استراتيجية أطلنطية من أجل تونس الديمقراطية

مع فشل عمليات التحول الديمقراطي التي أطلقتها ثورات الربيع العربي، ترى الولايات المتحدة وأوروبا في تونس الأمل الأخيرة في المنطقة، لتقدم المثال والنموذج الذي يمكن أن تتطلع ليه الدول الأخرى في الإقليم. ولكن عملية التحول الديمقراطي في تونس لا تسير بالسلاسة التي يتصورها البعض، سواء كانوا من المنطقة أو المتابعين من خارج المنطقة. حيث تواجه تونس العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تهدد التقدم المُحرز حتى الآن في الطريق نحو الديمقراطية، هذه التحديات تفرض نوع مختلف من التحرك من جانب الدول الغربية، لمساعدة الديمقراطية الوليدة في تونس، وهذا التحرك يجب أن تكون تونس والتونسيين جزأً لا يتجزأ منه، باعتبار أن التونسيين أنفسهم هم أصحاب المصلحة الأولي، في نجاح عملية التحول الديمقراطي في بلدهم.

في هذا السياق يقدم مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط تقريراً جديداً بعنوان “استراتيجية عبر الأطلنطي من أجل تونس الديمقراطية.” هذا التقرير يحاول الوقوف على أهم التحديدات التي تواجهها تونس في الوقت الحالي، وتقديم مجموعة من التوصيات لصناع القرار في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لمساعدة الديمقراطية الوليدة في تونس، بمشاركة التونسيون وليس بمعزل عنهم. وفيما يلي الملخص التنفيذي للتقرير، والتقرير الكامل متوفر باللغة الإنجليزية.

الملخص التنفيذي

أسقطت الثورة التونسية عام 2011 الحكم الاستبدادي للرئيس زين العابدين بن علي، ووضعت البلاد على طريق الديمقراطية، وكاستجابة لذلك، قام كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء الرئيسية في الاتحاد – وبالتحديد فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة – بزيادة المساعدات المقدمة لتونس. ولكن ببساطة فإن ذلك الدعم المتزايد لم يبرهن فعلياً على كونه مؤثراً، حيث أن التطور الاقتصادي والديمقراطي في تونس اليوم يبدو عاجزاً أمام تزايد التحديات. ومن أجل مساعدة تونس على التعافي من المرحلة الحالية – مرحلة ما بعد الثورة – فقد كان لزاماً على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تطوير استراتيجية مشتركة عبر الأطلنطي، تضع تونس كأولوية لارتباط الغرب بالعالم العربي.

منذ عام 2011 أجرت تونس ثلاثة استحقاقات انتخابية حرة ونزيهة، حيث تجلى بوضوح الاستعداد التام للأحزاب السياسية الرئيسية بالبلاد للتسوية وإدارة الحكم بشكل يشمل كل الأطراف. ولكن بعد مرور خمسة أعوام على الثورة، يبدو الإصلاح الديمقراطي في تونس متزعزعاً، والمزاج العام يلقي بظلاله القاتمة على المشهد التونسي. 

تواجه تونس تحديات كبيرة في ثلاثة مجالات رئيسية: التنمية الاقتصادية والأمن والتطور الديمقراطي. فقد أخفقت الحكومة في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، حيث انخفضت معدلات النمو الاقتصادي، مع استمرار ارتفاع معدل البطالة خاصةً بين الشباب. لقد كان تفاقم السخط العام على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والذي تزايدت حدته بسبب التهميش المستمر للمناطق الداخلية، عاملاً رئيسياً وراء اندلاع الثورة. وأسهمت هشاشة الوضع الأمني في حالة الركود الاقتصادي، المتمثل في تدهور قطاع السياحة عقب الهجمات الإرهابية الأخيرة عام 2015، والتي قام بها تنظيم داعش، مما يهدد بانقطاع أرزاق مئات الألاف من التونسيين العاملين بقطاع السياحة. وتقديراً لحجم التهديد الذي يمثله تنظيم داعش في الدول المجاورة، وعلى رأسها ليبيا، مما يشكل خطراً على تونس، فقد قامت الدول الغربية المانحة بزيادة المساعدات المقدمة لقوات الأمن التونسية وقوات حرس الحدود. ولكن حتى الآن ومع غياب الاصلاحات الجوهرية في القطاع الأمني منذ اندلاع الثورة، فإن قدرة قوات الأمن التونسية على تحقيق الاستقرار بالتوازي مع احترام الحقوق الأساسية للمواطنين لا تزال محل شك.

وفي ذات السياق، يقوم كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الرئيسية الأعضاء باتخاذ خطوات واضحة كجزء من الاستراتيجية الأطلنطية الجديدة، لدعم الاقتصاد التونسي، وتحسين الوضع الأمني، ودعم التطور الديمقراطي. أما على الصعيد الاقتصادي، فيجب على الولايات المتحدة وأوروبا اتخاذ الخطوات التالية:

  • زيادة الدعم المقدم لتونس بنسبة كبيرة، وذلك عبر الالتزام بسلسلة من الاجراءات المشتركة في المساعدات والاستثمارات والمزايا التجارية، بقيمة 2 مليار دولار على الأقل كل عام، وذلك لمدة خمس سنوات.
  • تقييم جميع المبادرات، والتأكد من أن الدعم المقدم لتونس سيكون ذات أثر مباشر، على مشكلات البطالة بين الشباب والفوارق الاقتصادية بين مناطق الدولة التونسية. وعلى هذا المنوال، يجب على الولايات المتحدة وأوروبا تنظيم مؤتمر رفيع المستوى بشأن التنمية الاقتصادية، في احدى المحافظات التونسية الأكثر فقراً.
  • اعتماد نهج يساعد على استقرار الاقتصاد الكلي، من خلال ربط الدعم الكبير للميزانية بتنفيذ الإصلاحات، التي بدورها تعمل على الانفتاح الاقتصادي، وتجعل الوضع الاقتصادي في مستوى أفضل.
  • العمل مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية متعددة الأطراف، من أجل زيادة الدعم لشبكة الأمان الاجتماعي للتونسيين.
  • زيادة فرص وصول المنتجات والخدمات التونسية إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية، وذلك مع استمرار المفاوضات التجارية.
  • إيجاد تقسيم للعمل بين المانحين، والذي سوف يتيح توحيد وتنسيق المساعدات الاقتصادية.

اقرأ ايضاً

اقرأ ايضاً

على مستوى تحسين الوضع الأمني، يعد الأمن التونسي على رأس قائمة اهتمامات أمريكا وأوروبا، من أجل الحيلولة دون أن تصبح تونس بؤرة جديدة لتنظيم داعش. فيجب أن تركز هذه المساعدات على دعم قدرات الجهات الأمنية التونسية، وكذلك دعم الاصلاحات الحاسمة في القطاع الأمني، والتي بدورها سوف تعزز من فعالية وشرعية مؤسسات الدولة بين المواطنين. ومن أجل تعزيز المشاركة الدبلوماسية المشتركة حول هذه الموضوعات، ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا فعل الآتي: 

  • عقد مؤتمر رئيسي وكذلك عقد مشاورات مع المسئولين التونسيين وأصحاب المصالح في البرلمان، ودعاة الاصلاح من منظمات المجتمع المدني، لتحديد معايير إصلاح القطاع الأمني والاتفاق عليها، والتي يمكن أن تحقق في مقابل توفير الخدمات وأشكال الدعم المادي الأخرى.
  • دعم الجهات الفاعلة خارج نطاق الأجهزة الأمنية، مثل المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، من أجل تعزيز الحكم الرشيد والمساءلة، وتعمل في نفس الوقت بشكل وثيق مع الحكومة، على القضايا الرئيسة مثل أمن الحدود.
  • أن تكون هناك شفافية أكبر في التواصل مع الشعب التونسي بشأن المساعدات الأمنية.
  • ضمان وصول المساعدات للجيش التونسي (الذي لعب دوراً كبيراً منذ الثورة في حفظ الأمن الداخلي)، والتأكد من التزام الحرس الوطني بمعايير حقوق الانسان المعترف بها دولياً، وكذلك تقديم المساعدات لوزارة الداخلية.

وأخيراً يتوجب على القائمين على الاستراتيجية الأمريكية-الأوروبية المشتركة، إدراك أن نجاح التجربة الديمقراطية التونسية على المدى البعيد، سوف يعتمد على مدى ما تحرزه تونس من تقدم سياسي، وليس على الاجراءات الأمنية المشددة. وبذلك ينبغي للمساعدات الموجهة للديمقراطية ألا تقتصر على دعم الاستحقاقات الانتخابية فحسب، ولكن تركز أيضاً على بناء مؤسسات حكومية ديمقراطية وفعالة. وفي هذا الإطار، يتوجب على المانحين الغربيين فعل الآتي:

  • تعزيز مشاركة تونس في التجمعات العالمية التي تضم الدول الديمقراطية، بما في ذلك المنظمات متعددة الأطراف، كآلية لترسيخ مكاسبها الديمقراطية، وتقديم رؤيتها الدولية كديمقراطية ناشئة.
  • أن يكونوا أكثر يقظة وصراحة بشأن انتهاكات حقوق الانسان في تونس، وذلك باستخدام كلٍ من الدبلوماسية العامة والخاصة على حدٍ سواء من أجل حث تونس على احترام التزاماتها المحلية والدولية تجاه حقوق الانسان.
  • تشجيع المانحين على تركيز مجهوداتهم على مجالات المزايا والقدرات النسبية، من أجل رفع كفاءة المساعدات.
  • التركيز على المؤسسات التي يمكن من خلالها لهذه المساعدات أن تعالج قضايا سياسية هامة، وتوضح للتونسيين أن بإمكان الديمقراطية تحسين حياتهم. وكجزء من هذا، يجب على المانحين إنشاء روابط وعلاقات للتونسيين مع خبراء من ديمقراطيات أخرى ناشئة تغلبت على تحديات بناء مؤسساتها.
  • إجراء تقييم مشترك للدعم الموجه للمجتمع المدني، لزيادة فعاليته ودفعه للأمام.

يجب على الولايات المتحدة وأوروبا الانخراط في توجه عبر أطلنطي مشترك لدعم الديمقراطية في تونس. حيث يجب العمل على منع ازدواجية جهود المساعدات، وذلك عبر مشاركة المعلومات والتعاون الاستراتيجي وبرامج شفافة. ولضمان أفضل لفعالية هذه المساعدات ينبغي على كلٍ من الولايات المتحدة وأوروبا فعل الآتي:

  • إنشاء إطار عبر أطلنطي عالي المستوى، للمناقشات الدورية بشأن تونس، وتدار من قبل العواصم الغربية، لوضع تونس كأولوية سياسية ملحة. ويجب على فريق العمل التنسيق مع الحكومة التونسية والشركاء المحللين الآخرين، لمتابعة التقدم المُحرز وتحديد الأولويات.

وبذلك، ينبغي على الغرب تحقيق الانسجام بين دعمها الخطابي القوي لمستقبل تونس بزيادة تنسيق المساعدات الموجهة لها، والتي توضح موضع الأولويات في تونس. وبينما تقع المسئولية الأولى للإصلاح على عاتق تونس، يمكن أيضاً للمجتمع الدولي وخاصةً الولايات المتحدة وأوروبا لعب دور أكثر تأثيراً في مساعدة تونس على تحقيق مزيد من الاستقرار والديمقراطية. عدم القيام بمقل هذا الأمر، يُعد تضيعاً للفرصة، لأن تونس الديمقراطية تُعد بمثابة خطوة هامة في السعي الغربي نحو شرق أوسط معتدل ومستقر. ولكن بدون العمل على ذلك في أقرب وقت، فربما بمرور الوقت تستلم تونس للتحديات التي تواجهها، إن الوقت ينفذ.

 Read Full Report in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط