الحراك الشعبي في مواجهة الإدارة المدنية لجبهة النصرة

الحراك الشعبي في مواجهة الإدارة المدنية لجبهة النصرة

انتهى الهجوم الذي شنته هيئة تحرير الشام بقيادة جبهة النصرة على حركة أحرار الشام في شهر يوليو/تموز الماضي بسيطرة هيئة تحرير الشام على خط الحدود مع تركيا، بالإضافة إلى المعابر الحدودية مثل باب الهوى وأطمة وخربة الجوز، واغلاق هذه المعابر مؤقتاً من الجانب التركي.

كان الجميع يترقب ردة فعل تركيا تجاه سيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب وريف حلب الغربي، وسيطرتها على المعابر الحدودية؛ وبعد أيام قليلة نشرت جبهة النصرة بياناً مفاده أن معبر باب الهوى سيكون تحت إدارة مدنية لا تتبع لأي جهة عسكرية، الأمر الذي لم يقنع البعض، لكن قامت تركيا بفتح معبر باب الهوى أمام الحركة التجارية بشكل محدود، وعبور المسافرين لقضاء إجازة العيد داخل سوريا.

بعد أن استتبت السيطرة لهيئة تحرير الشام عسكرياً، بدأت الهيئة العمل على السيطرة على القطاع المدني عبر مبادرة أطلقت عليها “الإدارة المدنية للخدمات”، والتي تهدف من خلالها لتشكيل جسم مدني يتولى إدارة المناطق المحررة، والاشراف على عمل المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

لم تنخرط هيئة تحرير الشام – والتي تمتلك القوة الكبيرة والسيطرة – كثيراً في تعاملها مع القطاع المدني كما فعلت مع القطاع العسكري، لأنها تعلم جيداً أن ذلك سيسبب توتراً بينها وبين المجتمع، الذي وقف ضدّها بشكل ملحوظ وخرج في مظاهرات شعبية، مثلما حدث أثناء هجومها على فصائل المعارضة وحركة أحرار الشام، هذه المظاهرات شهدت إطلاق الرصاص الحي من عناصر الهيئة، ووقوع العديد من القتلى والمصابين في صفوف المتظاهرين، خاصةً في مناطق معرّة النعمان والأتارب وسراقب. وجدير بالذكر أن سراقب شهدت قبل يوم من هجوم هيئة تحرير الشام تجربة ديمقراطية هي الأولى من نوعها في المناطق المحررة منذ بداية الثورة السورية، تم فيها انتخاب المجلس المحلي لمدينة سراقب، بالإضافة إلى حملة رفع علم الثورة السورية في كافة المدن والبلدات، في محاولة من الناشطين إيصال رسالة للمجتمع الدولي أن إدلب ليست تحت سيطرة الجهاديين أصحاب الرايات السوداء، بغية تجنيب إدلب هجمة دولية بحجة مكافحة الإرهاب. وخوفا من تكرار ردة فعل شعبية غاضبة كهذه، بدأت الهيئة في التركيز على السيطرة على الشئون المدنية بعيدا عن استخدام العنف المباشر، فقامت بإنشاء “الادارة المدنية للخدمات”.

بعد تشكيلها مباشرة، قامت الإدارة المدنية للخدمات بإصدار جملة من القرارات فيما يخص عمل المجالس المحلية والمؤسسات الخدمية، طالبت فيها الإدارة من هذه المجالس والمؤسسات تقديم تقارير دورية عن أعمالها وأنشطتها والخدمات التي تقدمها وتقارير مالية، إضافةً إلى تقارير عن المنظمات الداعمة التي تتعامل معها هذه المجالس والمؤسسات؛ الأمر الذي ترك هذه المؤسسات المدنية حائرةً أمام مثل هذه القرارات التي تفرض بقوة السلاح بين الانصياع لها أو الانسحاب؛ فالتعامل مع هذه الإدارة المرتبطة بشكل مباشر بجبهة النصرة (المصنفة أنها تنظيماً إرهابياً) قد يؤدي إلى وقف الدعم الدولي الذي تتلقاه، وبالتالي تتوقف أنشطتها، ما يعني انعكاس ذلك سلباً على حياة المواطن المعتمد على هذه الخدمات، والذي يعيش أساساً في حالة مزرية؛ أما رفض التعامل معها، وترك إدارة القطاع المدني لتقوم به هيئة تحرير الشام، سيعطى لها فرصة تشكيل مجالس ومؤسسات خدمية جديدة، وهذا ما تسعى له.

نتج عن ذلك مواجهة بين هيئة تحرير الشام والمؤسسات المدنية في المنطقة، وبدأت المجالس المحلية، وكان أولها مجلس مدينة إدلب، بالرد عبر بيانات رسمية على تشكيل الإدارة المدنية للخدمات، حيث أوضح بيان مجلس المدينة أن القرارات التي أصدرتها الإدارة المدنية للخدمات في محاولة منها لإخضاع الدوائر التي تتبع مجلس مدينة إدلب مرفوضة تماماً، ليتبعه بيان من مجلس مدينة معرة النعمان يؤكد عدم تبعية المجلس المحلي لأي طرف من الأطراف، وأصدر أيضاً مجلس مدينة جرجناز بياناً يوضح فيه أن المجلس المحلي للمدينة يتبع لمجلس محافظة إدلب، والذي يتبع بدوره للحكومة السورية المؤقتة، مؤكداً أن المجلس لن يتبع لأي جهة أخرى جديدة، في إشارة إلى الإدارة المدنية للخدمات.

كما أطلق مجلس مدينة إدلب مبادرة دعت إلى تشكيل حكومة إنقاذ لسد الطريق على هيئة تحرير الشام، خلال اجتماع حضرته معظم مؤسسات المجتمع المدني في المناطق المحررة، مساء الثلاثاء 15 أغسطس/آب، حضر الاجتماع ممثلون عن الحكومة المؤقتة ومجلس التعليم العالي ومديريتا الصحة والتربية، إضافة إلى ممثلي مجلس مدينة حلب ونقابات المحامين والصيادلة والمهندسين والدفاع المدني السوري وبعض المنظمات النسائية العاملة في إدلب.

وكانت الرؤية المطروحة هي وضع برنامج وخطة عمل للمستقبل، لتشكيل حكومة تنبثق عنها إدارة مدنية مستقلة، لا تخضع لأي جهة عسكرية، على أن تتصف هذه الحكومة بأنها حكومة ترتكز على التعاقدية والمؤسساتية والشرعية، والعمل على تأسيس مؤسسة قضائية مستقلة وقوية وفاعلة. وأكد المجلس أن ما تم طرحه ليس مبادرة نهائية بل هي مجرد رؤية لكل من يريد العمل لمصلحة البلد.

في ظل هذا الصراع الذي تشهده إدلب، تحاول هيئة تحرير الشام، ومن ورائها جبهة النصرة بقيادة الجولاني، فرض نفسها كسلطة أمر واقع على المجتمع السوري والدولي، حيث بدأت الهيئة في التواصل مع مؤسسات المعارضة السياسية، مثل الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري وشخصيات ثورية معروفة، بغية كسب شرعية لها أو على الأقل للواجهة المدنية التي تعمل على فرضها؛ كان التواصل بخطاب لم يكن معهوداً من قبل، حيث كانت يتم اعتبار هذه المؤسسات والشخصيات كافرة، وتتهمها بالتعامل مع الغرب؛ وقد رفضت غالبية المؤسسات والكيانات التي تواصلت معها الهيئة هذه المحاولات، والشخص الوحيد على وافق على الحضور إلى إدلب ومقابلة الجولاني كان الشيخ حسن الدغيم، والذي أصدر بيانا بعد هذه المقابلة، أكد فيه عدم جدية ما تطرحه جبهة النصرة، كما حدثت خلافات داخل جبهة النصرة ذاتها، بسبب قيام الجولاني بمقابلة من كانت تراهم الهيئة كفرة ومرتدين. ويبدو أن براجماتية الجولاني، والتي ظهرت في عدد من الأوقات على امتداد الثورة السورية، بما يضمن مصلحة الفصيل وبقائه، لم تجدي هذه المرة.

في سياق هذا الصراع ومحاولات فرض جبهة النصرة لنفسها كإدارة مدنية، لا بد أن يلعب المجتمع الدولي دوراً في تعزيز وتمكين المؤسسات المدنية المستقلة، والاستمرار في تقديم الدعم لها لضمان استمرار عملها، وتقديمها الخدمات للمواطن السوري الذي بات يعلم جيداً خطورة وجود جبهة النصرة في مناطقه. والتعويل على حالات المواجهة المدنية لمشاريع جبهة النصرة في السيطرة؛ ولابد أيضاً من التعويل على جيوب المعارضة الوطنية الموجودة في إدلب وريف حلب الشمالي للقيام بعمل عسكري لإنهاء وجود جبهة النصرة، مع مراعاة عدم وقوع خسائر بشرية أو أضرار بالبنية التحتية المنهكة أساساً نتيجة قصف نظام الأسد لها، وتجنب الأسلوب الذي اتبعه التحالف الدولي في مدينة الرقة عبر استباحة المنطقة بالقصف العنيف، بحجة القضاء على الإرهاب.

اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.