الحرب على الحدود السورية

إن الحرب الجيوسياسية على سوريا ومستقبلها قد دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، لترسيم خريطة جديدة للنفوذ في سوريا، تتميز هذه الخريطة بوجود قواعد عسكرية لقوى دولية وإقليمية في محاولة لتعزيز استقرار خريطة النفوذ المرتقبة. تميزت هذه الحرب بأنها حرب حدود، تحاول فيها الأطراف المتقاتلة السيطرة على حدود سوريا مع الأردن والعراق، لتأمين نفوذها في منطقة البادية السورية. وتجد الولايات المتحدة نفسها عالقة بين عدد من الحلفاء المتحاربين، بسبب عدم وضوح سياستها في إدارة الصراع في سوريا، حيث تتخذ من الحشد الشعبي حليفاً أساسياً في قتال تنظيم داعش في العراق، وعدداً من فصائل الجيش السوري الحر حلفاء لنفس الغاية في سوريا، وفي نفس الوقت تسعى لمنع قوات النظام السوري وحلفاؤه من الوصول إلى الحدود العراقية، وتشكيل ممر بري بين الحشد الشعبي في العراق وقوات النظام السوري في سوريا.

بدأت هذه المرحلة عندما تصدرت البادية السورية المشهد العسكري في سوريا منذ بداية العام الجاري، خاصة بعد توقيع اتفاق خفض التصعيد، الذي توصلت إليه الدول الراعية لمحادثات أستانة (روسيا وتركيا وإيران) في الرابع من مايو/أيار الجاري في العاصمة الكازاخية، الاتفاق الذي حقق وقف إطلاق النار في شمال سوريا وجنوبها، والذي كان الأكثر استقراراً بين اتفاقات وقف إطلاق النار بين النظام السوري وقوات المعارضة.

 تسعى أطراف عدة للسيطرة على البادية السورية نظراً لتوسطها الجغرافيا السورية، حيث تكتسب موقعها الاستراتيجي من امتدادها على مساحة 520 ألف كيلو متر مربع، أي ما يعادل ثلث مساحة سوريا، وامتدادها على طول الحدود الأردنية والعراقية واحتوائها على ثلثي الثروة النفطية في سوريا.

في منتصف مايو/آذار من العام الجاري، أعلنت عدة فصائل من المعارضة تشكيل غرفة عمليات “سرجنا الجياد” لطرد تنظيم داعش من منطقة الحماد السوري الواقعة في منطقة البادية، ضمت هذه الغرفة عدداً من فصائل الجيش السوري الحر، أهمها قوات الشهيد أحمد العبدو (معظم مقاتليها من ريف حمص والقلمون والغوطة وريف دمشق الشرقي)، وأسود الشرقية (المكون من عناصر من الجيش الحر خرجت من دير الزور باتجاه القلمون بعد سيطرة داعش على دير الزور في أواخر عام 2014، ولواء شهداء القريتين (معظم مقاتليه من أبناء ريف حمص الشرقي، ومن القريتين على وجه الخصوص)، لتحرر مساحات شاسعة من البادية في المنطقة الواقعة شرق محافظتي السويداء ودرعا وصولاً إلى الريف الدمشقي من جهة الشرق، ونحو القلمون الشرقي ثم ريف حمص الجنوبي

انطلقت المعركة من قاعدة التنف العسكرية الواقعة في معبر التنف الحدودي مع الأردن والعراق في صحراء الحماد جنوب شرقي محافظة حمص السورية على بعد 240 كم من مدينة تدمر. ومعبر التنف كان آخر معبر على الحدود العراقية يخضع لسيطرة النظام السوري قبل أن يسيطر عليه تنظيم داعش في مايو/أيار 2015، ثم استولى عليه يوم 5 مالو/آذار 2016 مقاتلون من الجيش السوري الحر كانوا قد دخلوا سوريا من الأردن حيث تم تدريبهم.

وصلت قوات الجيش الحر في بداية شهر أبريل/نيسان إلى تخوم قاعدة السين الجوية التي تعتبر أضخم مطار عسكري وقاعدة شحن عسكري جوي للنظام السوري، وأصبحت القوات على بعد 10 كم من القلمون الشرقي المحاصر، حيث لم يتم حتى هذا الحين فتح أي معارك ومواجهات مباشرة مع قوات النظام السوري، بهدف عدم تشتيت قوات الجيش الحر التي تركز جهودها على داعش.

يعني فك الحصار عن القلمون الشرقي الاقتراب من الغوطة الشرقية المعقل الرئيسي لقوات المعارضة في دمشق وريفها، وازدياد احتمالية فك الحصار عن الغوطة الشرقية، وبالتالي إنشاء خط امداد من الأردن إلى عمق العاصمة دمشق، وهذا ما دفع النظام السوري إلى بدء حملة عسكرية ضخمة في بداية شهر مايو/أيار من العام الجاري تهدف إلى ابعاد قوات الجيش الحر عن مناطق ريف السويداء والقلمون الشرقي، والأهم من ذلك قطع الطريق على قوات الجيش الحر باتجاه ريف دير الزور الجنوبي وبادية البوكمال، وبالتالي وصول قوات النظام السوري للحدود العراقية. بدأت قوات النظام السوري مدعومة بميليشيات عراقية ولبنانية التقدم في اتجاه الحدود العراقية، ووصلت إليها في منتصف يونيو/حزيران بالتزامن مع وصول قوات الحشد الشعبي إلى الحدود العراقية، ضمن أراض تابعة لقضاء البعاج غربي محافظة نينوى.

بات واضحاً أن الهدف الرئيسي من هذا الزحف باتجاه الحدود السورية ليس طرد داعش أو إنهاء وجوده الضعيف أساساً، بقدر ما هو تأمين طريق بري بين سوريا والعراق، لترسيخ النفوذ الإيراني في الدول الثلاث العراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى شواطئ البحر المتوسط.

كان التطور اللافت هو ما قام به الطيران الأمريكي من قصف لأرتال قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية التي تسانده لثلاث مرات خلال أقل من شهر، حيث قامت بقصفين على جنود من قوات النظام والميليشيات في 18 مايو/أيار و6 يونيو/حزيران، حيث بات واضحاً اعتراض الولايات المتحدة على الاتصال الجغرافي بين سوريا والعراق عبر البادية السورية جنوباً، في حين صمتت تجاه الاتصال المباشر بين قوات سوريا الديمقراطية في محافظة الحسكة وقوات الحشد الشعبي في العراق شمالاً. الولايات المتحدة لم تقرر بعد معاداة طهران، وتقويض نفوذها في سوريا تماماً، بل تحافظ على قنوات تواصل معها عبر وسطاء كحكومة بغداد والحشد الشعبي من جهة، ومن الواضح أن التواصل البري بين طهران – بغداد – حلب – دمشق بات قائماً، لكنه تحت المراقبة والتحكم الأمريكي، حيث ما زالت الولايات المتحدة تعتبر كلاً من الحشد الشعبي وقوات سوريا الديمقراطية حلفاء لها، وتواصلهم وتعاونهم جغرافياً على الأرض لا يثير حفيظتها، بل ربما سيكون ذو فائدة للولايات المتحدة في المستقبل القريب، وورقة ضغط جديدة تمارسها الإدارة الأمريكية على تركيا. إن السياسة الأمريكية لإدارة الصراع في سوريا غير واضحة، حيث أن تناول الإدارة الأمريكية للملف السوري يختلف بين شمال سوريا وجنوبها لمراعاة الحساسيات التركية والإيرانية في شمال سوريا، ومصالح وأمن إسرائيل والأردن في الجنوب.

ولم تعد تقتصر الحرب السورية على المواجهات العسكرية، بل على طاولة المفاوضات أيضاً كالمفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وروسيا وأطراف أخرى في الأردن، لبحث مستقبل المنطقة الآمنة في جنوب سوريا حيث أن بدون تفاهم أمريكي روسي على منطقة الجنوب وبالأخص البادية السورية لن تكون المعارك في المنطقة سهلة أبداً. حيث يعزز الجيش الحر قواته في القلمون الشرقي والمنطقة الجنوبية، إضافة إلى شرق البادية في محاولة لتأمين أكبر رقعة جغرافية لحدود المنطقة الآمنة في الجنوب في حال تم توقيع اتفاق مناطق آمنة في الجنوب، أو في حال عدم التوصل لمثل هذا الاتفاق ستكون قوات الجيش الحر على استعداد لاستئناف المعارك ضد قوات النظام وتنظيم داعش.

اشترك في نشرتنا Read in English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة