تقرير | نشأة وتطور تنظيم داعش في ليبيا

أطلق اليوم مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط تقريره الجديد عن تنظيم داعش في ليبيا تحت عنوان نشأة وتطور تنظيم داعش في ليبيا”، هذا التقرير يرصد تحول الساحة الليبية لتكون ساحة للتنظيمات الجهادية العالمية، مع التركيز على تنظيم داعش، فضلا عن التحذير من خطورة الاكتفاء بالهزيمة العسكرية للتنظيم، وأن هزيمة التنظيم تقتضي استراتيجية شاملة. أعد هذا التقرير كل من كريم ميزران وجاسون باك وريهانون سميث.

وفيما يلي الملخص التنفيذي

وضع ليبيا المتفردة في جغرافيا الجهاد العالمية

تعتبر ليبيا مركزاً رئيسياً للحركات الجهادية العالمية، والمقاتلين الأجانب منذ ثمانينيات القرن الماضي على الأقل. عقب إسقاط معمر القذافي في عام 2011، استمرت ليبيا في احتلال مركز هام، إلا أنه متأرجحا، بالنسبة للجهاديين العالميين. وبما أن أجهزة الدولة الجديدة في ليبيا فشلت في توطيد مؤسساتها، وفشلت في ادماج نفسها مع الشعب الليبي في الفترة الأولى عقب سقوط القذافي بين 2012-2013، فإن الفراغ الأمني والسياسي في ليبيا خلق مناخاً مناسباً يمكن للجهاديين اللجوء إليه بعد انتهاء اشتباكاتهم في العراق وسوريا. تمكنت الجماعات الجهادية أيضا من تأسيس جيوب خاصة بهم بالتحديد في بني غاي ودرنة. خلال عام 2014، نجح الجهاديون في توطين أنفسهم في العديد من الميليشيات الهامة في البلاد؛ وبينما انقسمت الحكومة الليبية بين طبرق وطرابلس، دعمت العديد من الجماعات الجهادية بصورة غير مباشر حكومة طرابلس، من خلال الاشتباك العنيف مع القوات المتحالفة مع حكومة طبرق والجنرال خليفة حفتر. عند هذه النقطة، تحولت ليبيا إلى مركز للجهاديين لتطبيق تدريبهم الجهادي، والذي كانوا قد تلقوه وهم يحاربون في جانب تنظيم داعش. يهدف التنظيم إلى تمديد الخلافة لتأسيس إمارات جهادية خاضعة لحكمه في مناطق مثل درنة وسرت، ومن ثم هزيمة “الطاغوت” حفتر. ومع انتشار الميليشيات الجهادية، فإن القادة الكبار تعهدوا بالولاء لداعش، مما أدى إلى انتصار التنظيم في أكتوبر/تشرين الأول 2014، والاستيلاء على المدينة الليبية الوحيدة التي كانت تحت حكم الجهاديين منذ سقوط القذافي – درنة.

في البداية، فإن الصلات بين أولئك الذين يدينون بالولاء لتنظيم داعش في ليبيا وبين القيادة المركزية للتنظيم في الموصل والرقة كانت ضعيفة تماما، إلا أنه ونتيجة للتدفق المستمر للأفراد والأفكار من سوريا إلى درنة وطرابلس وبنغازي، فإن فرع التنظيم في ليبيا يقوم بتقليد العديد من السمات الرئيسية للتنظيم المركزي في منطقة الشام، بما في ذلك الأسلوب الوحشي في الحكم.

في الواقع، فإن أسلوب داعش في الإفراط في الوحشية والحكم الدموي هو ما أدى إلى إثارة ردة فعل عنيفة ضد حكمه في درنة في أواخر عام 2014. في نفس الوقت قام بالاستثمار في الحرب الأهلية في سرت، وقام بضم بعض العناصر الجهادية الموجودة هناك، بالإضافة إلى القبائل الساخطة هناك، والتي كانت متحالفة مع نظام القذافي. واستناداً إلى هذه التحالفات والقمع الوحشي لخصومها، فإن الجماعات التي أعلنت الولاء لتنظيم داعش أسست نفسها باعتبارها السلطة الحاكمة الوحيدة في سرت في عام 2015، لتقوم بتنفيذ رؤيتها الجديدة للإمامة (الدولة الإسلامية)، والتكفير (إدانة الآخرين كمرتدين)، والسيطرة الإقليمية المستدامة.

عقب اعتراف أمير داعش، أبو بكر البغدادي، بشكل رسمي بإمارات داعش في ليبيا، ومع النجاحات المبدئية لهذه الإمارات في اجتذاب مجندين وتوسيع أراضيها، أعادت ليبيا صياغة الدعاية الجهادية بوصفها الحصن الأول الذي على القيادات الداعشية العليا الهروب إليها من الشرق. في ديسمبر/كانون الأول 2016، وبعد ثمانية أشهر من القصف، تمكنت ميليشيات مصراته، والمدعومة من قبل الضربات الجوية الأمريكية، بطرد داعش من سرت. بالرغم من أن نموذجهم على الأرض قد انهار، إلا أن مقاتلي داعش مستمرون في الاحتفاظ بوجودهم في ليبيا، وهناك مؤشرات بأنهم يتجمعون مرة أخرى في جنوب سرت. خسارة تنظيم داعش للأراضي في ليبيا تعني بأنه على الأرجح سيغير من تكتيكاته بعيدا عن بناء الدولة، ونحو مزيد من تكتيكات حروب العصابات التقليدية. إن التفجير الانتحاري في حفل موسيقي في مانشيستر يوم 22 مايو/أيار 2017، والذي أعلن التنظيم مسئوليته عنه، تم تنفيذه من قبل ليبي بريطاني، لديه صلات بشبكة جهادية في ليبيا، مما يشير إلى احتمالية تغيير نحو استخدام الأراضي الليبية لتنفيذ هجمات الصدمة والرعب في الغرب، إلى جانب تجنيد المزيد من العناصر في ليبيا.

 يستمر الجيش العراقي في عملياته ضد تنظيم داعش في الموصل، في نفس الوقت الذي تستمر خلايا التنظيم في التواجد في ليبيا بالرغم من خروجه من سرت، وهي حالة نادرة لدراسة مواجهة التحديات والتبعات والأخطار المحتملة الناتجة عن هزيمة داعش والجماعات الجهادية الأخرى على الأرض، وكيف يمكنهم لم شتاتهم وإعادة صياغة عملهم عقب هذه الهزيمة.

من يشارك في تنظيم داعش في ليبيا؟

تم تسريب معلومات عن آلاف ممن جندهم تنظيم داعش في مارس/آذار 2016، يظهر هذا التسريب أن الأغلبية التي تم تجنيدها لصالح التنظيم في ليبيا كانوا قد شاركوا في عمليات جهادية في مجتمعاتهم المحلية أثناء الثورة الليبية في عام 2011، قبل السفر للانضمام إلى التنظيم في ليبيا. بالنسبة لهؤلاء الرجال، فإن القتال في العراق وسوريا ساعدهم وكأنها شهادة جامعية في التدريب على النشاط الإرهابي. وكما أن درجة الماجيستير مؤشر على تقدم في المعرفة عن الموضوع والتأهل لمناصب أعلى، فإن الجهاد في العراق وسوريا بالنسبة للجماعات الإرهابية المحلية يعني أن المقاتل لديه خبرات متطورة لينافس الجماعات الأخرى التي تقاتل من أجل السلطة في ظل الفراغ الأمني الليبي. إذا كان هذا التجنيد متصل عبر علاقات متعددة الأجيال لاختبارات قتالية للجماعات المتطرفة، مثل حالة مفجر مانشيستر سلمان العبيدي، فإن ذلك أفضل. مرشح كهذا كان مناسب بشكل مثالي للقيادة أو التنفيذ.

ابتداء من 2013، بدأ هؤلاء المقاتلون الليبيون الذين كانوا يقاتلون في صفوف تنظيم داعش في العودة للوطن بصورة تدريجية بطيئة، غالبا إلى بنغازي ودرنة – بالطبع مع الوضع في الاعتبار الجذور العميقة للمشاعر المعادية للقذافي في هذه المدن على مر العقود الماضية. في البداية ازدهر تنظيم داعش هناك، وبلغ الذروة مع الاعتراف الرسمي لثلاث إمارات للتنظيم – وهي أبنية الحكم التي يقوم التنظيم من خلالها بممارسة نفوذه وسلطاته على منطقة جغرافية معينة – في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. تتوازى هذه الإمارات مع ثلاث محافظات يعود تاريخها للحقبة العثمانية، طرابلس وبرقة وفزان في الغرب والشرق والجنوب الغربي في ليبيا بالتتابع، هذه الخطوة تمثل تحرك استراتيجي للتنظيم لفرض سيطرته على ليبيا، بالرغم من أن نفوذه يقتصر على القليل من المدن الساحلية.

هناك عدد كبير من مقاتلي تنظيم داعش في ليبيا ليسوا ليبيين، ولكن غالباً من تونس ومصر والسودان، إلا أن السبب في أن التنظيم كان لديه القدرة على تأسيس أقوى إماراته التابعة له في ليبيا هو الليبيين أنفسهم. فهم هذه الحقيقة سيساعد المجتمع الدولي على التخطيط لمساعدة فعالة وطويلة الأمد تهدف إلى إجهاض تنظيم داعش في ليبيا، والحيلولة دون عودته. لا يمكن فهم مقاتلي داعش الليبيين بشكل خاص، والجهاديين الليبيين بشكل عام، بمعزل عن فترة ما قبل الانتفاضة، والواقع الليبي، والتدوير الدولي للجهاديين من مكان ظهورهم.

منذ انتفاضة 2011، تورطت الجماعات الليبية أو تم دفعهم، كنتيجة، نحو الجهاد برغبة داخلية لـ “استكمال” الثورة. بقول آخر، تطهير ليبيا من فلول القذافي وعرقلة ظهور جهاز مركزي ديمقراطي للدولة. هذا التقرير حول فروع داعش في ليبيا يضع المنظمة ضمن المشهد السياسي والقبلي لما بعد القذافي، وفي ذات الوقت يضع هؤلاء المقاتلين من داعش في ليبيا في السياق القالب الدولي والجهادية العالمية.

نطاق التقرير ومنهجيته

هناك عدد من الاكتشافات الهامة حول التطور السياسي الذي أدى إلى بيئة يمكن لتنظيم داعش أن يستغلها في ليبيا. وباتخاذ منهج مختلف، فإن هذا التقرير يدرس السوابق الجهادية للتنظيم في ليبيا، وتحركات التنظيم في درنة وسرت، والتي أدت إلى تأسيسه في هاتين البؤرتين، وردة فعل الغرب والميليشيات الليبية على ظاهرة تنظيم داعش. مع التركيز على التنظيم، والوضع في الحسبان السياق السياسي الأوسع. في ظل هذه المنهجية، فإن هذا التقرير يقدم توصيات لمكافحة تنظيم داعش والمجموعات المشابهة في المستقبل.

المعلومات الواردة في هذا التقرير مستخلصة من أدبيات تنظيم داعش المتوفرة، ومن خبرة كتاب التقرير المباشرة في العمل لمؤسسات غربية تهدف إلى مكافحة التهديدات الجهادية في ليبيا، ومقابلات مع ليبيين متصلين بالعملية الانتقالية بعد الانتفاضة، ومن المعلومات المستقاة من مشروع “عين على داعش في ليبيا“. عين على داعش في ليبيا هي منظمة أمريكية أسسها جاسون باك. يقدم المشروع معلومات وتحليلات عن أصل وتطور تنظيم داعش في ليبيا، بدءاً من منتصف العام 2014 حتى ما بعد عام 2016، وقت خروج التنظيم تماما من قاعدته في سرت. بالرغم من أن الاسم هو عين على داعش في ليبيا إلا إنه يركز على الجماعات الجهادية الأخرى في ليبيا أيضا، وتوفير تفاصيل عن تحركات الميليشيات الأخرى واللاعبين الدوليين ورد فعلهم. عين على داعش في ليبيا تقوم بنشر معلوماتها بشكل أسبوعي وتقسمها إلى أربعة تصنيفات، وكل تصنيف يشتمل على  مدخلات أسبوعية وجداول زمنية عامة: داعش تعمل، ورد فعل الغرب، جهاديون آخرون والتحالف المناهض لداعش من الميليشيات الليبية.

خلاصات التقرير

أولا: النتائج العكسية للوحشية

تظهر معلوماتنا بأنه في خلال السنوات الثلاث الماضية، فإن تنظيم داعش أصبح عدواً للأغلبية الساحقة من الشعب الليبي.  بسبب قتل العديد من الناس، والوحشية في سحق المقاومة. في البداية خسر تنظيم داعش درنة، وفي ديسمبر/كانون الأول 2016 خسرت سرت. هذا يتناسب مع مسار أقليمي أكبر، حيث أن وحشية داعش ينتج عنها مقاومة: خسر داعش اليمن بسبب وحشية عناصرة الشديدة، حيث تصرفوا بما يتنافى مع الأعراف القبلية، الأمر الذي قوض قدرتهم على التنافس مع جماعات متطرفة أكثر استقراراً مثل القاعدة. علاوة على ذلك، في ليبيا، فإن داعش لديها تحد مضاعف بسبب عدم قدرته على الاعتماد على الشحن الطائفي لتلقي الدعم من السنة كما فعل في العراق وسوريا.

ثانيا: حالة اللادولة خلقت داعش

ليس هناك استراتيجية عسكرية محضة لهزيمة تنظيم داعش، التنظيم هو عرض لأمراض ليبية، خاصة ضعف الحكم. الطغيان الذي مارسته الميليشيات الليبية كان أحد الأسباب الأساسية لعدم استقرار ليبيا في الخمس سنوات الماضية. ومن ثم، فإن السياسات الدولية والليبية تحتاج إلى التعامل مع الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة. إن استراتيجية لمكافحة تنظيم داعش في ليبيا يجب أن تشمل على خطة لتعزيز المؤسسات الليبية والتعامل مع تهديد الميليشيات هناك. مجرد إخلاء سرت من داعش لم ولن يحل أي من هذه المشاكل، لأن خلايا التنظيم مستمرة في التواجد في ليبيا وما تزال تحتفظ بعقيدتهم. استمرار حالة اللادولة في ليبيا يسمح باستخدامها كمعسكر تدريب ومعقل للاتصالات لداعش من أجل بسط سيطرتها. الحالة المنفردة من الفراغ في الحكم في ليبيا حولّها إلى حاضنة للعمليات الجهادية، وظهر هذا بشكل تدميري مع تفجيرات ساحة مانشيستر في 22 مايو/آذار 2017. من أجل إعادة بناء ليبيا، يجب إدماج المليشيات في الحياة المدنية، يجب أن يكون عملهم في إطار مؤسسات أمنية جديدة ومتماسكة. الآن وبعد أن خسر داعش أراضي سرت، على الحكومات الغربية تقديم المزيد من الدعم للجهود التي تهدف إلى إعادة بناء ومأسسة وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية الليبية.

ثالثاً: أهمية لامركزية السلطة

تمكن تنظيم داعش من الازدهار مستغلاً هشاشة هياكل الحكم المحلية في ليبيا بسبب الحكومات المركزية السابقة، والتي تجاهلت تمكين السلطة المحلية. السياسة الغربية يجب أن تسعى لتمكين المليشيات والمجالس المحلية من الحصول على الحكم والقضايا العادلة، بدلا من توجيههم فقط نحو مقاتلة تنظيم داعش أو الجهاديين الآخرين. ومثال على ذلك الحكم في سرت عقب تحريرها من داعش.

رابعاً: التهميش في المجتمع الليبي يمكّن داعش

تمكن تنظيم داعش من استغلال واتخاذ ملاذ آمن في المجتمعات التي عانت عقب انتفاضة 2011. المجتمعات التي تمكن تنظيم داعش بسهولة من استغلالها تشتمل على عناصر موالية للقذافي والعناصر المتطرفة من المليشيات التي أيدت الانتفاضة. المصالحة الوطنية الحقيقية والشاملة في ليبيا، خاصة بين العناصر المؤيدة في السابق للقذافي والثوار وبين المناهضين للإسلاميين والمؤيدين لهم مطلوبة لإنهاء نسق التطرف في ليبيا. يمكن تحقيق ذلك من خلال بناء عملية مصالحة حقيقية في أي خطة توحيد جديدة للحكومة في الدستور الليبي.

اشترك في نشرتنا Read Full Report in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.