التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (1-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتباره سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولاً عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر. في هذه الحلقة الأولى يتحدث هوف عن ميراث إدارة أوباما الثقيل فيما يتعلق بإدارة الملف السوري، وكيف يمكن لإدارة ترامب أن تستفيد مما تملكه من مميزات مقارنة بإدارة أوباما من أجل عمل تغيير حقيقي في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، يأتي على رأسه توفير حماية حقيقة للمدنيين من عمليات القتل الجماعي التي يرتكبها النظام وحلفائه.

يثير قرار إدارة ترامب إنهاء دعمها للمجموعات المسلحة المناهضة لنظام الأسد مرة أخرى أسئلة حول ما تعتبره الولايات المتحدة نهاية مرغوبة وممكنة للصراع في سوريا، وكيف تخطط لتحقيق هذا الأمر. تم تجنب هذه الأسئلة من جانب إدارة أوباما، والتي عاملت الكوارث الإنسانية والأمنية في سوريا كحملة معلومات عامة، ويتم إدارتها بهذا الشكل من أجل الحصول والحفاظ على الاتفاق النووي مع أفضل أصدقاء الأسد: إيران. لا تحمل إدارة ترامب أي خضوع للاتفاق النووي، ولكن في ظل ميراث السياسة السورية الذي ورثوه من الإدارة السابقة، كيف يمكن للرئيس ومستشاريه حتى البدء في تحديد أهداف قابلة للتنفيذ واستراتيجيات معقولة؟

في الحقيقة، تقترب إدارة ترامب من هذه المهمة ولديها ميزتين: الأولى إجرائية والثانية موضوعية؛ على الجانب الإجرائي، مع وجود رئيس تنفيذي ليس ميالاً للإدارة على المستوى الصغير، وخبراء في الأمن القومي في الإدارة يقودهم الجنرال ماكمستر، فهم لديهم الحرية في القيام بعملية الاستشارة والتواصل بين الوكالات المختلفة كما يجب أن تكون. بخصوص سوريا (وربما في سياقات أخرى أيضاً)، لم تمتلك سوزان رايس مستشارة الأمن القومي السابقة القدرة على القيام بهذا الأمر. وفيما يتعلق بالجانب الموضوعي، فإن ازدراء روسيا البارد لإدارة أوباما فيما يتعلق بسوريا وغير ذلك من القضايا قد تحول إلى يقظة وربما احترام، خاصة بعد رد الرئيس ترامب السريع والقوي ضد هجمات الأسد الكيميائية، والاستجابات الأمريكية الحركية لتهديدات إيران ونظام الأسد للقوات المشتركة العاملة ضد تنظيم داعش في شرق سوريا.

وعلى الرغم من هذه المزايا التي تمتلكها إدارة ترامب، فإنها لم تتبع سياسة فعالة في سوريا، في المناطق الغربية في البلاد، ظلت إدارة أوباما خاملة لسنوات في مواجهة القتل الجماعي للمدنيين بواسطة نظام الأسد (بمساعدة روسيا وإيران)، وذلك على الرغم من احتجاج كبار المسئولين الأمريكيين في مواجهة خطاب الإدارة المليء بالغضب والإدانة اللفظية فقط. في شرق سوريا، أمرت إدارة أوباما وزارة الدفاع أن تتعامل ببطيء ضد تنظيم داعش، وذلك عن طريق مليشيات مسلحة ذات مشاكل سياسية؛ وهى سياسة مكنت خلايا التنظيم في سوريا من القيام بهجمات كبيرة في أوربا الغربية وتركيا. إن تأثير ميراث السياسة هذه – لو استبعدنا التأثير الكارثي على السوريين وجيرانهم والحلفاء الأوروبيين – يضعف من القدرة على الوصول إلى ماهية الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية. لا يستطيع الفرد أن يتجاهل أو يقلل من مخاطر فشل هذه السياسة على مدار خمس سنوات وأكثر.

في الأيام الخالية على سبيل المثال، كان يمكن أن نقوم بتحديد هدف الأمن القومي في سوريا في أن تكون الدولة السورية متعاونة بصورة جوهرية مع الأهداف الأمريكية في الإقليم وما ورائه. كان هذا الأمر منطقي عندما كانت إدارة أوباما منخرطة مع دمشق ومع جهود موازية كانت جارية من أجل تسهيل تحقيق سلام إسرائيلي سوري. في هذه الأيام، كان من الممكن التفكير في سيناريو تكون فيه إيران وحزب الله أكبر الخاسرين.

ولكن هذه الأيام قد ولت، بشار الأسد ما يزال لديه اللقب الرئاسي، ولكن علاقته مع إيران الآن أصبحت مماثلة لهؤلاء الشيوعيين البولنديين الذين تم حملهم إلى وارسو في عام 1945 كأمتعة سوفيتية. وفيما وراء حاشيته الفاسدة والمتوحشة، فإن الأسد ليس لديه أي شرعية، ولكن طاعة على مضض ومقامة على الخوف في المناطق التي يسيطر عليها بواسطة أجهزته الأمنية القاتلة والعصابات الجشعة. إن اعتماده على الأطراف الخارجية كلي، وقد ذهبت الدولة إلى غير رجعة، وتم تدمير البلد، ويتحكم الروس والإيرانيين، في الوقت الذي تطارد فيها مليشيات مدعومة أمريكياً تنظيم داعش في الرقة كما أن لا شيئاً أخر يحدث.    

إن سوريا في عام 2017 لا تشبه على الاطلاق سوريا في عام 2011، حتى لو نفس العائلة ما تزال تحكم، هذه العائلة – معين لا ينضب من عدم الفاعلية والاجرام – سوف لن تذهب إلى أي مكان في المستقبل المنظور، اللهم إلا قررت إيران وروسيا إزاحتها عن مسرح الأحداث، في مواجهة إدارة أوباما التي كانت تخاف باستماته من فقدان الاتفاق النووي، والذي سعت إليه إيران سعياً حثيثاً من أجل مصلحتها الخاصة، تمكنت إيران – بتدخل عسكري حاسم بواسطة روسيا – من تأمين حليفها، وتعزيز عمق استراتيجي لمليشيا حزب الله في لبنان.

عبر بعض الخبراء عن صدمتهم من قطع الدعم الأمريكي عن المتمردين قائلين إنه يلغي، في الحقيقة، الهدف الأمريكي المتعلق بإزاحة الأسد. نعم، منذ أغسطس/آب 2011، كانت رغبة الحكومة الأمريكية الأكثر جدية هو إزاحة الأسد في مقابل شيء أفضل، حكومة تعددية وشرعية ومتحضرة، ولكن إزاحة الأسد بالقوة، في سياق هدف الأمن القومي الذي تم تحديده بواسطة استراتيجية الأمن القومي، لم يكن أبداً عامل في السياسة الأمريكية.

يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتفاخر كما يحلو له أمام جمهوره الداخلي بأنه أحبط حملة أمريكية لتغيير النظام، ومن ثم إنقاذ الدولة السورية، لكنه يعلم الحقيقة: لم يكن هناك حملة أمريكية لتغيير النظام في سوريا.  إن قول أوباما بضرورة تنحي الأسد في أغسطس/آب 2011 كان نتاج اعتقاد بأن الديكتاتور السوري سوف يسقط قريباً، وبالتبعية كان لزاما على الرئيس الأمريكي أن يكون بصورة علنية على الجانب الصحيح من التاريخ. حتى أن الجهود المتأخرة لتسليح وتدريب وتجهيز المتمردين المعارضين للأسد كانت نصف إجراء، حيث كانت تهدف إلى أن تُظهر الولايات المتحدة أنها تفعل شيئاً ضد نظام الأسد، وعمليات القتل الجماعي التي يرتكبها، في حين أن لا شيء ذات مغزي يتم القيام به من أجل إعاقة قتل المدنيين، ومن ثم عزل إيران.

حقاً، إنه بعدم تقديم أي حماية للمدنيين السوريين، من خلال عدم محاولة إعاقة استراتيجية بقاء نظام الأسد المعتمدة على العقاب الجماعي، تواطئت إدارة أوباما بصورة غير مقصودة ولكن حاسمة في بقاء النظام. على إدارة ترامب أن تواجه الحقائق: كان للجهود الإيرانية والروسية لإنقاذ النظام الفضل الأكبر على مدار الخمس سنوات؛ وفي الوقت الذي تبحث فيها عن هدف للأمن القومي في سوريا، فإن الإدارة الحالية من المحتمل أنها ستتعامل مع بقاء النظام – الذي دعم التطرف وخلق كارثة إنسانية وقوض حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة في الإقليم وخارجه – كمعطي.

في الوقت الذي تتحرك فيه الإدارة بين حطام الساسة التي اتبعها سلفها، من الأفضل أن تضع في اعتبارها متغير رئيسي: إن اعتقاد نظام الأسد الجازم هو أن بقائه لا يعتمد فقط على التدخل العسكري الروسي والإيراني، ولكن أيضاً على حالة ممنهجة من الإرهاب. وبما أنه فعل ذلك، كان يمكن لإدارة أوباما أن تُصيغ طريق وسط بين التغيير العنيف للنظام وما انتهت إلى عمله: جعل سوريا استثناء كبير ومخزٍ لاستراتيجية ” ليس مرة أخرى” كاستجابة للقتل الجماعي للمدنيين. هذا الطريق كان يمكن أن يضر النظام بصورة كبيرة – وربما بصورة أبدية – عن طريق إحباط وتعقيد قدرته على استهداف المستشفيات والمنازل والمدارس والمساجد والأسواق. فعل مثل هذا الأمر كان يمكن أن يقدم حماةي من نوع ما للمدنيين العزل، وبالتبعية للحلفاء والأصدقاء، كان لمثل هذا الطريق أن يزرع الشكوك في عقل أنصار بشار الأسد وداعميه. هذا الطريق كان يمكن أن يسهل محادثات سلام حقيقية.        

من المحتمل أن أي هدف أمن قومي مرتبط بسوريا يتم وضعه بواسطة إدارة أوباما سوف يفترض استمرار – لبعض الوقت – النظام، والذي يستحق أعضائه والداعمين له ملاحقتهم قضائيا بسبب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها. كيف يمكن العمل على استقرار الدولة وحماية شعبها في حين أن السبب الأساسي للقتل الجماعي وتدمير الدولة ما يزال في مكانه، وهذه معضلة سياسية لابد من حلها. إن التظاهر بأن الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش هو “مهمة تم تنفيذها” في سوريا لن يصمد في وجه الحقيقة البشعة التي لا يمكن التسامح معها بأن أفضل صديق للمتشددين ما يزال في مكانه. لا يجب أن يتخيل المعارضين للنظام بأن قطع المساعدة عن المتمردين ضد الأسد يمثل بشكل ما انعكاس في السياسة.

إن الاعتراف بأن شيئاً جيداً يمكن أن يحدث في سوريا طالما ظل المدنيون خاضعون للعقاب الجماعي والقتل الجماعي بواسطة حكوماتهم هو بداية التخطيط الجيد للسياسة. نعم إن سوريا معقدة بصورة مخيفة، ولكن ترك المدنيين بدون حماية يجعل أي هدف للأمن القومي الأمريكي في سوريا – مهما كان تواضعه –غير قابل للتحقيق. إن حماية المدنيين هي أكثر من مجرد قضية إنسانية أو قضية حقوق انسان (كما لو أن هذا ليس كافياً)، إنها النهاية الأساسية والمتحضرة والدائمة للأزمة السورية. انها المفتاح للولايات المتحدة وحلفائها للخروج من هذه الكارثة بشيء يستحق.  

اشترك في نشرتنا Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (3-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتبارها سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولا عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر.

الرقة وحرب المياه

كان لاندلاع الحرب السوريا وتدمير البنية التحتية أثر كبير في انخفاض تلك الحصة، فقد طال التخريب والقصف خطوط إمداد المياه والصرف الصحي وخزانات المياه الرئيسية وشبكات الري.

التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (2-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتبارها سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولا عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر. في هذه الحلقة الثانية يتحدث هوف عن أهم الركائز والأهداف التي يمكن أن تقوم عليها استراتيجية أمريكية تجاه سوريا.