اقتراب عبر الأطلنطي من أجل العالم العربي: الاستقرار من خلال الادماج والحكم الرشيد

فرنسيس برويل ودانيا جرينفيلد وإيمي هاوثورن

بعد أربع سنوات من انتفاضات شعبية اندلعت من أجل الحقوق والكرامة والعدالة الاقتصادية في أرجاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط، باتت التعهدات الأولية لأوروبا والولايات المتحدة لدعم تحول المنطقة الديمقراطي والاقتصادي ذكرى بعيدة. وأمام التحديات المتزايدة في المنطقة والشكوك المتكررة بأن الغرب غير قادر على التأثير بصورة أو بأخرى، فقد تلاشت سريعاً التعهدات بالدعم الكبير والتعاون عبر الأطلنطي.

ومع فشل معظم الانتفاضات العربية – ما عدا تونس – في أن تحقق حكماً ديمقراطياً، ومع معاناة العالم العربي مرحلة قاتمة من صراع عنيف، وتوتر طائفي، وتدهور الدولة، وانحسار السلطة، فقد عادت معظم المشاركات الأوروبية والأمريكية الإقليمية إلى وضعها فيما قبل 2011 من حيث إعطاء الأولوية للعمل مع حكومات عربية غير ديمقراطية.  وما زال التعاون عبر الأطلنطي لمكافحة الإرهاب والعمل العسكري في المنطقة قوياً. إلا أن الحافز والجهد محدودَين للعمل معاً على استراتيجية طويلة الأجل لتشجيع إقامة نظم سياسية شاملة يمكنها حماية الحقوق الأساسية للمواطنين العرب، وتوفير الأمن الإنساني فعلياً، وتحقيق الازدهار الاقتصادي على نطاق واسع. ولم تظهر أي أجندة أوروبية-أمريكية إيجابية ملموسة في المنطقة تعتمد على مطالب المواطنين بالتغيير والتي عبروا عنها بشكل قوي في 2011. 

الحاجة لمبادرة عبر الأطلنطي

إن تفضيل الولايات المتحدة وأوروبا للمصالح قصيرة الأجل يعرض أمنها للخطر. فالمشكلة ليست في القيم فحسب، بل إن مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة هي في نهاية الأمر تأمين الاستقرار. إن استقرار الشرق الأوسط لا يتطلب حل الصراعات بين الدول فحسب، وكما أوضحت انتفاضات 2011، بل يستلزم معالجة المظالم الشعبية داخل البلاد العربية. وللتأكيد، فإن الإرهاب والتطرف والصراع العنيف هي مشاكل معقدة للغاية، كما أن إحلال الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي ليست عملية سهلة، بل إنها قد تعقد الأمور على المدى القصير. إنما من المؤكد أن القمع، والحكم الضعيف، والنظم الاقتصادية غير الفاعلة سيجعل حل تلك المشاكل أكثر صعوبة. 

إن المظالم التي أثارت الانتفاضات لم تنته، حتى لو لم تعبر عنها الشعوب العربية بشكل ظاهر كما كان الحال في أوائل 2011. لقد ساءت تلك المشاكل في كل بلد عربي، وخاصة بالنسبة للشباب، حيث يشعر كثير منهم بالتهميش، ولا يرون إلا مستقبلا لا أمل فيه في ظل الوضع الراهن. إن الواقع الديمغرافي لشباب المنطقة مزمن، وإلى جانب ضعف النمو الاقتصادي، ما يرجح بشدة أنه في حال عدم الانتباه إلى المظالم الأساسية، فستقوم ثورات أخرى بقيادة شبابية، من القاعدة إلى القمة ضد الحكومات القمعية غير الفعالة، تهز المنطقة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ضمن رؤية متواضعة ذات نطاق ضيق للعمل الغربي، فهناك أساس منطقي قوي للشركاء عبر الأطلنطي لأن يتعهدوا بدعم التغيير الديمقراطي بطريقة أكثر استراتيجية ووضوح. 

أولاً: حتى في الدول المستبدة فإن الحكومات والمجتمعات ليست وحدات متراصة، وهناك جهات فاعلة داخل منظومة الدولة وخارجها تريد التغيير والمزيد من الانفتاح. قد تكون ضعيفة، إلا أنها ليست غائبة. فمن خلال الإبقاء على الرسائل والمشاركات المتسقة والتي تُعلي المبادئ الأساسية للديمقراطية، يمكن للولايات المتحدة وأوروبا، بمرور الوقت، المساعدة في دعم رؤية أولئك الذين يريدون رسم مسار مختلف لبلدانهم. 

ثانيا: إن الاهتمام بالحكم العادل والحقوق في الشرق الأوسط ليست ترفاً سياسياً بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا بل هو ضرورة. إن ظروف عدم الاستقرار موجودة في كل بلد، ولا يمكن تجاهلها إلى أجل غير مسمى. فإما أن يكون المجتمع عبر الأطلنطي شريكا ثابتا في دعم من يسعون إلى التحول السلمي نحو التعددية وسيادة القانون، والنظم الاقتصادية الشاملة. وبالمقابل، يمكن أن تظل الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون على الهامش ولا يعاودون المشاركة إلا عندما تصبح المشاكل أكثر صعوبة. 

وتعد هذه اللحظة الملائمة لوضع هذه الاستراتيجية المشتركة الاستباقية لتشجيع نظم سياسية واقتصادية أكثر انفتاحا وتكاملاً في العالم العربي. ومع بقاء عامين فقط للرئيس باراك أوباما في الرئاسة، فإن عليه أن يضع الأساس لسيرة إيجابية في الشرق الأوسط، بحيث لا يكون تاريخه مقتصر فقط على الانسحاب، وهجمات الطائرات بدون طيار، والجهود الأخرى لمكافحة الإرهاب. وفي أوروبا، فإن القيادة الجديدة للاتحاد الأوروبي بصدد إعادة إحياء سياسة الجوار الأوروبي لجنوب البحر الأبيض المتوسط. 

وعلى مثل هذه الاستراتيجية المشتركة أن تقر في البدء بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (وحتى الدول الأوروبية الفردية) ليس لديها (وليست بحاجة أن يكون لديها) آراء، واهتمامات، وأساليب معالجة متطابقة بالنسبة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فعلى الرغم من اختلاف النهج وبعض الأولويات، تجمع الولايات المتحدة وأوروبا مصلحة أساسية في استقرار المنطقة واعتدالها، والالتزام بالقيم الأساسية الديمقراطية والاقتصادية.

إن اتباع منهجاً مشتركاً من شأنه الاستفادة من القوة الشاملة الفريدة للتحالف عبر الأطلنطي. كما أن النهج المشترك أمراً ضرورياً لأن التحديات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عميقة للغاية، والفرص أمام الولايات المتحدة وأوروبا عالية للغاية، والتنافس من أجل النفوذ في المنطقة قوي، لذا فإن المزيد من التنسيق الاستراتيجي هو الطريقة الوحيدة لتعظيم النفوذ الأمريكي-الأوروبي في منطقة صعبة. 

وفي عصر تسود فيه الحيرة والقلق إزاء تراجع النفوذ الغربي، من الضروري تذكر ما يمكن لأوروبا والولايات المتحدة تقديمه للمنطقة من خلال جدول أعمال ملائم يعتمد على القوة الناعمة، خاصةً إذا ما قورن مع ما تقدمه جهات فاعلة رئيسية أخرى في المنطقة (مثل إيران أو روسيا). إن الأساس هو دعم القواعد الانتخابية الأساسية في المنطقة بطرق تتجاوب مع متطلبات الأفراد، وتقوم على التعاون مع الشركاء العرب من داخل الحكومات وخارجها. 

وتشمل الحوافز التي يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأعضاء تقديمها للحكومات، بناءً على التقدم الديمقراطي والاقتصادي ما يلي:

  • التجارة والوصول المتميز للأسواق.
  • المساعدات المالية والإنمائية المصحوبة بالمشورة الفنية على مستوى عالمي.
  • نفوذ المساهمين داخل المؤسسات القوية الدولية ومتعددة الأطراف.
  • الشرعية السياسية من خلال إشادة الولايات المتحدة/الاتحاد الأوروبي/أوروبا بسجلات حقوق الإنسان والتقدم السياسي للحكومات العربية، أو نزعها من خلال توجيه النقد على الساحة العالمية. 

نفوذ بمعنى “قوة المثال” ونقل المعرفة إلى الحكومات والمواطنين ويتضمن: 

  • المهارات اللازمة لعدد من الإصلاحات الاقتصادية، وتنمية الأعمال الصغيرة، والتعليم المهني والفني، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، واقتصاديات قائمة على الابتكار – وجميعها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحديات الاقتصادية الرئيسية التي تواجهها الدول العربية.
  • مساعدات فنية لتعزيز المجتمع المدني، وبناء القدرات الإدارية، واللامركزية، والحكم المحلي، والعمل التطوعي، وإصلاح الشرطة والقضاء، وبناء المؤسسات.
  • التعرف على قيم ومؤسسات ديمقراطية من خلال السفر، والعمل، والدراسة في الولايات المتحدة وأوروبا. 

إن وجود استراتيجية عبر الأطلنطي لا يتطلب نهجاً مشتركاً لجميع القضايا، أو صيغة متطابقة لكل بيان دبلوماسي، أو برامج مساعدة تُنفٓذ بدقة. إنها لا تعني أكثر من تبادل معلومات من آن لآخر أو ردود فعل مشتركة في حالات الأزمات. ويعني مستوى تنسيق استراتيجي العمل نحو هدف طويل الأجل وواسع يتضمن ردود أفعال بعضها منسجم والآخر موازي، وفقاً لقدرات وإمكانيات الولايات المتحدة وأوروبا في كل حالة.

نحو نهج عبر أطلنطي

إلى جانب الجهود من أجل دحر الدولة الإسلامية في العراق والشام وغيرها من المخاطر الأمنية الملحة، تحتاج الولايات المتحدة وأوروبا اتجاهات مختلفة لكل من الفئات الأربعة من البلدان:

  • دول مزقتها الحرب وتشهد عدم فعالية وتداعي – سوريا، واليمن، وليبيا. على الولايات المتحدة وأوروبا أن تلعبا دورا قيادياً قوياً لحل هذه الأزمات وأن تتجنب إغراء “الاستعانة بمصادر خارجية” لحلها. وعليها أيضاً التأكد من أن الحلول المقدّمة ليست عسكرية، بل سياسية في جوهرها، تركِّز على تشكيل أنظمة شاملة إضافية. وسيكون أي حل آخر مجرد إصلاح سريع لن يخلق سوى المزيد من عدم الاستقرار والتهديدات الأمنية قريباً.
  • دول تمر بتحول ديمقراطي ضعيف – تونس. هناك حاجة إلى المزيد من الاهتمام والدعم المتسق لمساعدة تونس بالمضي قدماً، وخاصة اقتصادياً، وحمايتها من التراجع عن المسار الديمقراطي.
  • دول تشهد إصلاحات سياسية تجميلية وتحول اقتصادي ضعيف – المغرب، والأردن، والجزائر، ودول الخليج – حيث يغلب التسلط والنماذج الاقتصادية القديمة، وحيث تفادت معظم الاضطرابات في الوقت الحالي، إلا أن السخط الاجتماعي في ازدياد.
  • دول يعود فيها الاستبداد والاضطراب إلى الظهور بعد تعبئة شعبية وانفتاح سياسي كبيرين – البحرين ومصر – حيث توجد حاجة ماسة إلى مبادرة أمريكية-أوروبية مشتركة ترتكز على المبادىء الديمقراطية الأساسية وحقوق الإنسان، تكون رسالة قوية موجهة لتلك الدول. 

ماهية مبادرة عبر الأطلنطي

إعداد منهج فعال لتعزيز الإصلاح الاقتصادي الذي يؤدي إلى نمو شامل. إن سياسة الولايات المتحدة وأوروبا وبرامج المساعدة تجاهلت إلى حد كبير توظيف الاقتصاد السياسي لخدمة المصالح الشخصية ونماذج الفساد العميقة التي أعاقت النمو الشامل وإنشاء فرص عمل للشباب في الشرق الأوسط. وعلى الشركاء عبر الأطلنطي أن يدعموا جدول أعمال إصلاح اقتصادي يركٍز بشكل علني على بناء اقتصاد شفاف يلتزم بالقواعد، ويمنح الفرص للجميع، وليس فقط لمن لهم اتصالات بالنخبة السياسية. 

التركيز على الشمولية، والتعددية، وبناء المؤسسات (وليس فقط على الانتخابات) والاستمرار بمشاركة جهات مدنية فاعلة (وليس الحكومات فقط). وعلى الولايات المتحدة وأوروبا أن تحوِّل انتباهها من تركيز غالباً ما يكون ضيق على الانتخابات إلى جدول أعمال أوسع لبناء المؤسسات. وعلى تقييم التقدم الديمقراطي في البلاد العربية أن يستند إلى درجة الشمولية وسيادة القانون بقدر ما يستند إلى إجراء انتخابات سلمية.

إن وجود مجموعات مدنية موجهة نحو الديمقراطية هو أمر حاسم لكي تساعد في جعل الدول والقادة عرضة للمحاسبة. كما أنها ضرورية للدفاع عن الحقوق، والتعددية، والحريات، والتسامح، كخطاب مواجه للرسائل الجهادية الإقصائية وغير الليبرالية.  وعلى الولايات المتحدة وأوروبا أن تؤيدا المجموعات المدنية المستقلة كلما سنحت الفرصة وأن تبرزا تلك المسألة بشكل واضح كجزء من ارتباطهما بالمنطقة. 

تعزيز المزيد من الموازنة للعلاقات بين المدنيين والعسكريين، وإصلاح قطاع الأمن حتى أثناء مواجهة التهديدات الأمنية الشديدة بالشراكة مع الحكومات العربية. فالأنظمة التي لا تبني مؤسسات على أساس سيادة القانون والعدالة لا يمكنها توفير أمن حقيقي لشعوبها، ناهيك عن عدم قدرتها على منع التهديدات المستمرة للمجتمع الدولي الأوسع. إنها غالباً ما تجعل تحديات الإرهاب أسوأ.

يتوجب على برامج المساعدات الخارجية التأكد من أن التعاون الأمني مع الحكومات العربية يضم تركيزاً على إصلاح القوى العسكرية، والأمن الداخلي، والقضاء منذ البداية وليس كمجرد فكرة. 

كيفية تنفيذ المبادرة عبر الأطلنطي

ممارسة مبادرة خاصة لكل بلد. على الشركاء عبر الأطلنطي تحديد أهم الأولويات المشتركة لكل بلد، وأن يطوروا مبادرة استراتيجية تتعلق بتلك الأولويات، ومن ثم يخططوا لكيفية عمل الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين معاً لتقدمها. 

إجراء تقييم شامل لبرامج مساعدات الولايات المتحدة والإتحاد الاوروبي الأساسية لتحديد مكان وجود ازدواجية في البرامج، وأي برامج تسير بشكل أفضل والسبب في ذلك. 

تنسيق التواصل عبر الأطلنطي مع دول الخليج بشأن دورها في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية. ولن يكون ذلك بالعمل السهل، نظراً لجداول العمل المتباينة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي بعض الحالات بسبب إدراج الأحزاب الإسلامية. وقد يكون الإصلاح الاقتصادي هو المجال الوحيد لحوار حقيقي في الوقت الحاضر، إلا أنه نقطة انطلاق جيدة يمكن الاعتماد عليها. 

ضمان أن يكون التشاور حول أهم المشاكل السياسية والاقتصادية أكثر توحداً وتناسقاً. ومن نقاط القوة الأساسية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قدرتها على منح الموافقة للحكومات التي تريد الشرعية الدولية من خلال التحدث بشكل واضح. 

الطريق إلى الأمام

هناك اتجاه في واشنطن والعواصم الأوروبية لإعادة تبني فكرة حكم الرجل القوي في العالم العربي. إلا أن اللجوء إلى تلك الفكرة القديمة يتسم بقصر النظر.  فالحكومات التي تفشل في الاستجابة لاحتياجات مواطنيها تصبح أرضاً خصبة لعدم الاستقرار والاستياء والعنف والإرهاب الذي يتخطى الحدود. ويجب ألا يكون الغرب في حاجة لتعلم ذلك الدرس مرتين في أقل من خمسة عشر عاماً. 

إن تعزيز المشاركة الأمريكية-الأوروبية مع الدول العربية حول تحدياتها السياسية والاقتصادية الداخلية سيكون تحدياً شاقاً. تنشغل الولايات المتحدة وأوروبا بأولويات عالمية وإقليمية أخرى، وينقصها الحماس بسبب محدودية تأثيرها منذ 2011، مع شعورها بالإحباط بسبب تدهور الوضع في جميع أنحاء المنطقة. ومع ذلك، فقد حان الوقت لإعادة التواصل. وقد قدمت هذه المقالة التحليل المنطقي وبعض المقترحات الأولية لإطار أساسي من أجل إعداد مبادرة استراتيجية عبر الأطلنطي. 

فرنسيس برويل هو نائب رئيس المجلس الأطلنطي ومدير برنامج العلاقات عبر الأطلنطي.

دانيا جرينفيلد هي نائب مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

إيمي هوثورن هي كبير باحثين مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

Read Full Report in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.