخلق ظروف تناسب النظام السوري، ولم تكن بالمهمة الصعبة. فالمعارضة التي تتشكل من الأغلبية العربية ممزقة وضعيفة وغير منظمة وفاسدة، ولها صلات مع بعض العناصر الجهادية. كان الدعم الفعال من قبل تركيا لاتفاق حلب المفروض من روسيا عاملاً مساعدا لتغيير مسار الصراع الأهلي في سوريا. بالنسبة لتركيا، فهي قلقة من التمكين المتزامن لتنظيم القاعدة في إدلب، وسقوط حلب الذي لا مفر منه، مما دفعها للسعي إلى نقل عناصر من المعارضة إلى أراضي منطقة الفرات؛ كان الهدف ذو حدين: أولا، التغلب على نقص العناصر البشرية اللازمة للحفاظ على عملية درع الفرات، ثانيا، إنقاذ الثورة السورية عبر تحويل وجهة قتال المعارضة من النظام إلى تنظيم داعش، حيث أن الحرب مع الأخير يلقى دعماً دوليا أكبر، ولإجبار جماعات إدلب على الانفصال عن حلفاء تنظيم القاعدة في سوريا.

هذا التحرك بالتوازي مع المفاوضات الروسية التركية في عملية الأستانة، يعد جهداً ثلاثياً مع إيران، لتطبيق وقف إطلاق نار يشمل كافة البلاد. لم تكن الولايات المتحدة مشاركة بشكل مباشر، بالرغم من أن تركيا قامت بإفادة الجهات المعنية في واشنطن بالتطورات على الساحة وأهداف المحادثات. تبين أن عملية الأستانة ساعدت في تسهيل مهمة روسيا، لتشكيل النتائج في سوريا بطرق لا تتناسب مع المصالح التركية. في أثناء الإعداد لاجتماع الأستانة، الذي انعقد في يناير/كانون الثاني 2017، توصل الثلاثة أطراف إلى اتفاق حول وقف إطلاق نار يشمل كافة البلاد. بالفعل جمد اتفاق وقف إطلاق النار خطوط الصراع في أغلب البلاد، فيما عدا المناطق التي تقع تحت سيطرة تنظيم داعش، بما في ذلك ضواحي مدينة الباب، حيث تعثرت القوات المدعومة من تركيا في درع الفرات، في محاولة استمرت شهراً كاملاً، لاستعادة السيطرة على المدينة من التنظيم.

لعبت روسيا على الجانبين في هذا الصراع، فهي منحت دعماً غير مباشر للجهود التركية، بينما جمدت خطوط صراع المعارضة والنظام، لتمنح النظام فرصة للتركيز على جبهة واحدة في مدينة الباب. قصفت الطائرات الروسية أهدافاً في جنوب وشرق المدينة، وكانت النتيجة هي تسهيل تحرك قوات النظام للسيطرة على تادف، الواقعة في مدينة الباب، ثم المضي قدما للسيطرة على الضفة الغربية من نهر الفرات. بعدها توصلت روسيا إلى اتفاق مع قوات الدفاع السوري في منبج، لتحريك قوات النظام والقوات الروسية نحو شريط ضيق في غرب أريما. تحركت الولايات المتحدة، كجزء من قوات ردع، بشكل منفصل لوضع قواتها على طول نهر ساجور؛ هذان التحركان تسببا في منع أي تمدد نحو الشرق، في الأراضي التي تقع تحت السيطرة التركية، مما حول منطقة اعزاز وتل رفعت إلى جبهتين مفتوحتين أمام أي هجوم مدعوم من تركيا. إن إعلان وحدات حماية الشعب عن الدور الروسي المباشر في المنطقة (وتأكيدات روسيا بأن ذلك كان جزءً من اتفاق وقف إطلاق النار الشامل) يبدو بأنه جزء من جهود أوسع، لردع أي تمدد نحو الغرب للأراضي التركية في سوريا. في ذات الوقت، وفي شمال الرقة، تواصل الولايات المتحدة دعمها لقوات الدفاع السوري، وتشير كل المؤشرات إلى أنه من المتوقع شن هجوم مشترك بين الولايات المتحدة وقوات الدفاع السوري، لطرد داعش من المدينة في وقت قريب.

إن نتائج التحركات الروسية والأمريكية جاءت بعواقب وخيمة على تركيا؛ أولاً، فإن أنقره تشرف على برنامج تدريبي للقوات على أراض تحت سيطرتها في سوريا، والآن، فإن هذا البرنامج يقوم بإيجاد رجال في منطقة غير مسموح بمزيد من التمدد فيها. سيواصل شمال حلب، تحت الحماية التركية، في تطوير بنية حكم مستقل، وتعزيز نقل السلطة للمناطق في سوريا عقب انتهاء الصراع. إلا أن هذه النتائج تتنافى مع السياسات التركية المعلنة، والتي تبدي قلقا بشأن استقلال الأكراد في شمال سوريا؛ ومن ثم، فإن لتركيا أهدافاً عسكرية وسياسية متباينة في سوريا.

ثانيا، عقب سقوط الرقة، سيتحول انتباه الولايات المتحدة إلى وادي نهر الفرات وخيارات الاستقرار، يستمر الجدل في واشنطن حول كيفية إحلال الاستقرار في الرقة، لكن هناك بعض الشك في أن وحدات حماية الشعب، بوصفها القوة المتغلبة في المنطقة، ستتحكم في شبكات الحماية الهامة، مما سينتج عنه تعميق بنية حزب العمال الكردستاني المترابطة في الشمال الشرقي في سوريا، وهي نتيجة تتعارض مع مصالح تركيا.

ثالثا، سيواصل النظام، بمساعدة روسيا، السير نحو الشرق إلى دير الزور، وسيصل إلى الفرات؛ وبناء عليه، لابد أن تتوقع قوات الدفاع السوري أنها ستتفاوض مع النظام، في محاولة مستميتة للوصول إلى أهدافها الأوسع لتحقيق اللامركزية. بالرغم من أن روسيا والولايات المتحدة لهما موقفان متعارضان في سوريا، إلا أنهما أشارتا إلى رغبتهما في إحلال اللامركزية في الدولة السورية، من أجل المساعدة في استقرار البلاد. وأي خطوة للاعتراف بما هو كائن في الواقع في شمال شرق سوريا – من حكم وحدات حماية الشعب – يتعارض مع المصالح التركية.

رابعا، تتويجا لهذه النتائج، سيكون هناك اعتراف بشرعية وحدات حماية الشعب، بوصفها لاعب في الساحة السورية معترف به، مما سيسمح للجماعة بكسب مزيد من القبول الدولي، وسيؤدي إلى وجود، بحكم الأمر الواقع، لحزب العمال الكردستاني، خاصة في أوروبا، حيث تقوم الجماعة بجمع المال من الأكراد في الشتات لدعم هذه المنظمة.

هذه النتائج الأربعة المتشابكة تشكل الأزمة الأمنية الأكبر بالنسبة لصناع القرار السياسي في تركيا منذ الحرب العالمية الثانية. من المنظور التركي، فإن التهديد يتجاوز تلك التهديدات التي شكلتها حربي العراق الأولى والثانية، والتي ساعدت في ولادة الحكومة الكردية الإقليمية. روسيا ليست حليفاً لتركيا، لكن تركيا امتنعت عن الهجوم المعلن على روسيا، لأن صناع القرار السياسي هناك يريدون إرسال رسالة إلى واشنطن بأن لديهم خيارات؛ إلا أن الأحداث الأخيرة في سوريا توضح أنه هناك حد لهذا الطرح، وفعالية الضغط القسري لإجبار أنقرة على الاستسلام لنتائج على خلاف مع مصالحها الخاصة في سوريا. هناك طريق لإصلاح الأمور بين الولايات المتحدة وتركيا، لكنه يتطلب تأرجح بقوة في ظل سياسة فوضوية تورط واشنطن في محادثات سلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. على أقل القليل، على واشنطن التفكير في عرض الدعم على تركيا لتأمين الحدود، بما في ذلك المراقبة المشتركة بالطيران بطيار وبدون طيار على طول الحدود، لردع المناوشات عبر الحدود.

بلغ الصراع الأهلي السوري عامه السابع، وهو يقف حائلاً دون تحقيق تركيا لمصالحها، وتقف أنقره على خلاف مع أهم طرفين خارجيين في الصراع، ولديها نقاط قليلة للتأثير على مستقبل سوريا القريب. العواقب كبيرة، إلا أن تركيا لديها أدوات قليلة لتغيير الأحداث المتسارعة في سوريا.

Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط