دور المجتمع المدني التونسي في حفظ السلام الداخلي

دور المجتمع المدني التونسي في حفظ السلام الداخلي

 اشترك في نشرتنا 

سبع سنوات مضت على هروب الحاكم الأوتوقراطي زين العابدين بن علي، واليوم أفضل ما يميز المجتمع المدني التونسي هو تمتعه بالشجاعة المطلقة. إنها ليست شجاعة عمياء أو رعناء، لكنها جادة ومحسوبة. ما بدأ كحركة شعبية مكونة من أفراد نزلوا إلى الشوارع لطرد الديكتاتور، بدأ ينظم نفسه تدريجيا ليتشكل في هيئة منظمات غير ربحية وأحزاب سياسية. هناك حوالي 11400 منظمة مجتمع مدني تشكلت عقب الثورة في عام 2011. هذه المنظمات تعمل في كل المجالات بدءًا من الحوكمة والمحاسبة في القطاع العام، مثل البوصلة، وحتى حماية حقوق الأقليات مثل منامتي. لحسن الحظ، وعلى عكس الحكومة، فإن هذه المنظمات تجوب البلاد أيضا. منظمة أخرى وهي آي ووتش، تعمل على مكافحة الفساد في أنحاء تونس الأربعة، ولديها مكاتب عدة في مختلف مناطق البلاد. وبما أن الاحتجاجات انفجرت للتعامل مع المصاعب الاقتصادية، فمن الجدير بالذكر الإشارة إلى تطور ونمو منظمات المجتمع المدني في تونس منذ ثورة عام 2011، والتي لعبت دورًا حيويًا في ديمقراطية الدولة، ومثلت ركيزة أساسية في المجتمع التونسي.

إن تأثير المجتمع المدني يصعب زعزعته لأنه فعال، والحكومة تسمع له – أغلب الوقت. على سبيل المثال، حين قررت حكومة الإمارات العربية المتحدة منع دخول النساء التونسيات في بداية يناير/كانون الثاني، لم تقف منظمات المجتمع المدني مكتوفة اليدين. تم الضغط على الحكومة بشدة ومن ثم ردت على القرار بحظر الطائرات الإماراتية من الهبوط على الأراضي التونسية. مثال آخر، حين قامت منظمات حقوق الإنسان بالمطالبة بإلغاء الفحص الإجباري الذي يضطهد مجتمع المثليين جنسيًا، حيث قبلت الحكومة بشكل رسمي توصيات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي بحظر هذه الممارسة المسيئة في تونس. أما المثال الأهم فهو اللجنة الرباعية للحوار الوطني التونسي، وتتشكل من أربعة منظمات للمجتمع المدني، عملت على انتشال البلاد من الأزمة السياسية في عام 2013 من خلال بناء توافق بين المجموعات السياسية. إذ أن الرباعية مهدت الطريق لانتقال سلمي عبر التوفيق بين المجموعات لكتابة مسودة لدستور جديد والبدء في التخطيط للإصلاحات. فازت اللجنة بجائزة نوبل للسلام في عام 2015 تقديرًا لجهودها.

على الرغم من ذلك، فإنه، ومنذ عام 2013، بدأت المساحة المدنية في التقلص بشكل كبير. في 16 يوليو/تموز 2014، قامت السلطات الحكومية بتجميد أكثر من 157 منظمة مجتمع مدني بتهمة تمويل الإرهاب. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، قامت الحكومة بحل أكثر من 198 منظمة وأرسلت باخطارات لـ 947 منظمة أخرى، محيلة إياهم إلى المحاكم بتهم “مخالفات مالية” أو “تلقي تمويلات أجنبية لدعم الإرهاب”. كان النشاط الأساسي لأغلب المنظمات التي تم إغلاقها هو تقديم الإعانة والإغاثة للأيتام والمعاقين.

ما يبعث على المزيد من القلق هو موجة الاعتقالات والمحاكمات لنشطاء من مختلف الحركات الاجتماعية. اليوم، فإن قلب ما يسمى بالربيع العربي يعاني من صعوبات اقتصادية، لذا فإن منظمات، خاصة من منتدى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بدأوا في الاحتجاجات ضد هذه المصاعب الاقتصادية منذ حوالي سنة. بدأت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في 7 يناير/كانون الثاني، عقب إعلان الحكومة عن زيادات في الضرائب وخفض الدعم في ميزانيتها لعام 2018. وصلت الاحتجاجات إلى قمتها في الأسبوع المنصرم مع ذكرى الثورة في 14 يناير/كانون الثاني. بينما سارع الإعلام العالمي لتغطية هذه الاحتجاجات، بل وبالغت في ذكر حجمها في بعض الأحيان، إلا أن التظاهرات لا تقارن بالحشود الغفيرة في عامي 2010-2011. علاوة على ذلك، فإن الاحتجاجات، وعلى عكس احتجاجات 2010-2011، تم تنظيمها بالأساس من قبل الأحزاب السياسية المعارضة احتجاجًا على سياسات محددة للحكومة.

جرت المسيرات في عشرة مناطق مختلفة على الأقل، بما في ذلك العاصمة تونس. بدأت الاحتجاجات سلمية لكن اندلعت بعض الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. وفقا لوزارة الداخلية، فإن سلطات إنفاذ القانون اعتقلت أكثر من 806 متظاهر، مما تسبب في انتقادات من قبل المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أخرى. أصدرت المفوضية بيانا تدين فيه الاعتقالات وتطالب السلطات “بالتأكد من أن الاعتقالات لا تتم بشكل تعسفي، وأن المحتجزين يتم معاملتهم بالاحترام الكامل المكفول وأن يتم توجيه اتهام لهم أو إطلاق سراحهم بشكل فوري.” هناك حالة وفاة واحدة بين المتظاهرين لشخص اسمه خميسي اليرفيني. يبدو سبب الوفاة غير واضحًا، حيث أن رفقائه من المتظاهرين يقولون بأنه ربما تم دهسه من قبل سيارة شرطة، بينما تنكر السلطات ذلك وتدعي أنه مات على إثر اختناق بسبب الزحام. قامت السلطات بالقيام بالتحقيق، إلا أن نتائج التحقيق لم تظهر بعد.

بصرف النظر عن مطالب المحتجين الجوهرية، فإنه من المهم للحكومة أن تعي أن تونس لم تكن لتصبح على ما هي عليه الآن لولا يقظة المجتمع المدني وعمله. إن الفضل يعود إلى منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال والأحزاب السياسية ومنظمات أخرى غير ربحية في أن تخرج البلاد من ثورة 2010-2011 إلى وضع مستقر. لقد قامت هذه المجموعات بإعادة التواصل بين المواطنين والدولة والمجتمع في فترة انتقالية، داعمة الاستقرار السياسي ومقللة من احتمالية تجدد الصراع. بناء على ذلك، فإن دور المجتمع المدني في تونس لا يمكن أن يتم التقليل منه، وخنق حريته في التعبير من خلال الاعتقال والاحتجاز للمتظاهرين يعرقل – إن لم يكن يوقف – ديمقراطية البلاد الانتقالية.

اشترك في نشرتنا English

وفاء بن حسين

محامية وخبيرة في شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Access Now.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة