المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

تعاني المعارضة السورية في الفترة الأخيرة من ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة، حيث أخبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير المعارضة السورية في مؤتمر الرياض 2 الذي انعقد في شهر أغسطس/آب الماضي عن مواقف الدول المختلفة تجاه المسألة السورية، حيث أن هناك دولاً تريد أن يرحل الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، بينما بعض الدول تريد رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه لا توجد أي دولة تريد الإبقاء على نظام الأسد، حتى روسيا لا تريد بقاءه، الخلاف هو على توقيت رحيله.

لكن هذه القناعات التي تحدث عنها الجبير ليس لها أي انعكاس على الأرض، خاصة في ظل الغياب الأميركي عن الملف السوري، وانكفاء الولايات المتحدة على محاربة تنظيم داعش، والتركيز التركي على تحقيق وضمان مصالحها القومية، وانشغال دول الخليج (قطر والسعودية) بأزمتهما الأخيرة، حيث برزت العديد من المؤشرات على توجه دولي نحو “الحل الواقعي” الذي باتت تتبنّاه بعض القوى الدولية، وهو القبول ببقاء الأسد في الحكم.

تفرض الأحداث المتسارعة المرتبطة بالأكراد، سواء في العراق أو في سوريا، نفسها كمتغير شديد الأهمية على العلاقة بين إيران وتركيا وروسيا، فالتطورات الكردية بدأت تتحول إلى خطر مشترك يهدد الأمن القومي التركي والإيراني. لذلك قبلت تركيا بإيران كدولة ضامنة في محادثات أستانة، الأمر الذي وضع المعارضة السورية التي تثق بتركيا في موقف سيء أمام الشعب السوري، ويعزو بعض الباحثين قبول تركيا بإشراك إيران في محادثات أستانة إلى قناعتها بأن التفاهم مع إيران هو الحل الوحيد لتحجيم نفوذها في سوريا، وتجنب ارتدادات أحلامها التي بدأت تقترب من مناطق الحدود التركية السورية في خط الساحل وإدلب. وتلا ذلك عدداً من الزيارات على مستوى رفيع بين قيادات الدولتين كان آخرها استقبال الرئيس التركي رجب أردوغان لرئيس الأركان الإيراني محمد باقري في أنقرة في أغسطس/آب الماضي وزيارة أردوغان لإيران في بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول، كما استقبل أردوغان الرئيس الروسي بوتين في سبتمبر/أيلول.

أما الولايات المتحدة فقد فشلت في أدارة الأزمة السورية بالشكل المناسب، خاصة على الجانب العسكري، هذا الفشل ساهم في تعزيز موقف نظام الأسد الضعيف ومنحه العديد من الامتيازات، حيث عملت الولايات المتحدة جاهدة لمنع وصول أسلحة متطورة لقوات المعارضة، وعلى رأسها الأسلحة المضادة للطيران، والتي كانت ستسمح للمعارضة المسلحة في منتصف عام 2013 من حسم المعركة عسكرياً ضد نظام الأسد أو على الأقل قللت من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين الناتجة عن قصف الطيران للمدن والقرى الواقعة تحت سيطرة المعارضة. بالإضافة إلى ذلك لم ترد الولايات المتحدة على الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية بما يتناسب مع هذا الجرم.

كانت أكبر أخطاء الولايات المتحدة هو الفراغ الذي خلقته والذي سمح لروسيا بالتدخل بشكل مباشر لصالح نظام الأسد، كما أن تجاهلها لخطر المليشيات الإيرانية والتركيز فقط على المليشيات المتطرفة، مثل جبهة النصرة، سمح بتمدد النفوذ الإيراني في سوريا. هذه الأخطاء أدت لخسارة المعارضة للعديد من المناطق، وأعطت النظام قدرة كبيرة على الوصول إلى مناطق كانت عصية على قواته سابقاً، وبالتالي تحقيق انتصارات عمل النظام جاهداً على الترويج لها على أنها باسم الدولة السورية، وإعطاء صورة أن الدولة السورية قائمة وأن الجيش السوري يحارب ما يصفهم “بالإرهابيين” ويستعيد الأراضي السورية. في حين اكتفت الولايات المتحدة بقتال تنظيم داعش، ورفضت طلب قوات المعارضة بالحصول على الدعم الكافي لقتال النظام.

ومن الأخطاء الأمريكية الأخرى، طلب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من فصائل الجيش السوري الحر في البادية السورية بالانسحاب نحو الأردن، وتسليم المنطقة للقوات الروسية، والتهديد بشكل صريح بقطع الدعم عن هذه الفصائل في حال الرفض، كما أن التحالف سمح لقوات النظام بالتوسع في البادية السورية وصولاً إلى الحدود العراقية ومدينة دير الزور والسيطرة على آبار النفط والغاز، مما قطع الطريق أمام قوات الجيش الحر بالتقدم نحو دير الزور.

أما السعودية، التي لم يعد وزير خارجيتها يخرج على الاعلام بتصريحات عن ضرورة رحيل الأسد، فقد خسرت العديد من أوراقها في الملف السوري، على الرغم من الموارد الهائلة التي وجهتها للمعارضة السورية في سبيل تقويض النفوذ الإيراني، كما أن صراعها مع قطر، الذي كانت سوريا أحد أهم ساحاته، انتهى بأزمة خليجية بين الدولتين. ويذكر أن السعودية بدأت تنسحب تدريجياً من المشهد السوري منذ أكثر من عام، الأمر الذي أضعف المعارضة المسلحة تحديداً، والتي كانت تعتمد بشكل كبير على الدعم السعودي للحصول على المال والسلاح والذخيرة.

وإلى جانب السعودية، شهد موقف الأردن تغيراً لافتاً من الأسد ونظامه عبّر عنه وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام محمد المومني قائلًا: “نتحدث عن علاقات تتجه باتجاه إيجابي بيننا وبين الدولة السورية والنظام في سوريا.”

التوجه الأوروبي المتخبط أيضاً ساهم في تعزيز نظام الأسد، برز هذا التخبط في تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون في أبريل/نيسان الماضي في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية، حيث أكد أن بشار الأسد هو عدو الشعب السوري ويجب محاكمته أمام القضاء الدولي، مؤكدا أنه كرئيس سيعمل على تحقيق ذلك. كما سعت فرنسا خلال الشهور الماضية للحصول على أدلة تثبت مسئولية الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون، هذه الجهود تم تتويجها بتقرير من الأمم المتحدة يشير بوضوح إلى أن الحكومة السورية هي من كانت وراء المجزرة. لكن اختلفت هذه التصريحات بعد تعيين ماكرون رئيساً لفرنسا، حيث صرّح أن رحيل الأسد ليس أولوية، مضيفاً أن الأخير ليس عدواً لفرنسا. بالإضافة إلى هذا التخبط الفرنسي، اقترح وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون السماح للأسد بخوض انتخابات رئاسية وإمكانية البقاء في السلطة إذا فاز بها، كجزء من حل الصراع في سوريا.

لم يقف الأمر عن تخلي الدول الفاعلة في الملف السوري عن خيار رحيل الأسد، بل وصل الأمر إلى مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، ستيفان دي مستورا الذي قال “يجب على المعارضة أن تبدأ التفكير بواقعية، كما عليها أن تدرك أنها لم تربح الحرب.”

كل هذه التطورات على المستوى الدولي تعني زوال أي تهديد جدّي لحكم بشار الأسد، ويبدو أنه تمكن من قراءة هذه التطورات، وبدأ بخطوات عملية لإظهار أن الدولة السورية قائمة وأن الأزمة السورية تتجه نحو النهاية، حيث شنّ النظام السوري مؤخراً حملة ممنهجة ضد فوضى السلاح، كما أزال العديد من حواجز التفتيش في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وعمل أيضاً على إتمام معرض دمشق الدولي بنجاح تام بعد توقف دام خمس سنوات بسبب الحرب، وجلب إليه العديد من الزوار الأجانب. كما سعى الأسد جاهداً لاستعادة لاعبي كرة القدم الذين أعلنوا انشقاقهم عن المنتخب السوري، حيث عاد اللاعبان فراس الخطيب وعمر السومة إلى صفوف المنتخب السوري ليشاركوا في تصفيات آسيا لكأس العالم. بالإضافة إلى الزيارة الطويلة التي قام بها الأسد في عيد الفطر، حيث وصل إلى حماة، وزار بسيارته عائلات المصابين والقتلى من الجيش السوري في أرياف موالية له، ليكمل طريقه إلى الساحل. بما يمكن وصفه بأنه أول نشاط له خارج العاصمة دمشق منذ بداية الثورة السورية.

تغير موقف الدول التي كانت معارضة لوجود الأسد وتطالب برحيله في بداية الأزمة يعكس رغبة المجتمع الدولي في إعادة ترميم صورة الأسد وتقديم بقائه في الحكم كحل واقعي للصراع السوري، تاركين الشعب السوري وحيداً في مواجهة نظام قمعي، بعد أن كانت هذه الدول مقتنعة أن الأسد هو أساس المشكلة وبقائه في الحكم يزيد من تأزّم الوضع السوري والقتل والتدمير والتهجير، وأي حل للأزمة السورية مرهون بمغادرة سدة الحكم.

اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

تقرير | إعادة إعمار سوريا

يعرّف هذا التحليل "إعادة الإعمار" على أنه تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند الاستقرار أو إعادة الإعمار. وينبغي أن تخدم هذه الأهداف الرئيسية إعادة توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليًا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية.

التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

تأسست جماعة جند الإسلام عقب خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 وليس عام 2013 كما ذكرت بعض التقارير؛ استغل التنظيم الانفلات الأمني الذي حدث بعد الثورة في التدريب والتجنيد وجلب السلاح من ليبيا

قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

سحبت السلطات التركية خلال الآونة الأخيرة تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية الانسانية العاملة على أراضيها والتي تقدم الدعم للاجئين السوريين، لأسباب عديدة بعضها متعلق بدواع أمنية، وأخرى قيل إنها بسبب شروط جديدة