طريق ملتبس: هل يقدم مؤتمر تونس 2020 وصفه لمعالجة الأزمة الاقتصادية؟

مضت تونس على خطى جاراتها في الإقليم، فبعد اعتماد خطوتي برنامج الإصلاح الاقتصادي ذو النهج التقشفي، والاتفاق على قرض من صندوق النقد الدولي، استضافت العاصمة التونسية المؤتمر الاستثماري “تونس 2020″، والذي عقد يومي 29 و30 نوفمبر من العام الجاري 2016، بهدف تقديم تونس كوجهة استثمارية للعالم في المرحلة المقبلة.

ولعل ما يثير القلق هو أن المؤتمر يأتي في ظل بيئة محلية مضطربة، فما زالت أزمات العمل مشتعلة، وعلى الأعتاب دعوات إضراب الوظيفة العمومية، علاوة على تصاعد حالة عدم الرضا عن الإجراءات التقشفية، والتذمر المجتمعي من إدارة الحكومة للأزمة الاقتصادية، إذ يبدو وكأن الحكومة الحالية لا تبدع حلول محلية تختص بأزمة تونس، بل تسير على سيناريو اعتيادي لا ينفصم عن الوضع الإقليمي.

مؤشرات الأزمة

يوصف أداء الاقتصاد التونسي خلال السنوات الخمس الأخيرة بالضعف، لا سيما في ظل ما يحيط به من مخاطر أمنية؛ تتمثل في تصاعد العمليات الإرهابية داخل تونس، علاوة على التوترات الأمنية بالإقليم، وأيضاً مخاطر اقتصادية؛ والتي تتمثل في تراجع النمو الاقتصادي لدي الشريك الخليجي، وتباطؤ النمو في الشريك الأوروبي، علاوة على تباطؤ نمو التجارة العالمية. بالإضافة إلى مخاطر اجتماعية؛ تتمثل أبرزها؛ في تصاعد البطالة، وعدم المساواة، والفقر وتعثر الحوار المجتمعي. وتتجلي ملامح ضعف الأداء الاقتصادي التونسي من خلال تراجع بعض المؤشرات الكلية الحيوية خلال عام 2015، والتي تتمثل فيما يلي:-

أولاً: تراجع معدلات النمو الاقتصادي، فقد انخفض معدل نمو الاقتصاد التونسي إلى 0.8% في عام 2015 مقابل 2.3% عام 2014، وهو فرق ضخم انعكس في تراجعات حادة في عدد من قطاعات الاقتصاد، أبرزها الصناعات التحويلية والتعدين والسياحة، بينما تراجعت استثمارات رأس المال الثابت بنسبة 4.5 % عام 2015، مقابل زيادة بلغت 1.2 % العام السابق. على جانب آخر ظل الاستهلاك المحلي منتعشاً، وتزايد بنسبة 10.1%، وهو ما يشي بوجود طلب فعال يجذب المنتجين على رفع إنتاجهم.

هذا، وقد ظل التراجع مستمر خلال النصف الأول من 2016 في بعض القطاعات، فانكمش قطاع الزراعة وصيد الأسماك بنسبة 2%، والصناعات غير التحويلية بنسبة 0.8%، علاوة على تراجع أعداد السائحين بنسبة 25% جراء الحوادث الإرهابية، فيما ظلت القيمة المضافة للأنشطة التجارية على حالها، في حين شهدت الصناعات التحويلية تحسن طفيف.

ثانياً: اختلال أداء الموازنة العامة للدولة، فقد شهد عام 2015 ارتفاع في عجز الموازنة العامة للدولة ليصل إلى5.5% مقابل 4.3% العام السابق، ويتوقع البنك الدولي، بعد اعتماد برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتخفيض فاتورة الأجور للموظفين العمومين، وتوسيع الوعاء الضريبي، أن عجز الموازنة سينخفض إلى 4.6% في عام 2016، علمًا بأن الحكومة تسعى للوصول إلى نسبة عجز 4% وفقًا لشروط القرض المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي مؤخرًا.

ثالثاً: ارتفاع الدين العام، شهدت نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعًا ملحوظًا، خاصة مع توسع الحكومة في الاقتراض الخارجي، وقد بلغت 53.2 % في عام 2015 مقابل 49% العام السابق، بينما من المتوقع أن تستمر في الارتفاع إلى أكثر من 54% خلال عامي 2016 و2017.

رابعاً: استمرار العجز في ميزان الحساب الجاري، سجل عام 2015 عجزًا في الحساب الجاري بلغ 8.9%، مقابل عجز أكثر قليلاً في العام السابق له بلغ 9.1%. وفي السياق ذاته، تراجعت الصادرات خلال عام 2015 بنسبة 6.8%، مقابل زيادة في العام السابق تقدر بـ 3.9%، بينما تراجعت الواردات بنسبة 3.2% خلال عام 2015. والجدير بالذكر إن استمرار التراجع في التدفقات المالية القادمة للاقتصاد التونسي، سيؤدي إلى حدوث خطر تآكل احتياطات النقد الأجنبي لدي البنك المركزي التونسي.

خامساً: ارتفاع معدلات البطالة، تعد نسب البطالة بتونس من النسب المرتفعة، فقد بلغ معدل البطالة إجمالاً 15.4%، بينما يرتفع إلى 31.8 % بين الشباب، وإلى 31.2% بين خريجي الجامعات، فيما يصل معدل البطالة إلى 22.6% بين النساء.

حصاد المؤتمر

نظمت الحكومة التونسية المؤتمر الاستثماري “تونس 2020” في العاصمة تونس يومي 29 و30 نوفمبر، بهدف تغيير الصورة المتداولة عنها مؤخرًا، وجعلها قبلة للمستثمرين الأجانب. وقد قدمت الحكومة خطتها التنموية “2016-2020” قبيل بدأ المؤتمر، واشتملت على رؤيتها للمشاريع التنموية، منها أكثر من 100 مشروع عام، تهدف أن تتم من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، كما حددت الخطة القطاعات المستهدف أن تقود النمو الاقتصادي، من أبرزها القطاع اللوجيستي والبنية التحتية الرقمية والصناعات التصديرية وأنشطة الاقتصاد الأخضر والسياحة والتنمية البشرية. بينما حددت احتياجاتها التمويلية لتنفيذ هذه الخطة بما يقارب 60 مليار دولار، إلا أن حصاد المؤتمر جاء أقل من ربع المطلوب، فبحسب تصريحات يوسف الشاهد، رئيس الوزراء، فقد حصد المؤتمر وعود تمويلية إجمالية تقدر بـ 14,8 مليار دولار.

وفي هذا السياق، قررت قطر تقديم منحة مالية تقدر بـ 1.25 مليار دولار كمساعدة مالية لدعم الاقتصاد التونسي، فيما أعلنت تركيا أنها ستودع 100 مليون دولار بالبنك المركزي التونسي. ويبدو أن القروض الميسرة قد استحوذت على حصاد المؤتمر، فقد أعلن رئيس مجلس “إدارة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي” أن الصندوق سيقدم قروضاً ميسرة لتونس بقيمة 1,25 مليار دولار على مدار الأربع سنوات القادمة.

كما أعلن الصندوق السعودي للتنمية عن تخصيصه لمبلغ 500 مليون دولار في صورة قروض ميسرة، لتمويل مشروعات التنمية بتونس، بالإضافة إلى تخصيص 200 مليون دولار كدعم للصادرات، و100 مليون دولار أخري مساعدة مالية للحكومة التونسية، وبالتالي يصبح إجمالي ما وعدت به المملكة العربية السعودية حوالي 800 مليون دولار، فيما أعلنت الكويت عن عزمها تقديم 500 مليون دولار قروض ميسرة لتونس حتى عام 2020.

ويضاف لذلك، مشاركة الجانب الأوروبي في المؤتمر، فقد أعلن البنك الأوروبي للاستثمار عن نيته لتقديم خلال خمس سنوات خطة بقيمة 2.5 مليار يورو لتمويل المشروعات التنموية، وقبيل المؤتمر كانت الوكالة الفرنسية للتنمية قد أعلنت عن أنها سوف تستثمر 250 مليون يورو كل عام، خلال الفترة الممتدة حتى عام 2020.أما خارج السياق الأوروبي، فقد تعهدت كندا بتقديم مبلغ 24 مليون دولار لتمويل مشروعات دعم المرأة وتطوير التعليم.

وفي حقيقة الأمر، يبدو أن المؤتمر قد انتهى بحصاد أقل من المطلوب، مما سوف يذهب إلى أنشطة خدمية – يستطيع أن يقوم بها المجتمع الأهلي – ويفتقر إلى تمويل الأنشطة الإنتاجية التي تحتاجها خطة التنمية، وعليه فلا ينبغي المغالاة في عقد الآمال على هذا المؤتمر أمام الرأي العام، خاصة وأن ذلك قد يورط الحكومة مستقبلاً، إذا ما فشلت هذه الخطوة في إحداث تغييرات قريبة.

ضرورات ملحة

ثمة عوامل باتت تدعو الحكومة التونسية إلى ضرورة توسيع أفقها في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الحالية، وإبداع حلول غير تقليدية تتناسب مع خصوصية الحالة التونسية، وتراعي متطلبات السلم الاجتماعي والرضاء العام. ولعل أهم هذه العوامل يتمثل في تصاعد أزمة العمل، والاحتجاج العام على أوضاع العمل والأجور، بل وعلى إجراءات التقشف أيضًا.

وهناك عامل آخر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهو أن الحكومات الأخرى بالإقليم، والتي سارت على نفس النهج، لم تحقق حتى اللحظة أي نتائج مبشرة أو حلول مبدئية، بل أن مؤشرات الأزمة لديها تتفاقم، بخاصة مصر التي تواجه أزمة في ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، فضلًا عن عدم قدرتها على توفير احتياجات سوق العمل، والاحتجاجات العمالية، ناهيك عن شكاوى المستثمرين المتصاعدة بعد مرور أكثر من عام على مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ. وفي ضوء ما سبق، فلم يعد أمام الحكومة التونسية والمجتمع المدني والأهلي سوي التعاون فيما بينهم، لتلبية عدد من الحاجات الملحة، والتي يتلخص أبرزها فيما يلي:-

أولاً: إعادة النظر في الإدارة السياسية والمالية للأزمة، فحالة التذمر المجتمعي وتصاعد المعارضة لبرامج التقشف الحكومية، تقتضي من الحكومة أن تعيد نظرها في نمط إداراتها السياسية والمالية للأزمة، والتي بدت حتى الوقت الراهن تقليدية وضعيفة، وبات عليها أن تعدل من إجراءات برنامجها لتشمل المطالب المجتمعية المرفوعة إليها، من خلال حوار مجتمعي شامل وهادف.

ثانياً: التوصل إلى حلول فعالة بشأن أزمات العمل، لم تهدأ جذوة الاحتجاج العمالي خلال السنوات الثلاث الأخيرة بالذات في تونس، والتي ترتبط بأسباب عدة تتعلق بالأجور وبيئة العمل وقواعد السلامة المهنية وشبكات التأمين، كما أن الاجراءات التقشفية أنتجت دعوة لإضراب الوظيفة العمومية في الثامن من ديسمبر. ومن ثم فإن تلك المشاهد الاحتجاجية بسوق العمل تضع على عاتق الحكومة مسئولية تعديل منظومة العمل سواء قانونيًا أو إجرائيًا، بالتعاون مع اتحاد الشغل والنقابات المهنية، للوصول إلى حالة من الاستقرار والرضا والعدالة بسوق العمل.

ثالثاً: خلق مناخ مشجع للمبادرات الفردية والمشروعات الصغيرة، في ظل بحث الحكومة عن التمويل والاستثمارات كبيرة الحجم، ينبغي عليها ألا تغفل تحفيز المبادرات الفردية بالقطاع الخاص والمشروعات الصغيرة، وتوفير فرص لنجاحها، وحمايتها من وجود المحتكرين، علمًا بأن هذا القطاع يعد من أكبر القطاعات في خلق الوظائف واستدامتها.

رابعاً: اعتماد الأنشطة الإنتاجية كأساس للنمو، استطاع مؤتمر تونس 2020 أن يوفر تمويلاً لمشروعات ذات أنشطة خدمية، وهي ضرورة لعملية التنمية لا سيما في الأجل البعيد، إلا أنه يجب ألا تغفل الحكومة عن توفير التمويل اللازم للأنشطة الانتاجية بالتوازي مع الخدمية، وتعد الأنشطة الإنتاجية ذات فاعلية قوية في التسريع من وتيرة النمو الاقتصادي، وتنشيط الطلب الكلي، ورفع مستويات الدخل.

وإجمالًا، فعلى الرغم من تشابه الأزمة التونسية مع أزمات دول الجوار، إلا أن خصوصية المجتمع التونسي، ووعيه الاحتجاجي، تقتضي أن تعيد الحكومة النظر في برنامجها الاقتصادي، وما تتخذه من خطوات لحل الأزمة، لتخلق حلول أكثر إبداعا واتساقا مع المطالب المجتمعية، جنباً إلى جنب مع الإجراءات والخطوات التقليدية، فالسيناريو التقليدي لا يكفي لحل الأزمة.

نشر هذا المقال على موقع Youth Mott، ويعيد المركز نشره بالاتفاق مع فريق تحرير الموقع. يمكن قراءة النسخة الأصلية هنا.

ريم سليم

باحثة اقتصادية مختصة في شؤون الاقتصاد الكلي والتنمية والاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط