اتساق الارتباك: استراتيجية ترامب المترددة تجاه مصر

يعد شهر أغسطس/آب هو الأهدأ سياسياً في واشنطن دي سي من بين شهور العام، بالطبع لم يكن الأمر كذلك هذا العام، بسبب تصريحات ترامب حول ما حدث في تشارلوتسفيل، وما حدث بعد ذلك من أزمة مع كوريا الشمالية، وباكستان وأفغانستان، وغيرهم. في يوم الثلاثاء، ظهرت قضية أخرى في الأفق، وإن كانت أقل أهمية على الساحة الكبرى بالنسبة للديمقراطية الأمريكية والعلاقات الدولية. نشرت وكالة رويترز تقريراً يشير إلى أن الولايات المتحدة قد قررت منع مساعدات تصل إلى 95.7 مليون دولار أمريكي، وتأجيل مساعدات أخرى قيمتها 195 مليون دولار. في خلال أربعة وعشرين ساعة، تسبب التقرير في تفجير أزمة دبلوماسية كبرى بين القاهرة وواشنطن. أصدرت وزارة الخارجية المصرية، يوم الأربعاء، بياناً صارماً يؤكد على أن تحديات مصر الاقتصادية والأمنية لا ولم تؤخذ بجدية. 

لماذا حدث ذلك وكيف؟ هذا هو السؤال الذي سيطرحه المحللون، لكنهم سيفترضون سردية ما وسببا ما، واتساق محدد في السياسة التي سيقومون بتحليلها. بقول آخر، لن يفترض المحللون وجود إدارة فعالة في واشنطن دي سي فحسب، بل إنهم سيفترضون وجود سياسة فعالة فيما يتعلق بالعلاقات الدولية. كل هذه افتراضات طبيعية، لكن إذا كان للساحة السياسية أن تتعلم شيئا من السبع شهور الماضية، فإن عليها أن تعي أن هذه الافتراضات لا تنطبق على هذه الحالة.

تعمل إدارة ترامب في مهامها منذ سبعة أشهر، ومع ذلك فإن عقيدتها فيما يتعلق بالسياسة الدولية مازالت غير معروفة، مازالت الوظائف الكبرى في وزارة الخارجية شاغرة، مازالت الكثير من الوظائف في سفارات حساسة خالية. كل ذلك يحدث في ظل ظهور الأزمة تلو الأزمة. إن عدم فاعلية إدارة ترامب بشكل عام – والتي عانت من استقالات تلو الاستقالات – تؤثر على بشكل واسع على مجالات عدة، ومنها السياسة الخارجية.

على سبيل المثال، فإن ترامب لم يخف دعمه للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وقامت العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية والمصرية بنشر التقارير تلو التقارير التي تحمل الكثير من المخاوف حول سجل حكومة السيسي، كما عبر عن نفس الشيء الساسة الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء، ولم يعن ذلك كله أي شيء لإدارة ترامب. على العكس تماما، فإن إدارة ترامب أعطت الإشارة تلو الإشارة للتأكيد على أنها لا تعبأ بما يجري في القاهرة محليا أو إقليميا.

من غير المتوقع تغير هذه السياسة بين عشية وضحاها. بشكل عام، فإن موقف ترامب من حقوق الإنسان، سواء على صعيد الترويج لها كجزء من السياسات الأمريكية، أو كعنصر أساسي فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول الأخرى، لم يتغير؛ بمعنى، أنها ليست هامة. قد يجادل البعض في أنها لابد أن تحظى باهتمام، وهذا أمر صحيح، فالحفاظ على الحريات والحقوق يجب أن يكون عنصراً هاماً في الدول المتحضرة، سواء فيما يتعلق بمواطنيهم، أو ما يتصل بكيفية تعاملهم مع الدول الأخرى – لكن هذا ليس كائنا فيما يخص ترامب، قد يجادل البعض في أن ذلك أقدم من وجود ترامب، لكن هذه قصة أخرى.

ماذا تظهر هذه الحلقة، والتي لم يتم الكشف عنها والانتهاء منها بشكل كامل؟ هناك قطاع كبير من التحليلات في واشنطن دي سي تشير إلى أن سياسات مصر فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان ليست صحية بالمرة، وهذا الشعور مازال موجودا في داخل وزارة الخارجية الأمريكية، لاسيما بين الشخصيات التكنوقراطية غير السياسية. إلا أن وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، لم يظهر قلقاً كبيرا بهذا الشأن حين يتعلق الأمر بمصر أو دول أخرى في المنطقة. عادة ما يظهر أمراً جديداً بين الحين والحين، لكنه لا يؤثر على الخط الرئيسي للعلاقات الأمريكية مع هذه الدول. بالنسبة للقرار المتعلق بالمساعدات لمصر، فإنه أحد هذه الأشياء التي لا تؤثر على العلاقات بين البلدين، شأنها في ذلك شأن التصريحات الخاصة بالحريات الدينية في السعودية، حدثين لا يعيدان تعريف العلاقات الامريكية مع أياً من الدولتين.

حين يُطرح السؤال حول كيفية تعريف وتحديد ملامح العلاقات الأمريكية مع مصر، فإن الإجابة ستأتي مرتبكة، لأن هذه هي طبيعة الإدارة في واشنطن دي سي؛ لا توجد سياسة شاملة فيما يتعلق بمصر، كما أنه لا توجد سياسة شاملة فيما يتعلق بالشئون الدولية فيما يتعلق بأي دولة أخرى. هناك تلميحات، مثل شعار “أمريكا أولا”، لكن يمكن تفسير هذا الشعار بطرق متعددة، وتم بالفعل تفسيره بطرق متفاوتة في مواقف مختلفة خلال السبعة أشهر الماضية. تم الإبقاء على التمويل العسكري الخارجي (Foreign military financing FMF) لمصر، بالرغم من وجود نقاشات لقطعها قبل ذلك بسبب تصريحات مصرية عدائية بشكل كبير حول وجود إسلاميين في الإدارة، وعدم تصنيف جماعة الأخوان المسلمين كجماعة إرهابية، إلا أنه تم إعادة تفعيل مناورات النجم الساطع المشتركة بين الولايات المتحدة ومصر، بينما تم تقليل المساعدات الاقتصادية، وهكذا.

هل هذا يعني أن القاهرة ليس لديها ما يقلقها؟ على العكس تماما، إن طبيعة ترامب المتذبذبة تعني أنه في أي لحظة، بسبب مخاوف حقيقة حول قضية ما – في هذه الحالة المخاوف المتعلقة بقانون الجمعيات الأهلية الجديد المثير للجدل في دوائر حقوق الإنسان – يمكن أن يتحول الأمر إلى شيء ذات تداعيات سياسية، سيكون هذا هو الوضع في حالة عدم وجود تأثير فوري ومباشر على العمليات الأمنية أو العسكرية، في حالة موافقة البنتاجون، الأمر الذي سيمثل معضلة. على الصعيد الدولي، فإن الإدارة قد قالت بالفعل، وكما أعلنت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بإنه سيتم “تدوين الأسماء” – بقول آخر، فإنه ستكون هناك تداعيات لما كل ما تعتبره الولايات المتحدة تجاوزات. أكدت القاهرة لواشنطن بأن قانون الجمعيات الأهلية لن يتم تفعيله، ولم يتفاجأ المسئولون الكبار في إدارة ترامب حين تم تفعيله بالرغم من هذه التأكيدات. علاوة على ذلك، فإن منع المعونة يمكن أن يكون متماشياً مع سياسة إدارة ترامب: تقليص ميزانية الخارجية والمساعدات الأمريكية.

خلاصة القول: ترامب هو أشياء عديدة غير متوقعة أو متسقة، وعلى منتقدي القاهرة ملاحظة الآتي: في هذه الحالة، فإن التنازلات الأمنية قد استخدمت بالفعل، والأموال مازالت متاحة لوقت لاحق. في يوم الأربعاء، بينما اعتقد البعض أن مستشار ترامب وزوج ابنته، جارد كوشنر، اجتمع مع وزير الخارجية المصري سامح شكري بسبب الأزمة الدبلوماسية، تبين بعد ذلك أن الأمر لم يكن كذلك. فقد تم إلغاء الاجتماع، لكن على ما يبدو لأسباب غير متصلة بقضية المساعدات، وقد تم تحديد موعد جديد بسرعة وتم الاجتماع بين كوشنر ووزير الخارجية المصري. لم يتم إلغاء اجتماع كوشنر مع السيسي في أي وقت من الأوقات، وبالفعل اجتمعا لاحقا يوم الأربعاء. إن العلاقات بين القاهرة وواشنطن، حتى مع وجود عدم كفاءة وفاعلية فيها، لم تصل إلى نقطة أقل أمناً بسبب ما حدث – على الأقل حتى الآن. لكن حقيقةً، فإن الارتباك هو الاستراتيجية الوحيدة في هذا البيت الأبيض.

اشترك في نشرتنا Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة