تونس في 2018: حشد دائم أم عودة للماضي؟

تونس في 2018: حشد دائم أم عودة للماضي؟

كريم ميزران وإريني نيل

 اشترك في نشرتنا 

مثلت الاحتجاجات التي اندلعت في عدد من المدن والقرى التونسية مفاجأة للخبراء والمحللين المتابعين لتطور الشئون السياسية والاقتصادية-الاجتماعية في تونس. فقد تم تقديم النموذج التونسي للعالم باعتباره قصة النجاح في إطار ما اصطلح على تسميته بـ “الربيع العربي”. إلا أنه للأسف اعتبار النموذج التونسي قصة نجاح أمر غير دقيق، ويتجاهل حقيقة الوضع في تونس وعمق المشكلات التي تواجهها.

الاحتجاجات التي بدأت سلمية كانت تختمر في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم الذي تعاني منه قطاعات عريضة في البلاد، واندلعت عقب الاجراءات التقشفية الأخيرة. إذن، فالدافع الرئيسي للاحتجاجات اليوم هو ذاته الدافع لاحتجاجات 2011: حالة الاقتصاد. إلا أنه في ٢٠١١ كان هناك على الأقل حماس وأمل أن تغييرا في النظام السياسي يمكن أن يؤدي لتحسن الأحوال المعيشية. مثل هذا الأمل غائب عن احتجاجات اليوم. فعلى النقيض من 2011، تسود حالة من اليأس والعدمية احتجاجات 2018. من هذه الزاوية، يبدو الوضع اليوم أكثر خطورة مما كان عليه قبل سبع سنوات.

منذ الانتخابات الرئاسية في 2014، تعمل الحكومة بطريقة تثير التشكك في نواياها، بل وتغازل العودة لممارسات الرقابة والقمع التي كان ينتهجها النظام السابق. فحالات الاعتقال التعسفي والتعذيب في تزايد، برغم دور الرصد الذي تقوم به مجموعات حقوق الانسان. وتحاول الحكومة احتواء الإرهاب عن طريق تعزيز جهاز القمع، الذي قام بآلاف الاعتقالات منذ عام 2015، والتي يحدث الكثير منها خارج إطار احترام القانون. وصار الوضع السياسي أكثر قتامة، مما أدى إلي زيادة مضاعفة في الهجرة – الشرعية وغير الشرعية – بين التونسيين صوب أوروبا. ويبدو إغواء العودة الى نظام حكم أكثر سلطوية حاضرًا بقوة بين قطاعات من النخبة الحاكمة.

أيضا، تتخلف حالة الاقتصاد كثيرًا عن التوقعات والآمال التي سادت عام 2011. فقد أدى تصاعد الإرهاب الى تدهور نشاط قطاع السياحة، وهو القطاع الذي يوظف 6٪ من العمالة في تونس. واتجه الكثير من سكان مناطق جنوب ووسط تونس إلى السوق غير الرسمي للعمل من أجل الحصول على دخل للمعيشة، بما في ذلك ممارسة نشاط تهريب البترول من ليبيا. حينما تباطأ تدفق البترول من ليبيا في خريف 2017، عقب إحكام الميليشيات الليبية سيطرتها على الطرق المستخدمة في التهريب، تصاعدت وتيرة المخاطرين بالعبور نحو أوروبا من التونسيين. خلال خمسة أسابيع فقط، تصاعدت أعداد المهاجرين غير الشرعيين بشكل يفوق اجمالي الأعداد خلال عامي 2015 و2016. وبالإضافة الى كل ذلك، يرزح الاقتصاد التونسي تحت تضخم شديد وعجز متزايد.

ومع صعوبات البطالة وأزمة السيولة، صارت الحياة في تونس أكثر كلفة لكل التونسيين. فقد أدت الإصلاحات الاقتصادية إلي خفض الدعم وزيادة الضرائب على الخدمات الأساسية مثل مكالمات الهاتف وخدمة الانترنت، وخطط الادخار من أجل التقاعد. وأدى ذلك الى زيادة أسعار السلع الأساسية مثل الشاي والوقود والدقيق. وتشمل أهداف خطة الإصلاح الاقتصادي على المدى الطويل خفض التوظيف في القطاع الحكومي، وهي الخطوة التي لا تحظى بشعبية، حيث أن كثير من المواطنين يعملون في القطاع الحكومي. تلك الخطط الإصلاحية المعلنة وغير المرحب بها شعبيًا أدت الى رد فعل جماعي معادي للاتجاه الذي تنتهجه الحكومة. فالتونسيون يطالبون بخلق فرص عمل وتحسين البنى التحتية وزيادة الاستثمار الحكومي ويطالبون -على الأخص- بالتراجع عن إصلاحات عام 2018.

من ناحية أخرى، تبدو النخبة السياسية في تونس غير عابئة بزيادة الطين بلة؛ بينما يصارع المواطنون من أجل البقاء على قيد الحياة في ظل اقتصاد عقيم واستشراء الفساد داخل الحكومة. والمواطنون ليسوا غافلين عن حقائق الرشوة والمحسوبية ومحاباة الأقارب التي لا تزال تحكم جهاز الشرطة وسلطة الضرائب والكثير من  القطاعات الحكومية. طبقًا لاستطلاع رأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي في عام 2017، يعتقد 89٪ من التونسيين أن الفساد قد ازداد مقارنة بما قبل الثورة، ويعتبرون أن الفساد هو ثالث أكبر المعضلات التي تواجه البلاد.

في الوقت ذاته، تجدر الإشارة إلى طبيعة المخاطر التي على رئيس الوزراء يوسف الشاهد أن يواجها. فمن ناحية، عليه أن يلبى مطالب المؤسسات الدولية بتطبيق سياسات الإصلاح وخفض الدعم، بينما من ناحية أخرى عليه مواجهة مطالب المواطنين بتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل وإعادة بناء البنية التحتية التي تحتاجها البلاد. فالحكومة التونسية ببساطة – وبشكل مؤلم – محاصرة من كل اتجاه.

المشهد المتفجر حاليا في الشارع التونسي تلقائي وبدون قيادة، لكنه يمكن أن يتطور إلى قوة ثورية ذات تنظيم سياسي، إن لم يتم التعامل مع الأسئلة التي تطرحها الاحتجاجات بشكل سريع. إلا أنه حتى الآن لا توجد إشارات على تشكل قيادة لهذا الهدف. أيضا، التحول من الاحتجاجات السلمية الى الاحتجاجات المسلحة يمكن أن يكون ضمن الأوراق. ويجب أن يشكل ذلك دافعا قويا للسلطات كي تتجه لتبني إصلاحات اقتصادية أوسع نطاقا وأكثر شمولا.

وتبدو الخطة الطارئة التي تبنتها الحكومة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي للرد على الاحتجاجات قد أدت هدف شراء الوقت. بدون التراجع عن أيًا من الإصلاحات في موازنة 2018، أعلنت الحكومة أنها ستزيد من الخدمات التي يحصل عليها العاطلون عن العمل والفقراء. ومما لا شك فيه أن تلك الخدمات ستكون مفيدة للمواطنين التونسيين، إلا أن تحدي التعامل مع الجرح الأكبر لا يزال قائما.

وتخاطر الحكومة التونسية بالتركيز على الرد في اتجاه واحد. فقد ينطوي رد فعل الحكومة على زيادة القمع، بشكل مماثل لسياسات النظام السلطوي السابق، وقد ينطوي على الاستجابة لمطالب المحتجين والتراجع عن بعض الإصلاحات المخططة، مما قد يغضب المانحين الدوليين، ويؤدي للدخول في دائرة مفرغة. فما يمكن اعتباره رد فعل ناجح هو إذا ما تمكنت الطبقة السياسية من الاستماع للمحتجين والاستجابة الى مطالبهم دون التراجع عن خطة الإصلاح تماما.

كل ذلك لا يعني أنه لم يكن هناك ملامح نجاح في تونس. فالبلاد الآن في وضع أفضل كثيرًا من 2011 من عدة جهات. يشمل ذلك اصلاح المؤسسات السياسية؛ البدء في صياغة دستور حديث ومستنير، ووجود مجلس تشريعي أفضل وأكثر فاعلية، وانتظام العمليات الانتخابية، وتحسن علاقة المؤسسات بالمواطنين. كل ذلك يمكن النظر إليه كمعالم للإصلاح السياسي في تونس. فهذا التقدم لا يمكن انكاره كما أنه يبعث على التفاؤل. إلا أن السؤال الأهم بطبيعة الحال هو: هل يمكن الحفاظ على ديمومة هذا التقدم؟

إن مواجهة مطالب المحتجين بشكل سريع هي الخطوة الأولى على طريق الحل. كما أن التحرك المستمر والفعال لمواجهة الفساد والكف عن الممارسات السلطوية أهم من اسكات التظاهرات فورًا. تسعى حكومة الشاهد للموازنة بين الضغوط الدولية والضغوط الشعبية. الفشل في تحقيق تلك الموازنة قد يدفع بالبلاد للعودة إلى الماضي. فعلينا البقاء متفائلين دون إفراط في السذاجة، حتى لا يكرر التاريخ نفسه.

 اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.