تونس في حاجة إلى اللامركزية

محتجون أمام منزل أحد الاشخاص الذي سقط قتيلاً بعد ان صدمته أحد سيارات الشرطة خلال مظاهرة تطالب بالوظائف في تطاوين. رويترز 23 مايو 2017.

إليسا ميلر وإميلي تشاك دوناهو

بعد حوالي عام من تنصيب يوسف الشاهد رئيسا للوزراء التونسي، لم يتغير إلا القليل لدفع عجلة الديمقراطية التونسية للأمام. تعتبر الانتخابات المحلية مكوناً رئيسياً من مكونات العملية الانتقالية للبلاد ودستور 2014. ومن الأهمية بمكان منح السلطة للبلديات في سياق إعطاء مزيد من المسئوليات والقدرة على محاسبة المسئولين الحكوميين المحليين. بالرغم من أن انتخابات المجالس البلدية تم تحديد موعدها في ديسمبر/كانون الأول، وفي غياب واضح لإطار من أجل تحقيق اللامركزية، فإن الانتخابات وحدها من غير المنتظر أن تؤثر على تطور الحكم المحلي، إلا أن هذه الانتخابات تظل خطوة هامة بالنسبة لحكومة الشاهد لتجنب تعثر العملية الانتقالية، وتُظهر التزام الحكومة في دعم بنية الحكم الديمقراطي.
  
إن الاضطرابات الداخلية الأخيرة تؤكد احتياج تونس، عقب ست سنوات من الثورة، إلى إصلاح في بنى الحكم المحلي ونقل المزيد من السلطة للمحليات. إن معدلات النمو البطيئة ونسبة البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب، في المنطقة الجنوبية الداخلية عقب سنوات من التهميش والإقصاء، قد فشلت الحكومات عقب الثورة في التعامل معها. على سبيل المثال، فالشباب المتظاهر في محافظة تطاوين، طالبوا الحكومة بالاستثمار في التنمية والتوظيف، وكانوا يسعون لاستخدام الموارد الطبيعية للمنطقة لدعم مطالبهم عبر وقف إنتاج ونقل النفط والغاز.

في استطلاع رأي قام به مؤخراً المعهد الجمهوري الدولي، قالحوالي 70% من العينة المنتقاة أن الحكومة لا تنتهج سياسات تساعد الشباب في النجاح، و80% اعتقدوا بإن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. إن وجود مجالس محلية لها سلطات فعالة سيمكن من المحاسبة عن الأولويات لدى المواطن التونسي وسيجعل الأمر أفضل في مواجهة سياسات التنمية الهامة على المستوى المحلي.

كما أن المكاسب بعيدة المدى للانتخابات المحلية هامة بالنسبة لعملية الانتقال التونسية؛ يمكن للانتخابات أن تعلب دوراً هاما في مساعدة المواطن على الانخراط في الشأن المحلي، ويمكن أن تساهم في تطوير طبقة سياسية جديدة قوامها من الشباب التونسي، حيث أن أحزابا ومرشحين جدد يظهرون على المستوى المحلي. إن المشاركة في الحكم المحلي سيسمح للشباب التونسي مع الخبرة والتدريب للانخراط أخيرا في الشأن الوطني. كما أن تطوير طبقة سياسية جديدة هو أمر حيوي من أجل استمرار عملية الانتقال الديمقراطي التونسية، حيث أن العملية السياسية الآن تظل تحت هيمنة اللاعبين الأقوياء، والذين لديهم مصلحة في استمرار الوضع الحالي.

بالرغم من أن الحاجة ملحة لتونس كي تنخرط في عملية اللامركزية، إلا أن حكومة الشاهد والرئيس باجي قائد السبسي قد منحوا الأولوية لأشياء أخرى خلال العام الماضي. أولى هذه الأولويات هي الحرب على الفساد التي أعلنها الشاهد في مايو/أيار الماضي، في وسط اعتقالات للعديد من رجال الأعمال البارزين. قدم الشاهد حملته ضد الفساد كقضية شبه وجودية بالنسبة لعملية الانتقال التونسية قائلا “هي حرب وليست معركة… وهي هامة بشدة للاقتصاد التونسي ولأمن البلاد.” والحقيقة أن الفساد يشكل تهديداً فعلياً للعملية الديمقراطية التونسية الوليدة، إلا أن دعم الحكومة لمشروع المصالحة الاقتصادية المثير للجدل يثير تساؤلات حول دوافعها. قدم السبسي المشروع، والذي يشمل عفوا عن مسئولين متهمين بالفساد في عهد بن علي إذا ما قاموا بدفع المال الذي سرقوه بشكل غير قانوني، كسبيل لمساعدة اقتصاد البلاد المتعثر في التعافي. كان هذا التشريع، والذي قدم لأول مرة في عام 2015، قد تعرض لانتقادات واسعة النطاق واعتراضات من التونسيين القلقين بشأن منح المسئولين الفاسدين السابقين خروجا آمنا.

وبالرغم من أن التعامل مع قضية الفساد المتفشي هو أمر هام دون شك، إلا أن الحكومة عليها ألا تنحي جانباً أهمية وضع قوانين انتخابية تؤسس لإطار قانوني واضح للانتخابات البلدية. إن البلديات التونسية والتي يبلغ عددها 264 يحكمها قانون 1975، والذي لا يمنحهم أي استقلال إداري أو مالي. هناك أقل من 50% من البلديات لديهم القدرة على التمويل الذاتي. وبالرغم من أن لهم سلطة جمع الضرائب المختلفة، خاصة في قطاع الأعمال والممتلكات، إلا أن عائدات الضرائب غير ذات أهمية نظرا لعدم قدرتهم على إنفاذها. وفقا لاستطلاع المعهد الجمهوري الدولي، هناك 65% من التونسيين غير راضين عن تقديم الخدمات مثل الكهرباء والمياه وإدارة النفايات والمواصلات العامة في بلدياتهم، وهناك نسبة 2% فقط يثقون في بلدياتهم في توصيل الخدمات.

وضع دستور 2014 النوايا لإضفاء الطابع اللامركزي للحكومة في المادة 8، حيث تطالب المادة بتعزيز الحكومات المحلية، لكنها فشلت في وضع إطار قانوني محدد لآلية تنفيذ اللامركزية أو التنسيق بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية في تقديم الخدمات. على سبيل المثال، هناك قطاعات هامة مثل التعليم والصحة تحتاج إلى مسئولين ذوي خبرة عالية، وهم في الغالب متمركزين في العاصمة، لتنظيم هذه الخدمات. إن التنسيق بين البلديات والحكومة المركزية أمر حيوي للتأكد من أن اللوائح تلبي احتياجات وتوقعات المواطن التونسي.

في ظل غياب إطار للانتخابات المحلية وتنفيذ عملية اللامركزية، فإن الحكومة ليس لديها سوى خيارين: إما أن تؤجل الانتخابات (والتي تم تأجيلها بشكل متكرر قبل ذلك)، أو المضي قدما في إجرائها في إطار أهمية البدء في عملية إحلال اللامركزية.

من غير المتوقع أن يرى التونسيون هيكلاً مقنناً يحدد مسئوليات واضحة للحكم المحلي قبل انتخابات ديسمبر/كانون الأول. ويمكن لعدم اليقين هذا أن يؤدي إلى مشاركة منخفضة في الانتخابات. حين تم فتح الباب لتسجيل الناخبين في يونيو/حزيران الماضي، لاحظ المراقبون من الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات (عتيد) وجمعية مراقبون أن هناك إقبال ضعيف إلى جانب غياب الوعي. يقول نبيل بافون، العضو في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات “على الأقل هناك 3.4 مليون مواطن لديهم حق التصويت لم يسجلوا كناخبين.” مشاركة الناخبين قد تكون منخفضة أيضا بين الشباب، فحوالي 60% من التونسيين قالوا في استطلاع المعهد الجمهوري الدولي أنهم لا يعرفون أي حزب من الأحزاب سيدعمون في الانتخابات المحلية، وهناك 40% من الشباب بين سن 18 و34 سنة قالوا بأنه من غير المنتظر أن يصوتوا في الانتخابات القادمة بسبب انعدام الأمل. إضافة إلى ذلك، فإن استقالة رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات شفيق صرصار في مايو/أيار، والتي سبّبها بعدم القدرة على العمل بشكل محايد وشفاف، تثير تساؤلات حول القدرة على مراقبة الانتخابات التي ستحل في ديسمبر/كانون الأول بشكل فعال.

يفتقر التونسيون حالياً إلى الحافز للمشاركة في انتخابات ديسمبر/كانون الأول، وفي ظل غياب إطار قانوني لتفعيل اللامركزية، تظل ماهية ما سوف يصوتون عليه غير واضحة. إلا أن قرار تأجيل التصويت لا يعد حكيماً، فالتصويت عنصر هام في عملية الانتقال الديمقراطي التونسي. وفي حال التأجيل يمكن أن تنخفض نسبة المشاركة الانتخابية المتوقعة أكثر، مما قد يفجر ردة فعل شعبية ضد الحكومة، حيث تبدو للرأي العام، وبشكل متزايد، حكومة تعطي وعوداً واهية للإصلاح الاقتصادي والسياسي. علاوة على ذلك، فإن أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يقولون أن التأجيل سيكون له مردود سلبي على التخطيط للانتخابات الوطنية في عام 2018.

بدلا من تأجيل الانتخابات المحلية، على الحكومة، في خلال الشهور القادمة قبل ديسمبر/كانون الأول، العمل على تطوير على الأقل إطار جزئي لعملية إحلال اللامركزية والتي يمكن تطبيقها وتوسيعها عقب التصويت، من أجل التأكيد على أن المسئولين المحليين سيتولون مهامهم بمسئوليات واضحة. مثل هذا الجهد هام من أجل التعامل مع اليأس الذي تمكن من الناخبين، كما يبني الثقة بين السكان في مؤسسات الدولة الحاكمة. الأهم، هو أن عملية إحلال اللامركزية الفعالة في تونس ستلعب دورا كبيرا في التأكيد على الاستقرار والانخراط السياسي على المدى البعيد.

اشترك في نشرتنا Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة