الحقيقة حول الديمقراطية العراقية

الحقيقة حول الديمقراطية العراقية

اشترك في نشرتنا

احتفى بعض المعلقين مؤخراً بالانتخابات العراقية باعتبارها علامة على أن الديمقراطية بدأت تتجذر في العراق. هذه النظرة المتفائلة مبررة بالنظر إلى الوضع السيء الذي يعاني منه التحول الديمقراطي في المنطقة. إذ تستمر السلطوية في الشرق الأوسط بوصفها النموذج الشائع في الحكم، حتى في الدول التي شهدت انتفاضات شعبية ومطالب بتغيير النظام منذ بضعة سنوات مضت.

وفي الوقت الذي يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تخلت عن نشر الديمقراطية كهدف رئيسي في السياسة الخارجية – مع ملاحظة ان التزام الإدارات السابقة بهذا الهدف قد شابه التناقض – فإن الانتخابات العراقية العامة الخامسة يجب أن تعتبر تطوراً مرحباً به.

هذا الانطباع الإيجابي يزداد تأكداً بحقيقة أن الانتخابات كانت شديد التنافسية، وأجريت عبر وسائل سلمية حتى في المناطق التي كانت منذ بضعة أشهر تحت سيطرة تنظيم داعش، وانتهت بحلول ائتلاف رئيس الوزراء الحالي ثالثاً.

على الرغم من ذلك، فإن هذه العلامات الإيجابية يجب ألا تعتبر مؤشرات كافية على أن مسار العراق نحو الديمقراطية مضمون ولا رجعة فيه. الحقيقة، إن هذه الانتخابات أظهرت بوضوح حدود الديمقراطية العراقية وتواصل التهديد الجدي بحصول تراجع في مسارها، ربما نحو وسائل أقل ديمقراطية في المستقبل.

لقد تم التشكيك والطعن بالنتائج الرسمية للانتخابات على نحو أضر بمصداقيتها. فعلى عكس الانتخابات البرلمانية في عام 2010، حيث جاءت الشكوى الرئيسية من ائتلاف دولة القانون لنوري المالكي. في ذلك الوقت، اعترضت العديد من المجموعات على النتائج. ربما هذا عكس طبيعة التنافسات التي حدثت بين ائتلافات صغيرة نسبياً. اعترضت الأحزاب الكردية، مثل كوران والجماعة الإسلامية في كردستان وتحالف الديمقراطية والعدالة، على انتهاكات وتزوير مزعوم اتهم فيه الحزبين الأساسيين في كردستان: الحزب الكردستاني الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردي. كما أن العديد من الجماعات العربية والتركمانية، السنية والشيعية، بما في ذلك ائتلاف دولة القانون التابع لنوري المالكي، وقائمة العراقية التابعة لأياد علاوي والجبهة التركمانية وحزب إرادة التابع لحنان الفتلاوي، أبدوا تشككهم في نزاهة عملية الاقتراع. وبصورة غير مفاجئة، في كركوك، المدينة متعددة الأعراق، اتخذت الاحتجاجات منحى خطر، وفقا للتقارير الإخبارية، حين حاصر مسلحون بعض لجان الاقتراع والعاملين بها، مطالبين بإعادة إحصاء الأصوات، عقب مزاعم بتزوير جماعي قام به حزب الاتحاد الوطني الكردي.

في خلال الأيام العشرة الأولى التي تلت الانتخابات، استضافت معظم القنوات التلفزيونية الحزبية أعضاء البرلمان السابقين والمرشحين الذين اتهموا اللجنة العليا المستقلة للانتخابات العراقية بتزوير النتائج لصالح مرشحين آخرين، والفشل في التحقيق في مخالفات كبيرة في لجان الاقتراع، بل والادعاء أن نظام التصويت الإلكتروني في المفوضية العليا للانتخابات والذي استخدم لأول مرة تم اختراقه. تم توجيه مجموعة كاملة من الاتهامات، الغريبة منها والخطيرة، ضد المفوضية العليا للانتخابات والمنافسين السياسيين، وبلغت ذروتها في صياغة مشروع قانون من قبل 156 نائبا يلغي نتائج الانتخابات – وهي خطوة مشكوك فيها قانونياً، وذات طابع مسرحي ربما.

بناء على لقاءات عقدتها مع أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، فإن العديد من هذه الاتهامات يمكن دحضها بوصفها وجهة نظر الخاسرين. إلا أنه مما لا شك فيه أن بعض النتائج تستدعي تحقيقاً جاداً. فقد قال رئيس شبكة شمس لمراقبة الانتخابات في العراق، وهي مجموعة مراقبة مستقلة، في لقاء على قناة الشرقية أنهم لاحظوا أخطاء جسيمة في العملية الانتخابية فشلت المفوضية العليا للانتخابات في التعامل معها.

من السهل الادعاء بإن كل الانتخابات تشهد شكاوى مشابهة، إلا أن وجهة النظر المتفائلة قد تفترض أن الانتخابات البرلمانية العراقية الخامسة منذ سقوط صدام حسين يجب أن تعكس التطور الديمقراطي، وتراكم الخبرة لدى الجهات المنظمة لها، واستيعاب قيم الديمقراطية وقواعد السلوك الخاصة بها من قبل السياسيين. إلا أن الواقع يختلف. على سبيل المثال، فإن المفوضية العليا للانتخابات، والتي تشكلت بالأساس بوصفها كيان مستقل، هي الآن تحت رئاسة مجلس يتكون من أعضاء تم اختيارهم من خلال المحاصصة الحزبية، مما يوحي بوجود روابط بينهم وبين الأحزاب الكبرى التي اختارتهم. وبالرغم من الخبرة التي حصل عليها الأعضاء. إلا أن المؤسسة فشلت في التصرف بشكل استباقي، ووضع نفسها كفاعل موثوق وحيادي.

وبالرغم من أن كثير من الادعاءات حول نظام التصويت الالكتروني ليست مستندة على أساس قوي، إلا أن اللجنة لم تتعامل بشكل مناسب مع الشكوك حول هذا النظام، بما في ذلك تلك التي أثارها فريق الأمم المتحدة الاستشاري. مع ذلك، فأن القضية الرئيسية ليست في أداء المفوضية العليا للانتخابات، ولكن في المجموعات السياسية التي تصر على حرمان اللجنة من استقلالها بالأساس، وتفشل في إلزام نفسها بقواعد المنافسة الحرة والعادلة.

بعد مرور 13 عاماً منذ سقوط نظام صدام حسين، فإن الأحزاب العراقية الكبرى مازالت بعيدة عن وصفها بكيانات ديمقراطية. معظم هذه الأحزاب ما هي إلا تكوينات موروثة، تتحكم فيها عائلة واحدة أو فرد واحد، وتتحزب بناء على المحسوبية لا على أساس الأيديولوجية أو العقائد السياسية. وبدلاً من تطوير أنفسها لتصبح أحزاب أكثر شفافية وديمقراطية تحترم القواعد، فإنها تبدو مرتاحة للعمل على الحد الفاصل بين ما هو رسمي وما هو غير رسمي. إنها تسعى إلى الحصول على مواقع رسمية في البرلمان والحكومة، وفي نفس الوقت تحتفظ بالميليشيات وشبكات التجارة التي تعمل في الظل، لتمثيلها في أعلى المستويات في المؤسسات الرسمية دون تقاسم مجالات نفوذها مع الآخرين.

الجدير بالذكر أن الائتلافين الشيعيين اللذين حصلا على العدد الأكبر من المقاعد، وهما ائتلاف سائرون بقيادة التيار الصدري وائتلاف الفتح بقيادة العامري، والمجموعات الكردية التي حصلت على أعلى نسبة مقاعد في كردستان وكركوك، الحزب الكردستاني الديمقراطي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، لديهم ميليشيات تعمل إما خارج إطار البنية العسكرية الرسمية، أو في علاقات معقدة مع المؤسسة العسكرية الرسمية. وبالرغم من أنه لا يوجد دليل دامغ على أن الأجنحة العسكرية للأحزاب أثرت على نتائج الانتخابات، إلا أن المرء يمكن أن يستنتج أن الأحزاب التي تملك قوة قسرية ستكون دوماً صاحبة اليد العليا على الآخرين الذين لا يمتلكون ذلك. ومما يدعو للاستغراب، أنه بدلاً من العمل على إنهاء الكيانات العسكرية غير الرسمية من أجل تأمين انتخابات أكثر حرية وعدالة، فإن بعض الجماعات، مثل كوران، قالت بأنها تفكر في تأسيس أجنحتها العسكرية من أجل التنافس مع الحزبين الكرديين الكبيرين.

حتى وإن كانت عملية الاقتراع حرة نسبياً، فإن الإطار الذي أجريت فيه الانتخابات لم يكن كذلك. فليس هناك قواعد واضحة قابلة للتطبيق لتنظيم تمويل الحملات الانتخابية، والتي عادة ما تكون في صالح الأحزاب القائمة وشبكات تجارتها وشركائها. لم تعلن الأحزاب عن حجم تبرعاتها أو مصادر التبرعات، وحتى لو كانت هناك قواعد تنظم بوضوح تمويل الحملات، فإنه من غير المتوقع أنها ستلتزم بها. فقدرات القوى الرئيسية على التلاعب بالقواعد بدت للعيان في أشكال متعددة، بما في ذلك ادعاء حزب الدعوة أنه لن يخوض الانتخابات بينما شارك فيها قياداته وأعضائه – وهو سلوك مشكوك فيه قانوناً لم تتمكن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من معارضته.

هذه ليست دعوة للتشاؤم أو لتجاهل العلامات المبشرة التي بدت في انتخابات الثاني عشر من مايو/أيار. لكنه تذكير حذر بأن الديمقراطية تتطلب أكثر من مجرد انتخابات دورية لتكون متجذرة ولا يمكن التراجع عنها بسهولة. ما يزال العراق يفتقر للمؤسسات، وكما يشير الجدل حول المفوضية العليا للانتخابات، فإنه حتى لو وجدت المؤسسات ستظل تواجه الإضعاف بسبب السياسات الحزبية المتصارعة والافتقار لنظام قضائي موثوق به. حين تتمكن الأحزاب من الإفلات من عقوبة تزوير الانتخابات، لمجرد أن لديها موارد وجيوش، فإنه من الصعب أن نرى الانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي السلمي. أغلب الناخبين العراقيين الذين قرروا الامتناع عن التصويت يبدو أنهم وصلوا لنفس النتيجة بالفعل: الانتخابات لا تهم ولن تحدث تغييراً.

إن التزام الأحزاب العراقية بالانتخابات ليس نتيجة لاقتناعها بالقيم الديمقراطية بقدر ما هو عدم القدرة على السيطرة على النظام من خلال وسائل أخرى. بصورة عقلانية، فإن المشاركة في الانتخابات تظل أقل كلفة من عدم المشاركة. إلا أن هذه الصيغة ليست مستقرة ولن تمكن الديمقراطية من الازدهار، خاصة في إطار انتخابات يتم استخدامها لإعادة إنتاج هيمنة القوى الموروثة والفاعلين غير الديمقراطيين، والمؤسسات المستقلة المنوط بها وضع القواعد والمراقبة يتم تسيسها أو حرمانها من سلطاتها. على النحو ذاته، فإن حقيقة أن العراق لم ير انقلاباً عسكرياً يمكن أن يعود بالأساس إلى ضعف الجيش العراقي في مواجهة الجماعات المسلحة غير الرسمية، أكثر منه الميل إلى الفصل بين ما هو مدني وما هو عسكري.

إن طريق العراق نحو الديمقراطية ما يزال طويلاً، وبينما يمكن أن نرى هذه الانتخابات كخطوة للأمام، إلا أنها أيضا وضحت مناطق الضعف وإمكانية الانتكاسات التي قد تظهر في المزيد من خيبة الأمل بشأن نهج “انتخابات بدون تغيير”، أو انتكاسة كاملة للوسائل غير الديمقراطية حين يتغير الميزان الحساس للعملية الانتخابية. ما يزال من المبكر جداً أن نحتفي بالديمقراطية العراقية.

 اشترك في نشرتنا English

حارث حسن القرعاوي

كبير باحثين غير مقيم بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث يقود مبادرة المركز حول العراق.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.