التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (2-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتبارها سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولا عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر. في هذه الحلقة الثانية يتحدث هوف عن أهم الركائز والأهداف التي يمكن أن تقوم عليها استراتيجية أمريكية تجاه سوريا.

ناقش الجزء الأول من هذه السلسلة صعوبة التوصل إلى هدف أمن قومي أمريكي متماسك في سوريا. ورثت إدارة ترامب من سابقتها كارثة سياسية: بقايا دولة تحت أسرة حاكمة تحميها إيران من تجاوزات القتل (والتي كانت إدارة أوباما ترغب في التوصل إلى اتفاق نووي معها). تنظيم داعش (أو الدولة الإسلامية) الذي أُعطى وقتا كافيا لتثبيت جذوره في سوريا وشن هجمات إرهابية شرسة في تركيا وغرب أوروبا. بعد أن تم التعامل مع هذه القضايا بأسوأ شكل ممكن، ما الذي يمكن للإدارة الجديدة أن تأمل في تحقيقه في سوريا؟

وجدت اتفاقا كبيراً بين بعض مسؤولي إدارة أوباما بأن حماية المدنيين هي البوابة التي يمكن من خلالها القيام بتخطيط رشيد للسياسة، وأنه إذا كان المدنيون في مرمى نظام الأسد والمنظمات الإرهابية أخرى، فلا شيء محمود يمكن أن يحدث سياسياً في سوريا. مع تبخر المقومات المدنية وترويعها والقضاء عليها، لا يمكن أن يكون هناك مفاوضات أو حل توافقي أو اتفاق أو مصالحة. وعلى الرغم من التعقيد البالغ لحالة الدولة الفاشلة في سوريا اليوم، لا زالت نقطة الانطلاق لأي شيء محمود هو نهاية الحرب على المدنيين، وهي حرب تفوّق فيها نظام الأسد على تنظيم داعش وغيره من المنظمات الطائفية البدائية الأخرى من حيث الدقة وعدد الضحايا.

ولذلك كان من المهم جداً لإدارة ترامب أن تستجيب بالطريقة التي اتبعتها في الهجوم الكيميائي لنظام الأسد على مواطني خان شيخون في 4 أبريل/نيسان 2017. ومن الضروري ألا يحصل النظام وروسيا على أي ضمانات من الإدارة الأمريكية أو على انطباع بأن هجوم صواريخ كروز الانتقامية في 6-7 أبريل/نيسان كان لمرة واحدة لا يمكن أبدا أن تتكرر. في الواقع، من الأفضل إذا تفهمت روسيا والنظام أنه من الآن فصاعداً، فإن أي عملية جماعية ضد المدنيين قد تؤدي إلى استجابة عسكرية أمريكية قوية. تشكل الوفيات الناتجة عن استخدام المواد الكيميائية، في نهاية المطاف، أقل من 1% من الوفيات المدنية الناجمة عن الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد.

إن وقف الإرهاب المتعمد للدولة هو المدخل الذي يجب أن تمر من خلاله السياسة، إذا تمخضت سياسية متحضرة في سوريا. نعم، فإن حرمان الأسد وعملائه من طريقهم المفضل للبقاء السياسي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض هذا النظام الإجرامي، وتسهيل الانتقال إلى شيء أفضل. ولكن في نهاية المطاف ليست عشرين دقيقة من الآن. ركزت روسيا وإيران بنجاح على إنقاذ شخص تجاوزت قيمته بالنسبة لهم إلى حد كبير التجنيد الذي قام به نظامه لداعش والقاعدة وغيرها. بالنسبة لروسيا، يُجسد الدولة التي يُزعم أنها أُنقذت من مؤامرة تغيير النظام الأمريكية. بالنسبة لإيران، فإن استعداد الأسد لإخضاع سوريا لحزب الله لا يقدر بثمن.

ولذلك يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أي هدف واقعي للأمن القومي في سوريا بأن بشار الأسد سيبقى رئيسا لما تبقى من الجمهورية العربية السورية في المستقبل المنظور. تدعي موسكو عدم وجود بديل للأسد، ويُخبر الروس نظرائهم الأمريكيين أنهم يخشون أن “عدم الاستقرار” قد يحصل إذا اختفى من كان وراء تدمير سوريا، المحفز لصعود داعش، المسبب لأزمة اللاجئين في سوريا، والمساهم الرئيسي في أزمة المهاجرين التي اجتاحت أوروبا الغربية في عام 2015. ويقترحون أنه بمجرد هزيمة “الإرهاب”، يمكن أن يحكم الناخبون السوريون على الأسد في انتخابات حرة ونزيهة. وهم يسعون إلى تصوير حليفهم الأسد كعامل للاستقرار والشرعية، آخذين نقاط ضعفه القاتلة وتصويرها على أنها نقاط قوة مرغوبة.

وتسعى إيران صراحة إلى الحفاظ على الأسد إلى أجل غير مسمى، حتى في حالة حدوث انتخابات سورية حرة ونزيهة في العقد القادم. الأسد وحده، من بين الشخصيات السياسية السورية، مستعد للسجود للمرشد الأعلى الإيراني ولرجل طهران في لبنان: الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. إذا لم تخضع سياسة طهران الخارجية لتغيير جوهري، فإن بشار الأسد حرفياً غير عرضة للاستبدال بالنسبة لإيران.

وبالتالي، ونظراً لتصميم موسكو وطهران على الحفاظ على النظام الذي يسهل حملة الهيمنة الطائفية الإيرانية في العالم العربي، في الوقت الذي يُلهم ردود فعل طائفية عنيفة من متطرفين إسلاميين آخرين، ماذا تبقى فعلاً وواقعياً من أهداف الأمن القومي الأمريكية في سوريا؟

من المؤكد أن الالتزام بهدف الانتقال السياسي يجب الحفاظ عليه، تبعاً للصيغة المعترف بها والمعتمدة دوليا للتحول السياسي المكرسة في بيان جنيف الختامي الصادر في 30 يونيو/حزيران 2012. الأسد، في نهاية المطاف، هو نقيض الشرعية السياسية، وهو يخدم إيران، ويشجع ردود الفعل المتطرفة كنتيجة لسوء حكمه، ولوجود الميليشيات الأجنبية التي تقودها إيران في سوريا لتحل محل جيشه المدمر. ومن خلال الاستعمال المدمر لإرهاب الدولة، أثبت لجيرانه الإقليميين ولجميع أوروبا أنه لا يوجد شيء في الكارثة السورية الذي يمكن بأي شكل من الأشكال احتواءه. وطالما أنه لا زال ناشط سياسياً فإنه سيشكل تهديداً للسلام وتحدياً لمصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة وخارجها. دول الغرب قد تقبل الأسد كلاعب فيما تبقى من سوريا على المدى الطويل، لكن هذا خطيراً.

لكن إيران وروسيا قد ضمنت بقاء الأسد، وواشنطن أعطت الأولوية لتحييد إحدى النتائج الرئيسية لحكم الأسد: تنظيم داعش؛ وقالت القيادة المركزية للولايات المتحدة – التي تتخذ من تامبا (في فلوريدا) مقرا لها –  على نحو محتمل متحدثةً باسم الحكومة الأمريكية، إنها لن تعترض على قوات الميليشيات الشيعية الأجنبية بقيادة إيران وقوات نظام الأسد إذا ما تقدمت باتجاه شرق سوريا شريطة أن تحارب تنظيم داعش.

على الرغم من أن إنهاء الجانب الجغرافي من “الخلافة” في سوريا أمر مهم ومتأخر كثيرا، فإن القيام بذلك لن يدمر التنظيم، ولن يزرع في سوريا الترياق المطلوب للبلد الذي يعمل كمضيف للمتطرفين والإرهابيين: الشرعية السياسية. في الواقع، فإن الترحيب بإيران والنظام للحلول محل تنظيم داعش في شرق سوريا، وهي سياسة تستند إلى القيود القانونية التي فرضها أوباما والبعثات العسكرية التي تم نشرها بشكل ضيق لدعم لميليشيات كردية ضد التنظيم، هو تعريف “الهزيمة الذاتية” في كل سوريا.

من الواضح أن الولايات المتحدة لا تفكر في شن حرب لإسقاط نظام الأسد، أو لمنع إيران من تأمين عمق استراتيجي لحزب الله في سوريا. ومع ذلك، فإن هناك أهداف أمنية قومية قصيرة وطويلة الأجل لسوريا تستحق التمعن فيها، مثل:

  • نهاية جميع النزاعات المسلحة في البلاد.
  • المساعدات الإنسانية لجميع المحتاجين.
  • عودة اللاجئين والنازحين داخليا إلى ديارهم.
  • حماية المدنيين من انتهاكات حقوق الإنسان.
  • غياب المنظمات الإرهابية (داعش، القاعدة، حزب الله، إلخ)
  • خروج جميع القوات العسكرية الأجنبية، باستثناء تلك التي صدر بها تفويض دولي.
  • السلامة الإقليمية الوطنية مع الحكم المحلي المخوّل.
  • الاستقلال الكامل مع عدم وجود قوة خارجية متسلطة.
  • الانتقال من حكم الأسرة إلى الحكم الشرعي المتأصل في موافقة المحكومين.
  • إعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي الكامل.
  • المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

سيتطلب تحقيق بعض أو كل ما سبق مجهود دبلوماسي ثقيل ومستدام، يتمتع بنفوذ حقيقي. ويبدو أن الجاذبية لهذه الجهود في واشنطن محدودة جداً. ومع ذلك، فإن كيفية تحقيق هذه الأهداف، ومع أيّ شركاء سيتم تناوله في أجزاء لاحقة من هذه السلسلة. ويكفي القول الآن إن الازدواجية في سياسات إدارة أوباما هو أمر مرفوض. حماية المدنيين هي ثمن القرار أن أيّ سوريا مستقبلية ستكون خالية من الإرهاب والقتل الجماعي. حماية المدنيين هي بوابة التحول السياسي. حماية المدنيين هي بوابة الولايات المتحدة لاستعادة سمعتها التي ضُحيّ بها بلا مقابل، وبتكلفة كبيرة.

اشترك في نشرتنا Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

تقرير | إعادة إعمار سوريا

يعرّف هذا التحليل "إعادة الإعمار" على أنه تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند الاستقرار أو إعادة الإعمار. وينبغي أن تخدم هذه الأهداف الرئيسية إعادة توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليًا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية.

التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

تأسست جماعة جند الإسلام عقب خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 وليس عام 2013 كما ذكرت بعض التقارير؛ استغل التنظيم الانفلات الأمني الذي حدث بعد الثورة في التدريب والتجنيد وجلب السلاح من ليبيا

قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

سحبت السلطات التركية خلال الآونة الأخيرة تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية الانسانية العاملة على أراضيها والتي تقدم الدعم للاجئين السوريين، لأسباب عديدة بعضها متعلق بدواع أمنية، وأخرى قيل إنها بسبب شروط جديدة