خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

اشترك في نشرتنا

يوسف التاجوري و إيرين نيل 

في بداية قيام الثورة الليبية في عام 2011، تمكنت الميليشيات المسلحة من تأسيس دور قوي لها، من خلال ملئ الفراغ الأمني الذي تركه إزاحة الرجل القوي، معمر القذافي. ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

الأموال والمكانة والسلطة كلها عوامل ساعدت في تقوية دور الميليشيات. بالإضافة إلى قرار كان قد تم اتخاذه في بداية عملية الانتقال بزيادة عدد العاملين في الأجهزة الأمينة والذين يتلقون رواتب. ومع ذلك فإن القوة التي تمتلكها المجموعات المسلحة اليوم هي ناتجة عن قدرتها على التكيف مع الفوضى، وقدرتها على المراوغة مع الفصائل الأخرى والمؤسسات العامة، أو عدم وجود هذه القدرة في الأساس.   

وصلت حكومة الوفاق الوطني، وهى الحكومة الليبية الانتقالية المدعومة من الأمم المتحدة والتي تشكلت في عام 2015 – إلى طرابلس في مارس/أذار 2016. لم يكن لدى هذه الحكومة أي جهاز أمني، ومن ثم كانت تدير شئونها من قاعدة بحرية حتى انتهت من التفاوض على ولاء أي مجموعات مسلحة تريد أن تكون في جانبها. ترأس الجنرال عبد الرحمن الطويل اللجنة الأمنية المؤقتة في أثناء وصول حكومة الوفاق الوطني، هذه اللجنة كانت مهمتها حماية القاعدة البحرية. بعد تأمين الأوضاع، انتقلت حكومة الوفاق الوطني إلى مقراتها في سوق الجمعة في شمال المدينة. هذا الأمر أسس لتوازن قوى غير مستقر: منذ تأسيس الحكومة المعترف بها دولياً، تمكنت المليشيات من اكتساب مزيد من القوة والسلطة على السكان في غرب ليبيا طالماً تمكنوا من ضمان أمن مقرات حكومة الوفاق الوطني.

على الرغم من تغير تشكيل تحالف المجموعات المسلحة في طرابلس عبر الزمن في ظل وجود مئات المليشيات المسلحة، أربعة منها فقط هي المسيطرة بصورة مستمرة. من أمثلة هذه المجموعات قوة الردع الخاصة وكتيبة النواصي وكتيبة شهداء أبو سليم (الامن المركزي) وكتيبة ثوار طرابلس.

اليوم، هذه المجموعات المسلحة الأربعة تعمل كقوة بوليس وجهاز جمع معلومات مخابراتية، وفي أوقات أخرى قوات مقاتلة. تقوم هذه المجموعات بعمليات القبض وتنفيذ مداهمات لمنع العمليات الإرهابية والأنشطة الاجرامية ومنع الهجمات من جانب المليشيات المتشددة في المنطقة. وأضحى السكان يعتمدون على هذه المليشيات وخدماتها من أجل الحفاظ على أمن المدينة. وقد ساهمت الهجمات المتتالية في تدعيم موقف المليشيات في المدينة لأن هذه الهجمات تبرر وجود هذه المليشيات. إن مستوى منخفض من العنف يسمح لهذه المليشيات لأن تثبت أن الأمن الذي يقدموه مطلوب.  

تمكنت المليشيات أيضا من اكتساب مكانة ساهمت في قدرتها على التجنيد. تمكنت بعض المليشيات من زيادة قدرتها على التجنيد ومراكمة الأرباح من الاقتصاد غير الشرعي. أشارت الأمم المتحدة أن الوضع الأمني في طرابلس قد تحسن في الثمانية عشر شهراً الأخيرة، ولكن بعض الخبراء يؤكدون أن القول بتحسن الوضع الأمني هو محض أوهام. 

بالإضافة إلى الحفاظ على الأمن للسكان والأبنية الحكومية، تسيطر المليشيات في طرابلس على المطار الوحيد الذي يعمل في المدينة والسجون ومراكز اعتقال المهاجرين وغيرها من البنية التحتية الأخرى، كل هذا من أجل استمرار تدفق الأموال لها. تنخرط المليشيات أيضا في عمليات تهريب النفط والاتجار في البشر وتجارة المخدرات. هذا الانخراط في الأنشطة الاقتصادية غير الشرعية يزيد من قوة هذه المليشيات من خلال السماح لها بالعمل كمنظمة أمنية وشبكة إجرامية في نفس الوقت.

الميليشيات الموالية اسمياً لحكومة الوفاق الوطني

على مدار العامين الماضيين – منذ وصول حكومة الوفاق الوطني إلى طرابلس – هذه الميلشيات الأربعة تمكنت من الحصول على تأثير غير مسبوق على المؤسسات العامة والخاصة، وتمكنت من تأسيس شبكات إجرامية واختلاس.

قوة الردع الخاصة

تسيطر هذه القوة على شمال العاصمة طرابلس وكذلك على سجن أبو سالم (المناطق المرسومة باللون الزهري)، وتقوم هذه القوة بمداهمات واعتقالات ولها تأثير على كل طرابلس.

باعتبارها واحدة من أربعة لاعبين رئيسيين، تعتبر قوة الردع الخاصة، بصورة كبيرة، أكثر الميليشيات تأثيراً وقوة في طرابلس. قبل عام 2011، كان عبد الرؤوف كارة يعمل حداداً في طرابلس. منذ اسقاط نظام القذافي، كان كارة موجوداً على الأرض في مراحل عملية الانتقال في ليبيا، وسريعاً اتخذ دوراً قيادياً في قوة الردع الخاصة، وعرف عنه تفسيره المتشدد للسلفية المدخلية.

نظرياً، تعتبر قوة الردع الخاصة رسمياً جزء من وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، وتأخذ القوة أوامرها من الحكومة المركزية، ولكن في الواقع تعمل المجموعة باستقلال كبير. على الرغم من أن قوة الردع الخاصة تسيطر فقط على مساحة صغيرة من الأرض في شمال شرق طرابلس، ولكن عملياتها وتأثيرها يمتد إلى كل طرابلس وواجباتها واسعة النطاق. تقوم قوة الردع الخاصة بمداهمات لضبط المخدرات والكحوليات ومكافحة الجريمة وتسيير دوريات في مناطق طرابلس. تأثير قوة الردع الخاصة ينبع أيضا من سيطرتها على المطار الوحيد العامل في منطقة طرابلس، مطار معيتيقية. بمعنى أخر، تسيطر قوة الردع على من يدخل ويخرج من البلاد. في السنوات الأخيرة، وجهت قوة الردع الخاصة جهودها إلى مكافحة خلايا تنظيم داعش والقبض على المتعاطفين معه، وهو الأمر الذي تطلب استخدام أساليب مشابهة لأساليب المخابرات. تحتجز قوة الردع هؤلاء في سجن مؤقت في المطار. تعتقل قوة الردع الخاصة في الوقت الحالي 2600 معتقل، من ضمنهم ما بين 300-500 رجل منتمين لتنظيم داعش وغيره من المنظمات الإرهابية الأخرى، كما تحتجز معتقلين سابقين من سجن جوانتانامو، بالإضافة إلى أخو الانتحاري الذي فجر نفسه في مدينة مانشستر، والتي نتج عنها مقتل 22 شخصاً في 2017.

على الرغم من هذا التأثير الكبير، لا تعمل قوة الردع الخاصة بدون عوائق. في العام الماضي أُغلق مطار معيتيقة لساعات قليلة في أربع مناسبات (في شهور يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول وفبراير/شباط) نتيجة للقتال. وتم اغلاق المطار لخمسة أيام في شهر يناير عندما حدثت اشتباكات بين المجموعات المسلحة، هذه الاشتباكات أسفرت عن مقتل عشرين شخصاً. سرد تقرير للأمم المتحدة انتهاكات قوة الردع الخاصة في سجونها، هذه الانتهاكات شملت التعذيب والاعتقال التعسفي وغير القانوني والاعدامات غير القانونية والإهمال. يصر قائد قوة الردع الخاصة، عبد الرؤوف كارة، على أنه يدير مؤسسة إنسانية هدفها إعادة التأهيل.

كتيبة النواصي (الامن المركزي في الشمال)

تسيطر الكتيبة على المناطق الزرقاء في شمال طرابلس (المرسومة باللون الأزرق)، ومعروف عنها سعيها للسيطرة – وحتى القتال – على البنية التحتية الحيوية.

كتيبة النواصي هي مجموعة إسلامية، ودعمت في السابق المؤتمر الوطني العام. كتيبة النواصي كانت واحدة من أكبر المليشيات المسلحة التي تم ضمها لـ للجنة العليا للأمن التابعة لوزارة الداخلية الليبية والتي انبثقت عن برلمان المؤتمر الوطني العام. وهو الخصم المناوئ للحكومة المعترف بها دوليا في طبرق.

تعمل اللجنة العليا للأمن كشرطة. كتيبة النواصي كانت مسئولة عن العديد من عمليات مكافحة الجريمة وكان لها تاريخ قاسِ في معاقبة الجرائم المرتبطة بالكحوليات والمخدرات والمثلية الجنسية والنساء الذين يخرجن بدون مرافق، وذلك طبقاً للصحفي جيمي ديتمر والذي تمكن من عقد مقابلة نادرة مع عبد الرؤوف كارة في عام 2015 عندما كانت كتيبة النواصي تحت قيادته. بالإضافة إلى اتباعها المتطرف للقواعد الإسلامية فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي (الجندر)، معروف عن كتيبة النواصي رجعيتها الشديدة وعنفها، حيث يستجيبون بعنف حتى للمشاحنات الهامشية.

كتيبة النواصي واحدة من الكتائب الأولى التي أعلنت ولائها للمؤتمر الوطني العام، وأكدت على حماية حكومة الوحدة. تحمي كتيبة النواصي قاعدة أبو ستة البحرية حيث مقر رئيس الوزراء فايز السراج، وعلنياً تدعم الكتيبة الاتفاق السياسي الليبي. ومعروف عن الكتيبة خلافها مع المجموعات المسلحة الأخرى التي تعمل تحت مظلة المؤتمر الوطني العام، كما أنها تأخذ موقف مناوئ لقوة الردع الخاصة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أعطت كتيبة النواصي الإذن لانعقاد المؤتمر العام الذي منعته قوة الردع الخاصة.

كتيبة شهداء أبو سليم (الأمن المركزي)

تسيطر كتيبة شهداء أبو سليم على المناطق في الشمال والمناطق المحيطة بها (المرسومة باللون الأخضر).

يقود كتيبة شهداء أبو سليم عبد الغني الككلي، تعرف الكتيبة في بعض الأحيان بـ “غنيوة”. أسمياً، توالي كتيبة شهداء أبو سليم المؤتمر الوطني العام وكانت سبباً أساسياً في طرد المليشيات الموالية للمؤتمر الوطني العام من العاصمة. كتيبة شهداء أبو سليم تعتبر نفسها قوة مكافحة للجريمة، وتقوم بمداهمات لمكافحة المخدرات والكحوليات على الأراضي التي تسيطر عليها.

كتيبة ثوار طرابلس

تسيطر على مناطق عين زارة والمناطق الساحلية الغربية (المرسومة باللون الأرجواني).

تعتبر كتيبة ثوار طرابلس واحدة من أكبر المليشيات في طرابلس بسبب أعداد المنضمين تحت لوائها وقدراتها العسكرية، ولكنها فقدت جزء كبير من تأثيرها في العاصمة، حيث تمكنت قوة الردع الخاصة من زيادة نفوذها في العديد من مناطق المدينة. يقود كتيبة ثوار طرابلس هيثم التاجوري. تتموقع الكتيبة بصورة رئيسية في المناطق المحيطة بسوق الجمعة، في الوقت الذي تحتفظ فيه بوجود كبير في منطقة الجريش. هذه المناطق ذات أهمية كبيرة لأنها تقع بجوار المطار الوحيد العامل في طرابلس، والذي تسيطر عليه قوة الردع الخاصة. اسمياً، تتبع كتيبة ثوار طرابلس وزارة الداخلية.

المليشيات التي توالي أسميا المؤتمر الوطني العام

عملية فجر ليبيا كانت عبارة عن تحالف للمجموعات المسلحة الموالية لبرلمان المؤتمر الوطني العام في عام 2012 والتي كانت لها روابط قبلية، الاخوان المسلمين والثوار ضد القذافي من منطقة مصراته من طرابلس. سيطر تحالف فجر ليبيا على طرابلس في أغسطس/آب 2014 وسيطروا على المدينة حتى منتصف عام 2016. بعد وصول حكومة الوحدة المدعومة من الأمم المتحدة، أعلنت بعض المليشيات ولائها لحكومة الوحدة، وبعضها ظل موالي للبرلمان المنحل وللمجموعات والأفراد المتطرفين.

انحل المؤتمر الوطني العام في عام 2016، وتم دفع المليشيات المرتبطة به تدريجياً خارج طرابلس بعد وصول الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في مارس/أذار. أعلنت هذه القوات انسحابها من طرابلس في مايو/أيار 2017 لمنع مزيد من الضرر للمدينة بعد سنوات من الاشتباكات.

على الرغم من أن المؤتمر العام كان قد وقّع الاتفاق السياسي الليبي، والذي أنشئ حكومة الوحدة، فإن المؤتمر العام لم يكن لديه الاجماع من جانب كل المليشيات في التحالف. ووصولاً إلى، وبعد، توقيع الاتفاق السياسي الليبي في ديسمبر/كانون الأول 2015، فإن الانقسامات داخل تحالف المؤتمر الوطني العام الذي أشرف على عملية فجر ليبيا قد تعمقت. اليوم، المليشيات التي ظلت موالية للمؤتمر الوطني العام تعمل على مشارف طرابلس.

كتيبة البقرة وكتيبة الكاني

توجد هذه الكتيبة في المناطق المشرفة على شرق طرابلس.

كتيبة البقرة وكتيبة الكاني من الكتائب المتطرفة والتي ما تزال توالي برلمان المؤتمر الوطني العام المنحل، وتم طردها بواسطة قوات حكومة الوفاق الوطني. هاتين القوتين لديهم وجود منعزل في المناطق المجاورة خارج طرابلس، ولكنها لا تنسق استراتيجيتها وهجماتها.

يقود كتيبة الفرقة 33 مشاة، والمعروفة أيضاً بـ البقرة بشير خليفة، والذي كان يسيطر على مناطق في طرابلس، ويعمل الآن من الضواحي الشرقية في تاجوراء. كتيبة البقرة حاولت وفشلت في اختراق مطار معيتيقة في محاولة لتحرير بعض معتقليها من السجن.

اليوم، تدير كتيبة الكاني عمليات في مدينة طارحونة ولديها نشاط معتاد في قاربولي، والتي تقع على بعد 35 ميل شرق طرابلس، سيطرت كتيبة الكاني على بعض الأراضي والبنية التحتية الرئيسية قبل مايو/أيار 2017 حينما دفعتها كتيبة ثوار طرابلس للرحيل. أصبحت كتيبة كاني مؤخراً موالية رسمياً لحكومة الوقاف الوطني، ولكن هذه القبيلة معروفة أيضاً بميولها المتطرفة والعنيفة.

القوات المسلحة المتنقلة

وتسيطر هذه القوات على المناطق الساحلية في غرب طرابلس (المرسومة باللون البرتقالي).

كانت تسيطر القوات المسلحة المتنقلة على مناطق السياحية وغوط الشعال، ولكن تم طردها في اتجاه الغرب إلى مناطق جنزور وسيراي. غالبية عناصرها من الأمازيغ، أساساً من المناطق في غرب جبال نفوسة. تظل المجموعة موالية لبقايا حكومة التحرير الوطني، وهى حكومة موالية للمؤتمر الوطني العام في عام 2016، تسعى هذه القوات إلى إعادة تأسيس نفسها في طرابلس.

اشترك في نشرتنا English

يوسف التاجوري: متدرب في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلنطي، ويمكن متابعته على تويتر yousufeltagouri.

إيرين نيل: باحث مساعد في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلنطي، ويمكن متابعتها على تويتر  erinaneale 

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.