التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (3-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتبارها سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولا عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر. في الحلقة الثالثة يتحدث هوف عن ملامح هذه الاستراتيجية، وأهم العقبات أمامها، خصوصا من جانب موسكو وطهران.

الجزء الأول والثاني من هذه السلسلة ناقشا الصعوبات التي تواجه المسئولين الأمريكيين عند التفكير بصورة استراتيجية حول سوريا، في ظل السياسة الكارثية التي ورستها إدارة ترامب من سابقتها، ثم بعد ذلك عرضت لعدد من النتائج اللي يمكن أن تحاول الولايات المتحدة تحقيقها، وعلى الرغم من أن السعي للاشيئ هو خيار أيضاً، فإن ابتعاد الولايات المتحدة قد يكون بمثابة مقامرة كبيرة.

سو يتم ترك سوريا تحت رحمة إيران ومرتزقتها الأجانب، ونظام الأسد وروسيا لو أن الولايات المتحدة ببساطة أعلنت النصر على تنظيم داعش، وتركت الساحة، الأمر الذي سيحول سوريا إلى حاضنة لإرهاب عابر للحدود ونزيف الشعب لأي مدى يمكن أن تراه العين. إن قيام الولايات المتحدة بفصل أدوات قوتها القومية من سوريا بعد هزيمة تنظيم داعش سوف يضاعف من سوء تصور أدارة أوباما أن الفوضى في سوريا يمكن احتوائها.

ولكن صياغة هدف قومي لسوريا يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس مجرد الابتعاد عن السياسة الامريكية السابقة تجاه سوريا، يجب أن يعكس هذا الأمر، بصورة شديدة الوضوح، مستوى الجهود والموارد التي سوف يتم تخصيصها لهذه المهمة. لو أن إدارة ترامب على سبيل المثال، قررت أنه بعد تحييد الخليفة والتابعين له، ومن ثم ليس هناك حاجة لعمل المزيد، هل يمكن أن تترك سوريا لهؤلاء الفاعلين الذين ساعدوا على استمرار ووجود تنظيم داعش وغيرها من المجموعات البربرية الطائفية. الولايات المتحدة فقط تستطيع أن تأمل في حدوث الأفضل، من يدري؟  تمني حظ لأفضل أفضل للولايات المتحدة – والذي ذهب لبعض الوقت الآن – يمكن أن يعود.

على الجانب الأخر، لو أن إدارة ترامب قررت أن التهديدات التي يمثلها استمرار سوريا غير مستقرة بصور كبيرة يستحق أن يكون جزء مستمر وكبير من الأمن القومي الأمريكي، من ثم فإن عليها أن تقرر من سيتحمل هذا العبء؛ فوازة الخارجية التي تم اقتطاع جزء كبير من مواردها لا يُظهر أي علامة على زيادة عدد الموظفين حيثما يكون مطلوب – المكاتب الإقليمية والسفارات، الأمر الذي لا يشير إلى نجاح مثل هذه الجهود.  

القوات المسلحة الأمريكية يمكن أن تلعب دور حيوي في المساعدة في تشكيل نتيجة متحضرة في سوريا، ولكنها لا يمكن أن تقوم بكل شيء، فالتحديات والتعقيدات التي تمثلها سوريا تفرض قراراً رئاسياً لمواجهة هذا العبء الثقيل، من خلال جهود مستمرة عبر عدد من الوزارات والوكالات الحكومية، ويتطلب أيضا شركاء وحلفاء وأصدقاء، وبصورة مثالية أيضاً بعض هؤلاء الذين كانوا خصوم.

بافتراض أن الرئيس ترامب قرر أن سوريا تستحق هذا الجهد، وأن الولايات المتحدة سوف تكرس موارد وطاقة معتبرة طوال فترة رئاسته وما بعدها، إذن ما الذي يمكن أن يكون معقول في سياق وضع هدف للأمن القومي الأمريكي فيما يتعلق بسوريا؟ الفقرة التالية تحاول الإجابة عن هذا التساؤل:

نحن نسعى إلى سوريا لا تمثل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها؛ دولة سلمية بما فيه الكفاية لتسمح بوصول المساعدات الإنسانية لكل من هم في حاجة لها؛ دولة مستقرة حيث توجد حكومة شرعية على المستوى المحلي والقومي؛ إن رضاء المحكومين يعيق نمو التطرف والإرهاب والتمرد؛ دولة مستقلة خالية من المجموعات الإرهابية والتدخل الخارجي؛ دولة وحدتها الجغرافية يتم احترامها؛ دولة تتخلص من القوات العسكرية الأجنبية باستثناء تلك التي يقرر المجتمع الدولي وجودها، أو تلك التي يتم إقرار وجودها بصورة ثنائية بواسطة حكومة وطنية شرعية؛ دولة معافاة اقتصادياً حيث الإصلاح والمصالحة وإعادة الاعمار والمحاسبة، وحماية المدنيين والسماح بعودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم ممكنة.

هدف مثل هذا يمكن أن يعالج ثلاثة أشياء على قدر كبير من الأهمية، يتم ذكرها بصورة متكررة بواسطة المسئولين الأمريكيين: أولاً، إن الأولوية الأولى للولايات المتحدة هى هزيمة داعش والقاعدة؛ ثانيا، عدم القبول بحكم الأسد؛ وأخيراً عدم السماح بالسيطرة الإيرانية. حقاً هذه الأشياء الثلاثة يمكن أن يتم اختزالها في تحييد الإرهاب والتطرف.

ملئت كل من داعش والقاعدة فراغ الحكم الذي نتج عن عدم شرعية الأسد، الخليط الخطير لوحشية نظام الأسد وعدم كفاءته وفساده مثّل هدية ذات قيمة للإسلاميين المجرمين. إن طائفية إيران البغيضة – التي تهدف إلى اخضاع سوريا لمليشيا حزب الله – يمثل معيناً لغضب السوريين السنة العرب ضد نظام الأسد. على الرغم من أن الهدف المتعلق بالأمن القومي ما يزال صامتاً حول اسم الأسد، إلا أن هذا الهدف يسعى إلى شروط غير متوافقة مع الدور السياسي طويل الأجل لنظام انخرط في الاجرام.   

إن الهدف الذي تم الحديث عن مفرداته أعلاه لا يعترض على دور روسي كبير في سوريا، ليس هناك أياً من مفردات هذه الهدف المقترح يتعارض مع أن تصبح روسيا شريك سوريا التجاري الأساسي وشريك في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية. في تصريحاته الصحفية في 1 أغسطس الجاري، أوضح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلريسون بصورة صريحة رغبة الولايات المتحدة في التعاون مع موسكو في العمل على استقرار سوريا ما بعد داعش: تعاون يمكن ان يتضمن مناطق استقرار، وخطوط لخفض التصعيد، والعودة لعملية سلام جينيف، والتي تشرف عليها الأمم المتحدة.  

إن الإدارة محقة في استكشاف احتمالات التعاون مع روسيا في سوريا، ولكن يجب عليها ألا تفترض الإرادة أو القدرة من جانب موسكو للمساعدة في إيجاد سوريا لا تمثل تهديد لجيرانها أو المجتمع عبر الأطلنطي. حتى الآن، ليس هناك أي دليل على رغبة روسية (فيما وراء توقيعها على اعلان جينيف النهائي في عام 2012) في رؤية تحول سياسي في سوريا بعيداً عن هذه العائلة الاجرامية نحو شيء متحضر. لو أن الرغبة موجودة، فليس هناك دليل حتى الآن على قدرة روسيا على اجبار النظام على حتى التفاوض بجدية. حقا، إيران (وليس روسيا) هي القوة الحاسمة في التأثير على النظام.  

لو أن هدفاً للأمن القومي تم تبنيه وفقاً لما تم ذكره أعلاه، فإن احتمالية قيام روسيا بإخضاع سوريا لعلاقتها مع إيران، وشجعت على بقاء النظام، هي أمور لا يمكن تجاهلها أو عدم معارضتها. حقاً، من المحتمل أن تتعاون طهران وموسكو من أجل سوريا خاضعة للنفوذ الإيراني، في مقابل قواعد روسية جوية وبحرية. إن قدرة واشنطن على التعاون مع موسكو يعتمد بحد أدنى على رؤية لسوريا تختلف جذريا عن تلك الرؤية التي تراها طهران.

من الواضح أن روسيا وإيران يمكن أن يؤثروا بشد على استراتيجية أمريكية طويلة الأمد تسعى إلى تحقيق هدف يركز على إزالة العقبات أمام حكومة سورية شرعية، هذا النوع من الحكومة هو الذي سيخلص سوريا من الإرهاب والتطرف. وكما تمت ملاحظته في أول جزئيين من هذ السلسلة، فإن حماية المدنيين هي العقبة الأولي، هل يمكن أن تمنع روسيا نظامها الصديق من استكمال ممارسة القتل الجماعي؟ هل ستمتنع روسيا نفسها عن وحشيتها التي أبدتها في حلب في أخر عام 2016؟ هذه السلسلة للتفكير حول استراتيجية أمريكية حول سوريا تبدأ وتنتهي بحماية المدنيين السوريين.  

اشترك في نشرتنا Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة