تيران وصنافير مصريتان بحكم القضاء

قضت الدائرة الأولي بمحكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة برئاسة المستشار يحيى الدكروري، نائب رئيس مجلس الدولة، ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية والتي تم توقيعها في 9 أبريل الماضي، وتقضي هذه الاتفاقية بتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير، واعتبارهما جزءاً من المياه الإقليمية السعودية.

وقد أودعت المحكمة حيثيات حكمها اليوم والتي توضح فيها الأسباب والاعتبارات القانونية والتاريخية التي استندت عليها للقضاء ببطلان الاتفاقية ومصرية جزيرتي تيران وصنافير. قام برفع هذه الدعوة فريق من المحامين يقوده المحامي الحقوقي خالد علي، وتضامن في رفع الدعوة 182 شخصا أخر، أبرزهم مالك عدلي وعلاء أحمد سيف وأحمد سعد دومه وليلى مصطفى سويف ومنى أحمد سيف الإسلام. وفيما يلي عرضا لأهم النقاط التي وردت في حيثيات حكم المحكمة.

وقائع القضية

طالبت الدعوى التي أقامها خالد علي بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين مصر والسعودية، وبطلان ما ترتب على هذه الاتفاقية من آثار. كما طالبت الدعوة بوقف أي عمل من أعمال اخلاء جزيرتي تيران وصنافير، ووقف أي عمل من أعمال تسليمهما إلى السعودية، وطالبت الدعوة باستمرار ممارسة مصر لحقوق السيادة كافة على الجزيرتين دون اهدار أو انتقاص، وعدم الاعتداد بأي اجراء إلا بعد عرض الاتفاقية على الاستفتاء الشعبي، وموافقة الشعب عليها طبقا لنص الفقرة الأخيرة من المادة 151 من الدستور، والتي تنص “وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة.” ودفعت الدعوة بأن هذا التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير من جانب الحكومة المصرية يعد عملاً إدارياً، وهو يخالف نص المادة 151 من الدستور، كما أن هذا التنازل يخالف اتفاقية ترسيم الحدود التي أبرمت في عام 1906.

تيران وصنافير مصريتين بحكم التاريخ والوثائق

قدم خالد علي ثلاث حوافظ مستندات تثبت وقوع جزيرتي تيران وصنافير ضمن حدود إقليم الدولة المصرية وممارسة الدولة المصرية لكافة حقوق السيادة عليهما، ومن هذه المستندات:

  1. صور لصفحات من كتاب المستشرق الفنلندي جورج اوغست فالين “صور من شمالي جزيرة العرب في منتصف القرن التاسع عشر.”
  2. صور لخريطة ولصفحة 46 من كتاب صادر عام 1945 باللغة الإنجليزية عن وزارة المالية المصري بعنوان: Survey of Egypt: Index of Place Names، والذي يعتبر الجزيرتين ضمن إقليم الدولة المصرية.
  3. صورة لخريطة مصر من أطلس ابتدائي للعالم، كان يستخدم في المدارس المصرية، وقد طبع هذا الأطلس بمصلحة المساحة والمناجم على نفقة وزارة المعارف العمومية المصرية سنة 1922، وأٌعيد طبعه 1937.
  4. الأطلس التاريخي للملكة العربية السعودية طبعة 2000، وكان قد تم اعداده وتنفيذه عن طريق دار الملك عبد العزيز، والتي كان يرأسها الأمير سلمان بن عبد العزيز. ولم يتضمن هذا الأطلس جزيرتي تيران وصنافير ضمن الجزر السعودية، والتي أوردها الأطلس حصرا لها.
  5. نسخة من كتاب “تاريخ سيناء القديم والحديث وقوانينها” لـ نعوم شقير والذي صدرت طبعته الأولى 1916.
  6. كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس الابتدائي وكتاب جغرافية مصر للصف الأول الثانوي، والتي أصدرتهما وزارة التربية والتعليم المصرية في عامي 2015 و2016.
  7. نسخة مصورة من كتاب المحميات الطبيعية في مصر الصادرة من إدارة المحميات الطبيعية بجهاز شئون البيئة التابع لمجلس الوزراء المصري.
  8. الأطلس الجامعي الصادر عن جامعة كامبريدج سنة 1940.

الاتفاقية لا تقع ضمن أعمال السيادة وخاضعة لرقابة القضاء

كانت الحجة الأساسية التي دفعت بها هيئة الدفاع الممثلة للحكومة المصرية هي الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى وعدم قبول الدعوة لانتفاء القرار الإداري، على اعتبار أن ابرام الاتفاقية يقع ضمن اعمال السيادة، وأن الطلبات في الدعوة المقامة تتعلق بأعمال برلمانية، لأن مجلس النواب هو المختص بالموافقة على المعاهدات. وبناءً عليه، في بداية نص حيثيات الحكم أرادت هيئة المحكمة الرد على حجة عدم الاختصاص من جانب الحكومة، حيث أشارت إلى أنه طبقا لما قضت به المحكمة الإدارية العليا، فإن أعمال السيادة ليست نظرية جامدة، وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسياً مع الحرية والديمقراطية، فيتسع نطاق اعمال السيادة في النظم الديكتاتورية، ويضيق هذا النطاق كلما ارتقت الدولة في مدارج الديمقراطية. وأضافت حيثيات الحكم أن الدستور الحالي في المادة 97 حظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء. وقد اعتبرت المحكمة أن قيام الحكومة المصرية بالتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية ليس عملا من أعمالا السيادة، وإنما يقع ضمن أعمال الإدارة، الأمر الذي يعطي للمحكمة الحق في النظر في الطعن عليها وفقا لحكم المادة 97 من الدستور.

وقد أكدت حيثيات الحكم أيضاً أن ما يتعلق بأرض الوطن والسيادة الثابتة عليه هو شأن كل مواطن في مصر، والشعب وحده هو “صاحب السيادة يمارسها ويحميها وهو مصدر السلطات.” ومن ثم فإن التنازل عن جزء من أرض الوطن ليس من المسائل التي تقع ضمن أعمال الإدارة أو السيادة من أجل النأي بها بعيداً عن رقابة القضاء.

واعتبرت المحكمة أن المادة 151 من الدستور أيضاً تحظر على السلطة التنفيذية القيام بأي عمل من أعمال ابرام المعاهدات الدولية بما فيها التوقيع عليها، إذا كانت هذه المعاهدات تخالف الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة. وأكد قرار المحكمة ان الحظر المنصوص عليه في هذه المادة هو حظر مطلق وليس استثناء، ولا مجال للتحلل منه تحت أي ظروف أو مبررات.

وفي الرد على نقطة أن الاتفاقية المبرمة بين مصر والسعودية بخصوص الجزيرتين هي معاهدة دولية بين أطراف دولية يجمعها وصف أنها من أشخاص القانون الدولي العام، قد أكدت حيثيات المحكمة أن من شروط صحة المعاهدات الدولية هي أن يتم ابرامها وفقاً لأحكام القانون الداخلي للدولة وفي مقدمتها الدستور. وهو الأمر الذي نصت عليه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية والتي وافقت عليها مصر في عام 1981، حيث أجازت الاتفاقية لأطراف المعاهدة التمسك ببطلان المعاهدة إذا انطوت على خرق واضح لقواعد القانون الداخلي.  

وأشارت المحكمة إلى أن ممثلي الحكومة فشلوا في تقديم نص الاتفاقية المبرمة مع السعودية طوال مراحل التقاضي، وانتقدت المحكمة تمترس ممثلي الحكومة خلف حجة عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوة، واعتبرت أن مثل هذا الأمر لا يليق بجهة الإدارة، التي يجب أن يكون هدفها تحقيق الصالح العام في كل عمل تقوم به.

وقد استندت المحكمة في الحكم ببطلان الاتفاقية إلى الوثائق والوقائع التي قدمها فريق المحامين بقيادة خالد علي، بالإضافة إلى الوقائع التاريخية التي تثبت ممارسة الدولة المصرية لحقوق السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، والتي منها على سبيل المثال:

  1. أمر العمليات الصادر من وزارة الحربية والبحرية المصرية في 19 يناير 1950 بوضع قوة عسكرية على جزيرة تيران وانشاء محطة إشارات بحرية بها.
  2. قيام مصر بفرض حصارا بحريا على إسرائيل ومنعها من المرور في مضيق تيران، وتمسك مصر بسيادتها على جزيرة تيران، وأن المضيق هو مياها داخلية مصرية في خمسينيات القرن الماضي.
  3. معاهدة السلام مع إسرائيل والتي اعتبرت أن الجزيرتين تقعان ضمن المنطقة (ج) في المعاهدة.
  4. بالإضافة الى ذلك استندت المحكمة إلى مجموعة من القرارات الوزارية التي صدرت عن وزارات الزراعة والسياحة ومجلس الوزراء، والتي يعبر مضمونها جميعها عن ممارسة الدولة المصرية لأعمال السيادة الكاملة على تيران وصنافير، باعتبارهما جزء لا يتجزأ من إقليم الدولة المصرية.

وبناءً على هذه الحقائق والتاريخية والوثائق القانونية، أشارت المحكمة إلى أن الواقع على الأرض يثبت أن الدولة المصرية تمارس بالفعل حقوق سيادية كاملة لا يزاحمها فيها أحد على جزيرتي تيران وصنافير، ومن ثم فإن الجزيرتين تقعان ضمن حدود الدولة المصرية، ومن ثم يحظر التنازل عنهما، وأن قيام ممثل الحكومة المصرية بالتوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية يعد مخالفة جسيمة للدستور.

Read in English 

النص الكامل لحيثيات الحكم

محمد الجوهري

محرر المحتوى العربي في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط