الحرب على المياه في ريف دمشق

نشبت خلال الأيام القليلة الماضية معارك ومناوشات بين قوات النظام والجماعات المقاتلة في منطقة عين الفيجة والبلدات المحاذية لها، أسفر عن خروج مركز عين الفيجة لضخ المياه عن الخدمة.

مدينة دمشق التي يقطنها بين أربعة وستة ملايين نسمة (حسب الإحصاءات غير الرسمية) تعتمد مواردها المائية على نبعين رئيسيين هما نبع الفيجة ونبع بردى وحيث أن العاصمة تحتاج يوميا  إلى ٥٠٠ ألف متر مكعب من المياه يأتي ٦٠ بالمئة منها من نبع الفيجة ، ٢٠ ٪ من وادي بردى و٢٠٪ من الآبار والينابيع الصغيرة . بعد خروج نبع الفيجة وعين حاروش ونبع بردى عن الخدمة فإن ما يرد إلى العاصمة السورية الآن هو ١٣٠ ألف متر مكعب فقط ، أي بعجز ٣٧٠ ألف متر مكعب يوميا. ما يعني أن دمشق التي تعاني أساسا من عجز بالموارد المائية فقدت حاليا ٧٤٪ من مواردها بعد تحويل مياه نبع الفيجة الى نهر بردى.، وحيث يقع نبع الفيجة على بعد ١٨ كيلومتر شمال غرب دمشق ويقع نبع بردى في سهل الزبداني وتتوزع بلدات وقرى القطاع التابع لمحافظة ريف دمشق إلى أربع مناطق إدارية شهدت جميعها مواجهات بين قوات المعارضة وقوات النظام على مدى الست سنوات الماضية. 

أهالي دمشق يعانون اليوم من العطش وتعتبر المدينة لا سيما بسبب ازدياد الكثافة السكانية بسبب نزوح الناس هربًا من العنف، وبالتواصل مع عدد من السكان دمشق في مناطق مختلفة،  فإن الموارد المائية في المنازل شارفت على النفاذ ويُضطر الناس إلى شراء ماء بالصهاريج لتعبئة خزانات المنازل. وأن حالة من الخوف تسيطر على المدينة رغم تطمينات الحكومة وإعلانها خطة طوارئ تخصص صحة لكل فرد بين ٣٠ و٣٥ ليتر يوميا، الخطة التي نفى العديد من من تواصلنا معهم في العاصمة تطبيقها، حيث ان مناطق عدة في دمشق لم تصلها المياه منذ بدء المناوشات العسكرية الأخير.

  تنتشر في العاصمة السورية اشاعات عن مساعي قوات المعارضة إلى تدمير الخزان الرئيسي لعين الفيجة الأمر الذي سوف يهدد باندثار المياه وحرمان دمشق من مياه النبع إلى الأبد، وهذا ما يصفه أهل دمشق اليوم بالإرهاب الحقيقي، فإستخدام المعارضة المسلحة ورقة المياه ضد مدينة فيها أكثر من ٦ ملايين انسان ماهو الا عمل إجرامي حقيقي لن تكسب منه المعارضة إلا الغضب اتجاهها.

وتضاربت الروايات بين الحكومة وقوات المعارضة المسلحة عن المسؤول عن سبب انقطاع  المياه عن العاصمة دمشق حيث صرح  وزير الموارد المائية نبيل الحسن لموقع «صاحبة الجلالة» السوري بأن «المُسلّحين في منطقة بردى في ريف دمشق قاموا بتفجير نبع عين الفيجة في ثلاث نقاط وضرب محوّلة عين حاروش بشكل كامل». بينما اتهم ناشطون من المنطقة أن قوات النظام قامت بقصف مركز الضخ الرئيسي لعين الفيجة ما أدى لخروج وحدات الضخ من الخدمة .

المنطقة ذات أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة ، حيث تقع على الطريق الواصل من العاصمة دمشق إلى الحدود اللبنانية وهو الطريق التجاري والعسكري الأكثر أهمية للنظام السوري وقوات حزب الله اللبناني، حيث تضم  المنطقة عدد  من الألوية التابعة للحرس الجمهوري، وكتيبة تابعة للفرقة الرابعة وقاعدة للدفاع الجوي. وحيث يصل الوادي دمشق بالقلمون المنطقة التي كانت تعتبر طريق إمداد مقاتلي المعارضة إلى الشمال السوري، والوادي ايضا يصل دمشق الزبداني التي يتمركز بها حزب الله.

منطقة وادي بردى لا تقع تحت سيطرة جهة واحدة بحيث أن النظام يسيطر على أغلب المناطق في حين تسيطر قوات المعارضة المستهدف تطهيرها من النظام يُقدّر إجمالي عددهم  بـ 1500 مُقاتل، يتبعون قيادات مختلفة منها جيش الإسلام وأحرار الشام وفتح الشام.  على مناطق محاصرة منذ 2012  تتوزع على ضفتي نهر بردى الذي ينبع من منطقة الزبداني.

شكّل سيطرة قوات المعارضة على مركز الضح الرئيسي عامل ضغط من المعارضة المسلحة على النظام خلال السنوات الماضية . وحيث انه لا توجد إحصائيات يمكن الركون إليها عن عدد المدنيين الموجودين في منطقة وادي بردى كونها احتضنت آلاف النازحين من مختلف المناطق السورية خلال نحو ست سنوات، إلا أنه وبناء على اتصال مع أحد الناشطين في المنطقة رجّح أن يكون العدد بين ٩٠ الف الى ١٠٠ الف  مدني.

يسعى النظام  للضغط على المعارضة السورية وحاضنتها الشعبية هناك، كي يخضعوا لتسوية أعدها لهم، مماثلة لما آلت إليه الأوضاع في داريا ومعضمية الشام وغيرها من المدن والبلدات المحيطة بدمشق. ويقول الناشط الإعلامي، عبدلله القلموني، إن “هدف النظام من هجومه الحالي، إجبار مقاتلي المعارضة والمدنيين في قرى وبلدات وادي بردى، للقبول بالمبادرة التي يستعد النظام لطرحها عليهم رسمياً خلال الأيام القليلة المقبلة”، والتي تشبه ما جرى في مناطق أخرى بريف دمشق لناحية الترحيل إلى إدلب”. ويتوقع  أن يعمد النظام خلال الفترة المقبلة، إلى التركيز بشكل كبير على قرى وبلدات وادي بردى بعد إنجاز عمليات الترحيل في اليومين المقبلين من مدينة الزبداني وبلدة مضايا باتجاه إدلب،  بموجب صفقة حلب التي تضمنت إخلاء المنطقتين مقابل إخلاء سكان من بلدتي كفريا والفوعا المواليتين في ريف إدلب. ويؤكد هذا الكلام أيضاً، ما صرح به، أخيراً، محافظ ريف دمشق ، علاء إبراهيم، قائلاً إن “المصالحة في منطقة وادي بردى وعين الفيجة مستمرة والمسلحون يحاولون التفاوض على بعض الشروط إلا أنه تم إبلاغهم أن الشروط ذاتها التي طبقت بقدسيا والتل”. وفي تصريح لجريدة “الوطن” الموالية للنظام، وقال “إن تدخل الدولة إلى المنطقة وهي خالية من المسلحين، والمسلح الذي يريد أن يخرج يتم تأمينه، والذي يريد أن يبقى تتم تسوية وضعه، ويتم إعطاء مهلة 6 أشهر للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية”.

يجدر بنا الذكر  أن القوى المعارضة في المنطقة كانت قد قطعت مياه عين الفيجة عن مدينة دمشق عدة مرات تجاوزت إحداها السبع أيام ، في إطار الضغط على النظام للإفراج عن معتقلين أو إيقاف القصف على قرى منطقة وادي بردى ومدينة الزبداني. 

وفيما استبعدت مصادر ميدانية قريبة من جيش النظام  تفجير النبع، على الرغم من قدرة الفصائل على ذلك، باعتباره «ورقة التفاوض والضغط الأخيرة بحوزتها» من جراء «قلة عتادهم، والحصار المُطبق عليهم»، إلا أن حديث يدور عن أن مُقاتلي وادي بردى «يحضرون لهذه العملية كثمن أخير لهزيمتهم، مُهدّدين بضياع مياه النبع في أعماق الأرض، مُهدّدين بتعطيش دمشق مئة عام بعدها».

Read in English

يوسف صداقي

مساعد باحث في مركز أورينت للأبحاث، وعمل سابقاً في عدد من منظمات التنمية السورية والدولية في سوريا وجنوب تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة