صراع المعارضة من أجل إعادة توازنها بعد خسارة حلب

منذ هزيمة قوات المعارضة في حلب، وهى تحاول أن تعيد توازنها، إلا أن اهتزازها ومشاكلها الداخلية تعيق قدرتها على تقديم خطة واضحة للتحرك قدماً.

ليست هزيمة المعارضة في حلب مجرد خسارة كبيرة بالنسبة للمتمردين فقط، ولكن تبعات هذه الهزيمة تعرقل تعافى المعارضة بطرق أخرى: فقد أخذ الاتفاق ما تبقي للمتمردين من الأسلحة الثقيلة، وليس لديهم وقت كافِ للحصول على أسلحة مماثلة مرة أخرى، وبناء مقرات عسكرية خارج المدينة، إن الأولوية الأولى الآن للمقاتلين هي تأمين عائلاتهم الذين تم اجلائهم من المعركة. إن عنصر المفاجأة الذي صاحب عملية الاجلاء لم يعط فصائل المعارضة الوقت الكافي لبناء مخيمات خارج المدينة لإيواء المقاتلين بعد اجلائهم؛ معظم المقاتلين الذين تركوا حلب كانوا مشغولين بتأمين مقرات جديدة للإقامة لعائلاتهم، حيث وجدوا أنفسهم بلا مأوى في أماكن جديدة دون دخل مضمون.  

وقعتا تركيا وروسيا في العاصمة التركية على اتفاق وقف إطلاق نار شامل في سوريا بين روسيا ووفد المعارضة السورية يوم الخميس 29 ديسمبر/كانون الأول. يأتي هذا الاتفاق في إطار مساعي تركية-روسية من أجل وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية، والتحضير لمباحثات يتوقع عقدها الشهر المقبل في العاصمة الكازاخستانية أستانا، وتهدف إلى التوصل لحل نهائي للأزمة السورية. يعطي وقف إطلاق النار هذا المعارضة وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها وصفوفها، خاصة فصائل مدينة حلب التي خرجت منهكة إلى ريفَي حلب وادلب، تاركة سلاحها الثقيل والمتوسط في المدينة حسب شروط الاتفاق الروسي-التركي.

ويأتي وقف إطلاق النار في الوقت الذي تم فيه اندماجان كبيران ضمن الفصائل العسكرية في الشمال السوري، يؤديان إلى تشكيل قطبي المعارضة السورية، حيث صدر يوم الأربعاء 28 ديسمبر/كانون الأول بيان عن الفصائل الثورية المعتدلة، أعلنت فيه عن انطلاق مبادرة لتوحيد الصفوف وتشكيل تكتل قوي ليحقق تطلعات الشعب السوري. ومن أهم هذه الفصائل العسكرية الموقعة على البيان:

  • صقور الشام: المنشق حديثاً عن حركة أحرا الشام الإسلامية.
  • جيش الإسلام في الشمال.
  • فيلق الشام.
  • جبهة أهل الشام: التي تشكلت مؤخرا من جيش المجاهدين وكتائب ثوار الشام وبيارق الإسلام.
  • لواء شهداء الإسلام: اللواء الرئيسي الذي كان عاملاً في مدينة داريا.
  • والعديد من الألوية والتشكيلات العسكرية، التي سيعطيها وقف إطلاق النار وقتاً ومجالاً لوضع بنية عسكرية موحدة وترتيب الصفوف.

في حين كثر الحديث مؤخراً وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن اندماج قريب سيضم جبهة فتح الشام – جبهة النصرة سابقاً – وحركة نور الدين الزنكي، التي كانت أحد أكبر فصائل “غرفة عمليات فتح حلب”، التي تضم الفصائل المعتدلة والمدعومة من مجموعة أصدقاء سوريا حتى منتصف 2016، حيث بدأت الحركة بالتقرب من فتح الشام والتنسيق العسكري معها، حتى اعلان انضمامها لـ “جيش الفتح” في بداية 2015.

لا يزال الجدال قائماً ضمن صفوف وقيادات حركة أحرار الشام الإسلامية فيما ستقبل الاندماج مع فتح الشام والزنكي. وربما أكثر ما يمكن أن يسبب ضغطاً على قيادة حركة أحرار الشام الإسلامية للقبول بهذا الاندماج هو الإعلان عن تشكيل “جيش الأحرار” ضمن حركة أحرار الشام، وهو تكتل فرعي مشكل من عدد من الألوية العاملة في الحركة، وتحديداً من الألوية الأكثر قرباً لجبهة فتح الشام، والأكثر كرهاً للمكتب السياسي للحركة، الذي يسعى جاهداً لجذب الحركة نحو الثورة، والفصائل غير المتطرفة والتي تريد العمل مع الداعمين الخارجين.

وهذا الأمر سبب حرجاً لحركة أحرار الشام الإسلامية، حيث أنها إذا قبلت بالاندماج مع فتح الشام فإنها بالتالي سيتم تصنيفها على أنها حركة إرهابية، كونها اندمجت مع جبهة فتح الشام المصنفة إرهابياً. وفي حال قررت حركة أحرار الشام الإسلامية الانضمام للفصائل المعتدلة، فإن ذلك سيسبب انهياراً كبيراً في صفوفها، كون أن “جيش الأحرار” غالباً لن يقبل الانضمام، وهو يشكل أكثر من نصف قوة الحركة.

في حال تحقق الاندماجين، سيحدث في صفوف المعارضة استقطاب بين الطرف المتطرف والطرف المعتدل، ويخاف السوريون من حدوث اقتتال داخلي ضمن صفوف المعارضة، بسبب الاختلاف الكبير بين القطبين.

سيكون لوقف إطلاق النار وتوقف القصف الجوي نتائج إيجابية على الصعيد الإنساني في سوريا، وخاصةً بعد أن أطلقت العديد من المنظمات الاغاثية نداءات استغاثة للحد من الكارثة الناجمة عن قدوم حوالي 40 ألف شخص، تم اجلاؤهم من شرقي حلب باتجاه ريفها، وهو العدد الأكبر الذي تم اجلاؤه وتهجيره، حيث لا يقارن مع الأعداد التي قدمت إلى ادلب من ريف دمشق أو حمص، وحصل الإجلاء بشكل سريع وغير متوقع، ولم تكن المنظمات الإغاثية في حالة جاهزية لتدارك الأمر.

أما عن ناشطي مدينة حلب الذين يقفون حائرين أو حتى عاجزين عن القيام بأي نشاط فعلي، حيث فقد معظمهم مشاريعهم المدنية ومدينتهم، التي كان يسودها جو مناسب لإقامة المشاريع الخدمية والتنموية، حينما كانت الفصائل المعتدلة كانت تسيطر عليها، هذا على عكس ما يواجهون الآن خارج المدينة، حيث تقع هذه المناطق تحت سيطرة الحركات الجهادية التي تؤمن أن هذه المشاريع الخدمية والتنموية لها ارتباط بالدول الغربية، كما أن هناك مضايقات كبيرة لعمل المؤسسات المدنية في ادلب، فإن الكثير من المراكز الإعلامية، مثلا، فقدت معداتها إما بالقصف، أو عند سيطرة النظام على مقراتهم، ولم يستطيعوا اخراج معداتهم. وليس لدى الكثير من الأطباء أيضاً مشاف يتابعون فيها عملهم، لأن اتفاق الاجلاء لم يسمح للمشافي بإخراج معداتها الطبية.

بين محاولات اندماج ثورية وطنية وأخرى جهادية وخطر انفجار اقتتال داخل المعارضة، وبين احتمالات نجاح الهدنة، وحديث عن احتماليات المعارك القادمة التي قد يشنها النظام السوري وحلفاؤه في حال انهيار، تسعى فيها المعارضة السورية إلى ترتيب أوراقها وتنظيم صفوفها العسكرية والمدنية لمواجهة الفترة القادمة، ولكن ليس الوضع لصالحها.

حتى ولو نجحت خطة اندماج فتح الشام، فإنها ستفشل في الاستمرار، لأنها لن تتلقى دعمًا من الداعمين الخارجين، ولا تستطيع المعارضة مقاومة النظام وروسيا وإيران بدونه، بيد أن في طريق الفصائل المعتدلة، ما يُسمى احيانًا الطريق العملي، توجد معوقات لا يُستهان بها. ليس التوحد كافيًا في هذا الحين، حيث أن النظام وحلفاءه قيد التقدم في أكثر من منطقة، والولايات المتحدة لا ترغب في القيام بعمل خطير، وتركيا والأردن يفكران بشكل عملي، ويركزان على تأمين مصالحهما وحدودهما. تحتاج المعارضة إلى خطة جديدة لاستعادة توازنها بعد خسائر السنة الماضية، ولكن لا أحد قدم هذه الخطة بعد.

Read in English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط