التفكير حول استراتيجية أمريكية في سوريا (4-4)

على مدار أربع حلقات، يستعرض السفير فريدريك هوف، مدير مركز الحريري للشرق الأوسط، رؤيته لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة في سوريا، باعتبارها سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية، ومسئولا عن الملف السوري في عهد إدارة أوباما، يمتلك السفير هوف رؤية معمقة لكيفية صياغة استراتيجية أمريكية فعالة تجاه سوريا، وكيف يمكن القيام بمثل هذا الأمر. في الحلقة الأخيرة يتحدث هوف عن اهم العناصر والعوامل اللازمة لنجاح هذه الاستراتيجية المقترحة.

يهدف هذا الجزء الرابع والأخير من سلسلة أهداف واستراتيجية الولايات المتحدة في سوريا إلى اقتراح إطار لاستراتيجية تُحقق الهدف التالي كما تمت صياغته في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

نحن نسعى إلى سوريا لا تمثل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها؛ دولة سلمية بما فيه الكفاية لتسمح بوصول المساعدات الإنسانية لكل من هم في حاجة لها؛ دولة مستقرة حيث توجد حكومة شرعية على المستوى المحلي والقومي؛ إن رضاء المحكومين يعيق نمو التطرف والإرهاب والتمرد؛ دولة مستقلة خالية من المجموعات الإرهابية والتدخل الخارجي؛ دولة وحدتها الجغرافية يتم احترامها؛ دولة تتخلص من القوات العسكرية الأجنبية باستثناء تلك التي يقرر المجتمع الدولي وجودها، أو تلك التي يتم إقرار وجودها بصورة ثنائية بواسطة حكومة وطنية شرعية؛ دولة معافاة اقتصادياً حيث الإصلاح والمصالحة وإعادة الاعمار والمحاسبة، وحماية المدنيين والسماح بعودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم ممكنة.

وكما لوحظ في الجزء الثالث من هذه السلسة، قد تكون هذه الأهداف بعيدة عما تضعه إدارة ترامب في الاعتبار؛ حتى الآن، وضعت الإدارة الموارد في معركة داعش. لفظياً (مع استثناء واحد جدير بالثناء) تحدثت الإدارة ًضد نظام الأسد السام الملهم للتطرف، وضد التسلط الإيراني، والذي يهدف إلى إخضاع سوريا إلى أجل غير مسمى لحزب الله اللبناني. وكان هذا الاستثناء هو رد الفعل السريع والفعال على الهجوم الكيميائي الذي شنه الأسد ضد المدنيين في خان شيخون.

بإمكان إدارة ترامب أن تقرر إعلان النصر على تنظيم داعش، والنأي تماماً عن سوريا. ولعل ترامب قد قرر ذلك بالفعل، وقد يعترض نسبة ضئيلة من الأميركيين على مثل هذا القرار. لكن سوريا التي تترك الأسد وأسياده الإيرانيين ستسعى لإقرار السلام من خلال الإرهاب الجماعي الذي من شأنه أن ينتج عنه اللاجئين ورد فعل عنيف ومتطرف، نسخة شامية من كوريا الشمالية. وسيتحقق هدف حزب الله المتمثل في فتح جبهة إرهابية ضد إسرائيل في سوريا. وسيتم تعزيز سيطرة إيران على لبنان. وستخضع جميع الدول المجاورة لسوريا للتخريب الإيراني. إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تظل غافلة عن مثل هذا السيناريو؟

إذا قررت إدارة ترامب أن تتحمل هذا الثقل السياسي-العسكري المطلوب لتحقيق الهدف المذكور أعلاه، فما هي عناصر الاستراتيجية الداعمة لمثل هذا القرار؟

  • التنظيم من أجل أن تسود على المدى الطويل: وذلك عن طريق تعيين مسؤول رفيع المستوى يشرف على تنفيذ استراتيجية من شأنها أن تعامل سوريا على أنها مشكلة واحدة، ويقدم تقاريره إلى الرئيس، حيث سعى التقسيم المصطنع للمشكلة بين تنظيم داعش في الشرق والأسد في الغرب إلى فصل الإرهاب في سوريا عن سببه الرئيسي، مع عواقب سياسية وخيمة. ولابد من منح هذا المسؤول موظفين متخصصين بدوام كامل من الوكالات المشتركة، وسلطات قوية ومرنة، وسهولة الوصول إلى موظفي الحكومة ومساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي ورئيس أركان الرئيس والرئيس نفسه عند الضرورة. وضمان أن يتشاور مع الكونجرس بصورة منتظمة وبشكل كامل.
  • إعطاء الأولوية لحماية المدنيين السوريين من الأعمال الوحشية الجماعية: يجب التأكيد لحماة الأسد – إيران وروسيا – أن الفظائع التي يرتكبها النظام ستؤدي لضربات على مواقع النظام. إن الضربات الأمريكية في 6 و7 أبريل/نيسان 2017 ربما أدت لقطع استخدام الأسد لغاز السارين بشكل دائم. غير أن السارين جزء بسيط من محفظة الإرهاب الجماعي للنظام. مثالياً، ستضبط روسيا القوة الجوية لعملائها للتمهيد لمحادثات سلام سورية ذات مغزى فعلاً. ولكن موسكو قد تفتقر إلى الإرادة والقدرة على القيام بذلك. وإذا كان النظام يتحدى الجهود الحالية الرامية إلى التخفيف من حدة التصعيد، ويستمر في العقاب الجماعي والقتل الجماعي، ينبغي للولايات المتحدة أن تستهدف أهداف النظام حسب الحاجة. حتى لو انهارت قدرات الأسد الإرهابية، سيبقى مدعوماً من إيران. ولكن سيتم إنقاذ الأرواح، حيث ليس هناك طريق للتوصل إلى تسوية سياسية في سوريا إذا ظل النظام مكرساً للقتل الجماعي، ولديه الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. وعلاوة على ذلك، فإن إظهار الأسد كغير قادر على حماية بلده قد تفقده حاشيته وعناصر تمكينه.
  • الاستكشاف بعقلية مفتوحة، لكن حذرة، إمكانية التعاون مع روسيا لتحقيق الاستقرار في غرب سوريا، ورفع حصار النظام في المناطق المأهولة بالسكان، والإسراع في إيصال المساعدات الإنسانية دون قيود، وتحييد الفرع السوري من تنظيم القاعدة، وتعزيز محادثات سلام ذات معنى في جنيف. ما هو النفوذ الذي قد تمتلكه واشنطن؟ إن التركيز الأمريكي على حماية المدنيين سيجعل الولايات المتحدة أكثر من مجرد متفرج خامل يراقب موسكو مستفيدةً من تدخل عسكري يقترب من عامه الثاني. ومع ذلك، فإن روسيا قد تعطي الأولوية لعلاقتها مع إيران على الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة ستستمر عمليات الحصار والتجويع، وستبقى المساعدات الإنسانية (باستثناء المناطق التي يسيطر عليها النظام) محظورة، وسيبقى تنظيم القاعدة منارة أرضية مشرقة لفظائع النظام (وربما روسيا) الجوية ضد المدنيين. يتطلب التعاون مع روسيا أن يكون لدى موسكو وطهران رؤى متباينة بشكل حاد في نهاية المباراة السورية. ليس من الواضح على الإطلاق وجود هذه الرؤية.
  • عرض لفتح حوار حول سوريا مع إيران: من غير المحتمل (وبشكل كبير) أن تتوقف طهران عن محاولة إقامة سلطتها على سوريا لصالحها ولصالح حزب الله، لكن مسؤولين إيرانيين كبار في محادثات المسار الثاني (غير الرسمية) أعربوا عن عدم ارتياحهم لفظائع نظام الأسد، والانفتاح على المحادثات الرسمية حول المسائل الإنسانية. مثل هذا الحوار قد يكون مقرفا، وحشيا، وقصير. ومع ذلك فإنه قد يثبت خلاف ذلك.
  • العمل على وجه السرعة مع المعارضة السورية وتركيا، وقوات سوريا الديمقراطية، التي يسيطر عليها الأكراد، من أجل استحداث بدائل لحكم النظام وسيطرة إيران على المناطق في شرق سوريا المحررة من داعش. وقد يكون البدء في هذه المشاورات الآن متأخرا جداً، عقب ثلاث سنوات. وقد تمثل الدعوة الرسمية التي وجهتها القيادة المركزية الأمريكية لإيران والنظام لإثبات وجودهما في الشرق السوري سياسة الولايات المتحدة الرسمية. ومع ذلك، فإن المعارضة السورية للأسد قد أبدعت في جعل أماكن محررة مثل الرقة بمثابة أمثلة محلية لكيفية عمل هيئة حكم انتقالي – هيئة تضم مسؤولين محليين وموظفي في الحكومة السورية – على الصعيد الوطني. هذه الأفكار جديرة بالاستكشاف كبدائل للدم والمال الموجهة لقتال تنظيم داعش (أو ما قد يليه مثل داعش 2.0)، أو البديل الموازي الذي تعافه النفس والذي قد يخرج في أيّ وقت مقبل. الدبلوماسية الذكية بين تركيا والأكراد السوريين ستكون مطلوبة للتخفيف من العواقب السياسية المتعلقة بـ كيف شُنت معركة داعش في شرق سوريا.
  • الالتزام المطلق بالتحول السياسي السوري وببيان جنيف النهائي الصادر في 30 يونيو/حزيران 2012، والذي حدد الإطار والولاية الدولية للتحول السياسي، هذا البيان لا يدعو إلى الرحيل الفوري للأسد. ولا يملي هذا البيان تفاصيل نتائج المفاوضات السياسية بين المعارضة والنظام. كما أنه لا يصف، في حد ذاته، انتقالا كاملا يؤدي إلى رحيل الأسد. غير أن الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن قد كلفوا بالتفاوض على إنشاء هيئة انتقالية مفوضة بالاتفاق المتبادل، وهي هيئة تمارس السلطة التنفيذية الكاملة لفترة انتقالية. نعم، تراجعت موسكو عن موقفها من البيان. نعم، رفض النظام بشدة إرادة المجتمع الدولي كما عبر عنها في البيان. نعم، لم تكن إيران طرفاً فيها، ومع ذلك سمحت إدارة أوباما بأن تصبح جزءً من “المجموعة الدولية لدعم سوريا” دون قبول البيان. ومع ذلك، إذا اختفى البيان، فإن الاتفاق الدولي للتحول السياسي من الحكم الأسري الإرهابي إلى الحكم الذي يعكس التعددية والحلول التوفيقية سيختفي معه. ويظل البيان الوثيقة الاساسية التي تضفي الشرعية على محادثات جنيف للسلام.
  • معاملة نظام الأسد كما يجب: ككيان إجرامي وإرهابي ومحرض على الإرهاب، ودعم الجهود الدولية لجمع وتصنيف الأدلة على جرائم الحرب، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام وغيره أثناء النزاع السوري. في نهاية المطاف يجب أن تكون المساءلة في أيدي السوريين، ولكن هذه الأيدي يجب ألا تكون فارغة عندما يأتي وقت العدالة.
  • بناء ائتلاف من الشركاء-الإقليميين والأوروبيين والآسيويين الراغبين في قبول هذه الأهداف، والعمل من أجل تحقيقها تحت قيادة أمريكية استشارية ومحترمة ولكن حازمة. قرار الإدارة السابقة بتسليح المتمردين المناهضين للأسد ساهم بشكل مباشر في دعم استراتيجية الأسد لجعل الانتفاضة تبدو كفاح طائفي، وساهمت في ظهور بدائل غير مقبولة للأسد. بإمكان التحالف الذي يعمل مع القيادة الأمريكية أن يقرر من يدعم داخل سوريا، وما هي أفضل السبل لدعم محادثات الانتقال السياسي في جنيف، وما سيبدو عليه برنامج إعادة إعمار ما بعد الأسد في سوريا. وفي غياب القيادة الأمريكية لائتلاف فعال، قد تستمر الأسلحة في التدفق إلى عناصر غير مرغوب فيها، ومن المرجح أن محادثات جنيف لن تنتج أي شيء، وروسيا وإيران والنظام قد يبتزون أوروبا بنجاح لتوفير أموال إعادة الإعمار التي سيسرقها نظام الأسد بكل سرور.
  • أخذ زمام المبادرة لضمان أن يسير التخطيط بسرعة حتى يتسنى لعمليات حفظ السلام الدولية وأنشطة إعادة الإعمار الدولية أن تبدأ بسرعة إذا طلبتها هيئة حكم انتقالية سورية ت بموجب أحكام البيان الختامي لجنيف. وحتى لو لم تساهم الولايات المتحدة بأفراد نظاميين في حفظ السلام، وحتى إذا كانت المساهمات النقدية الأمريكية في إعادة الإعمار أصغر بكثير من مساهمات الآخرين، فإن قيادة واشنطن في القيام بالتخطيط في الوقت المحدد يمكن أن تكون حيوية.
  • العمل على استعادة احترام السوريين: تحدثت إدارة أوباما ببلاغة عن نظام الأسد وعملياته في القتل الجماعي، والكارثة الإنسانية التي أنتجتها، والمتطرفين الطائفيين الذين ألهمتهم، والتهديدات التي يواجهها الجيران والحلفاء الأوروبيين التي أنشأتها الأزمة. بيد أن إدارة أوباما لم تفعل شيئا لتُعقد أو تنهى السلوك الذي أدانته. السوريون لم يكونوا وحيدين في عدم احترام منهج “الجعجعة بلا طحين.” لكن السوريين سيكونوا مفتاح إعادة بناء دولة خالية من الإرهاب والتطرف، الدولة التي لا تشكل تهديدا لأحد. ويجب أن نحظى باحترامهم. ولا شك في أنه يمكن إيجاد طرق، بمساعدة الكونجرس، لتحسين تأثير أموال دافعي الضرائب الأمريكيين على المساعدات الإنسانية للاجئين وغيرهم، ولمساعدة نشطاء المجتمع المدني والعاملين في المجال الإنساني داخل سوريا. وبينما تكافح الولايات المتحدة لوضع سياسات عملية بشأن قضايا الهجرة، يجب تجنب تشويه صورة اللاجئين السوريين. على مدى أكثر من 150 عاما، عزز المهاجرين من أصل سوري النسيج الوطني للولايات المتحدة، وينبغي أن تعكس السياسات والخطابات هذه الحقيقة.

ستتطلب عناصر الاستراتيجية المذكورة آنفا بذل جهود متواصلة وطويلة الأجل، لا يوجد ضمان للنجاح. تم تقديم جميع هذه التوصيات تقريباً إلى المسؤولين في إدارة أوباما، الذين لا يزال بعضهم يدعون أن أحداً لم يقدم بدائل لسياساتهم الكارثية. إن التخفيف من عواقب خيارات السياسة السيئة التي اتخذتها إدارة أوباما وسلفها في بلاد الشام وبلاد الرافدين وربما عكس مسارها لن يكون مشروعا مدته عشرين دقيقة، قد يكون أكثر من عشرين عاما. قد آن الأوان للبدء.

اشترك في نشرتنا Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة